وائل قنديل

وائل قنديل يكتب: هل الدستورية عسكرية أكثر من العسكريين

يبقى السؤال مطروحا: ما الذى استجد لكى تمتد يد المحكمة الدستورية لقانون مباشرة الحقوق السياسية الذى أصدره المجلس العسكرى عام 2011، وهى التى فحصت مواد القانون وأقرتها ولم تجد غضاضة فى المادة الخاصة بمنع العسكريين ورجال الشرطة من التصويت فى الانتخابات؟

لماذا رأت الدستورية القانون جيدا ولا غبار عليه، بل إن من أعضائها من شارك فى مناقشته فى 2011 ثم انقلبت عليه فى 2013؟

إن المادة الخاصة بمنع العسكريين ورجال الشرطة من المشاركة بالتصويت أو الترشح فى الانتخابات العامة يقترب عمرها من الأربعين عاما، فلماذا سكتت عليها «الدستورية» كل تلك المدة ثم قررت أن تنسفها الآن؟

إن إجراء منع العسكريين من التصويت تم تفعيله بموجب قانون صدر برقم 76 لسنة 1976، وعقب انتخابات مجلس الشعب التى أجريت عام 1971، وشهدت واقعة شهيرة كان بطلها المرشح فى ذلك الوقت أحمد ناصر المحامى الوفدى المعروف، ووفق رواية مصادر عايشت تلك الفترة فإن المحامى المعروف أقام دعوى قضائية يطعن فيها بالتزوير فى صناديق الانتخابات الخاصة بالعسكريين، وقد حصل على حكم لصالحه وتعويض مادى، وبعدها صدر القانون رقم 76 الخاص بعدم السماح لأفراد المؤسسة العسكرية والأمنية بالتصويت.

وبعدها شهدت مصر العديد من الانتخابات البرلمانية على مدى الأربعين عاما الماضية لم يشارك فيها العسكريون ورجال الشرطة بالتصويت، ولم يعترض أحد أو يطالب بمنحهم حق التصويت، بل إنه كان هناك توافق عام على أن هذا الإجراء يعفى المؤسسة العسكرية من التورط فى مستنقعات الانتخابات وألاعيب السياسة، ويوفر بيئة أكثر ديمقراطية ومدنية لإجراء الانتخابات.

إن ذهاب الدستورية لمنح العسكريين حق التصويت من باب تحقيق المساواة بين مختلف فئات الشعب يهدر تماما اعتبارات الأمن القومى المصرى ويضع المجتمع على حافة الخطر،  ويفتح مجالا لصدامات لا يتحملها بلد مصاب بارتفاع حاد فى درجة الاستقطاب والتخندق،  فضلا على أنه يجر المؤسسة العسكرية والأمنية إلى جحيم السياسة ومعاركها.. والسؤال هنا: هل فعلت «الدستورية» ذلك من عندياتها؟

ظاهر الأشياء يقول إن أحدا من العسكريين أو الشرطة لم يشك أو يتضرر من منعه من التصويت فى انتخابات هم مكلفون بتأمينها من الخارج دون تحيز أو تفضيل لطرف على حساب آخر ودون التدخل فى مجرياتها.. وعلى ذلك تبدو المحكمة الدستورية فى هذا الموقف عسكرية أكثر من العسكريين أنفسهم.

إن المنطق يقول إنك إذا منحت شخصا حق التصويت فهذا يعنى أنك تمنحه حرية التأييد والمعارضة، والحق فى الدعاية والترويج لهذا الفصيل أو ذاك، وتخيل أن ضابطا أو جنديا يحمل مهمة تأمين لجنة انتخابية، وفى الوقت ذاته يحمل قناعاته وانحيازاته الشخصية فى انتخابات فى بلد لا يزال فى طور التدريب على ممارسة الديمقراطية لأول مرة منذ عقود طويلة من الاستبداد والتزوير والتزييف فى إرادة الناس، هل نستطيع أن نتحدث عن حيادية فى التأمين والتنظيم هنا؟

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: القضاء الشامخ.. حصننا الظريف «الأخير سابقا»

من المقولات ذائعة الصيت فى أدبيات الصحافة والسياسة فى مصر «القضاء حصننا الأخير» لكن يبدو أن القضاء قرر أن يتمرد على ما عرف عنه، ويدخل معمعة السياسة لاعبا أساسيا من الباب الواسع.

وتذكر جيدا أنه فى المرة الآولى التى أحيل فيها قانون الانتخابات من مجلس الشورى (التشريعى رغم أنفه وأنفنا) إلى المحكمة الدستورية أعادت الأخيرة القانون طالبة تعديلات فى عدد من المواد فى حدود أصابع اليد الواحدة، ودار اشتباك حامى الوطيس حول رقابة الدستورية على القوانين، وانقسمت الأمة إلى فريقين، أحدهما يتشبث بأن الرقابة سابقة بنص الدستور الجديد، وعلى ذلك لا إلزام لمجلس الشورى بإرجاع القانون للمحكمة الدستورية بعد استيفاء ملاحظاتها.. والفريق الآخر يتمسك بأن الرقابة لاحقة وبالتالى على الشورى إعادة القانون إلى المحكمة مرة أخرى.. وقد كان.

وبالأمس فقط أعلنت الدستورية نتيجة امتحان التلميذ (الشورى) بعد تصحيح ورقة الإجابة للمرة الثانية وكانت المفاجأة أن المجلس التشريعى صار راسبا فى ١٣ مادة، بعد أن كان فى المرة الأولى راسبا فى خمس أو ست مواد فقط.

الدستورية هى الدستورية والشورى هو الشورى والقانون تم تكييفه بما يتماشى مع ملاحظات المحكمة على النسخة الأولى منه.. فماذا حدث لكى تضاعف «الدستورية» عدد مواد الرسوب التشريعى؟

ثم نأتى إلى الأهم والأخطر وهو إلزام المحكمة الدستورية العليا مجلس الشورى بالسماح لضباط وأفراد الجيش والشرطة بالتصويت فى الانتخابات.

هنا لن تكون مهينا للقضاء الشامخ لو قلت إن هذا الحكم أو القرار أو الإلزام يفتح أبوابا للجحيم، ويؤدى إلى حالة من التفكك والصدام بإقحام أطراف من المفترض أن دورها هو إدارة اللعبة السياسية، إلى أرضية الملعب لكى تمارس اللعبة وتنافس المتنافسين، الأمر الذى يدفعك للتساؤل: لماذا لم تعترض الدستورية على منع العسكريين وأفراد الشرطة من التصويت فى المرة الأولى التى نظرت فيها القانون، ثم قررت أن تعترض فجأة فى المرة الثانية؟

سؤال آخر: هل تعى الدستورية خطورة هذه الخطوة؟ هل تعرف ماذا لو أصبح عندنا جيش بيصوت؟

والسؤال الأخير طرحه الباحث السياسى أحمد فهمى وصاغه ببراعة فى مجموعة من الأسئلة والأجوبة على صفحته على «فيس بوك»، كالتالى: مهزلة طبعا..

بعد كم دورة انتخابات، هتلاقى أحزاب جديدة تؤسس لتخطب ود العسكر باعتبارهم شريحة تصويتية مهمة..

ممكن مثلا يتأسس حزب اسمه «مصر المشاة» أو حزب «الطيار الشعبى»..

أو ممكن حزب يسمى نفسه «حزب الانتباه» حتى يهتف الجنود باسمه يوميا عدة مرات: كتيبة انتباه..

وطبعا لازم الوعود الانتخابية للمرشحين تتناسب مع هذه الشريحة، يعنى مثلا: تصريح لكل عسكرى ــ الشعب يريد إلغاء الشرطة العسكرية ــ نعم للكتافة البلاتين ــ لا للتمييز الطبقى ضد الصولات.. إلخ

وممكن نغير شعار الثورة لأسباب انتخابية ويبقى: عيش ــ حرية ــ سلاح المدفعية..

ده غير مشاكل التصويت نفسها، خد عندك كمثال: الجيش مينفعش ياخد إجازة مرة واحدة، وفيه حرس حدود مينفعش يتركوا مواقعهم علشان ينتخبوا، طيب نعملهم إيه؟ بسيطة، نخصص لهم جولة جديدة..

كده هيبقى عندنا 3 انتخابات: المصريون بالداخل، المصريون بالخارج، المصريون على الحدود..

يعنى يسيل دمنا علشان نطلع العسكر بره السياسة من الباب، الدستورية ترجعهم من الشباك..

أحسن حل إننا نعمل دستور جديد، ونخلى أعضاء الدستورية تلاتة بس..

وعلى قدر ما تحمل هذه الأسئلة من سخرية شديدة، فإنها وغيرها تعبر عن قلق حقيقى يعصف بكل من يخشى على هذا البلد من الانشطار.. غير أنك لن تعدم تبريرا وتسويغا لهذه القفزة المخيفة فى جحيم المجهول من جانب الذين صدعونا بالدولة المدنية وحتمية إبعاد الجيش والشرطة عن سعير اللعبة السياسية.

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: النبيل حين يستقيل.. محمود مكى نموذجًا

وأنت تتابع انفجارات المستقيلين من مواقع فى مؤسسة الرئاسة، سعوا إليها وعرضوا أنفسهم وتمنوا الجلوس فى مقصورة السلطة العلوية، لا تستطيع أن تمنع نفسك من استحضار حالة رجل نبيل كان نائبا لرئيس الجمهورية، مطلوبا وليس طالبا أو ساعيا، ثم استقال فى هدوء وصمت الكبار.

هذا النبيل الكبير هو المستشار محمود مكى القاضى الجليل الذى قبل أن يكون نائبا للرئيس فى مرحلة شديدة الصعوبة، لم يتخل فى أثنائها عن وقار القاضى وعدله وتجرده ونزاهته فى القول والفعل، وحين صدر الدستور الجديد خاليا من النص على وجود نائب للرئيس قرر أن يضرب المثل ويغادر موقعه، على الرغم من أن الدستور لم يتضمن نصا يمنع وجود نائب للرئيس.

وأعلم أن محاولات مضنية بذلت من الرئيس لإثناء النائب عن قراره بالاستقالة، كما سعت قوى سياسية وشخصيات وطنية لإقناعه بالبقاء، خصوصا أن المرحلة كانت تتطلب وجوده بكل ما يتمتع به من وطنية واستقلالية وانفتاح على مختلف الأطراف دون انحياز إلا للحق والمنطق.

غير أن الرجل كان صارما فى قرار الاستقالة، والأجمل من ذلك أنه لم يستسلم لإغواء الظهور فى وسائل الإعلام، ولم يتصرف مثل حاوٍ يمتلك جرابا كبيرا من الأسرار والخفايا، يدور به على الاستوديوهات ويفتى ويدعى المعرفة والعلم بكل شىء، وينفث مما بقى فى صدره من عدم رضا عن أشياء ومعارضته لأشياء أخرى.

فضيلة المستشار محمود مكى الأساسية أنه لم يسلك وفق سيكولوجية «المسئول التائب» الذى يقفز فى حجر الذين يتربصون بمن كان معهم ثم افترق عنهم وابتعد، وعلى ذلك لم نشاهد مكى جالسا بين أنياب التوك شو المتعطش لدماء الفضائح والأسرار والخفايا، ولم نجده ضيفا على صفحات صفراء فاقع لونها، يهاجم ويشتم ويسب ويدعى البطولة والبسالة.

إنه لم يتصرف وفق نظرية «الأستيك» فيترك نفسه ليشده الطرف الآخر ويتركه ليلسع الناحية الأخرى بخفة ورشاقة، إمعانا فى إظهار التوبة عما كان فيه بملء إرادته واختياره.

ومن المرات النادرة وربما المرة الوحيدة التى قرر فيها نائب الرئيس المستقيل أن يتكلم باقتضاب كانت عندما ادعى الكذابون أن ابنه خريج الحقوق تم تعيينه فى مجلس الدولة على حساب من يستحقون، فأوضح الرجل بجلاء وجلال أن ابنه جرى استبعاده من التعيين رغم أحقيته فيما عين الحاصلون على تقدير أقل منه.

لقد رحل محمود مكى عن منصبه مترفعا ورافع الرأس، وكان يستطيع الاستمرار، وسكت سكوت النبلاء المحترمين، وكان يستطيع أن يغرق الاستوديوهات بأطنان من الكلام ويملأ الجرائد بهكتارات من الثرثرة والرغى فيما كان طرفا فيه ولم يكن.. لكن الرجل آثر أن يكسب نفسه ولا يبتذلها على النواصى وفى ظلمات الأزقة.

 عِمت صباحا أيها المحترم.

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: تكاتك العكشنة فى حوارى الفضاء والسياسة

فى البداية كانت «العكشنة» مادة للتندر والضحك المبتذل، ودليل على انهيار كامل فى المهنية والذوق العام، وموضوعا لسخرية النخب الواعية ممن يقفون وراء «عكشنة المشهد السياسى» ويدعمونها ويطلقونها على قوى الثورة الحية، ويوفرون لها الحماية الرسمية والقضائية.

وفى النهاية تبين أنها لم تكن «موضة» ووجدنا مصابى العكشنة يتعاكشون بإمعان وكأنهم ينقلون حرفيا من مؤسس مدرسة المهنية المتدنية.

إن من يسوقه حظه العاثر للوقوع بين براثن ريموت التليفزيون هذه الأيام سيشعر للوهلة الأولى وكأن ماسورة العكشنة انفجرت وأغرقت غالبية استوديوهات مصر، وأن كلا منهم ومنهن عبأ كل أوانى مطبخه الإعلامى منها وراح يستخدمها بلا أدنى إحساس بالخجل من هذا الاعتداء الصارخ على حقوق ملكية فكر الفقر أو فقر الفكر بتعبير الراحل يوسف إدريس.

وأذكر أننى رصدت مبكرا جدا تحور هذا الفيروس وتطوره فى مقال بهذا المكان فى ذروة هيمنة المجلس العسكرى على الساحة السياسية عقب انتخاب الرئيس محمد مرسى، وقلت تحت عنوان «العكشنة والتعاكش والاستعكاش» إن «هذه الظاهرة فى حاجة لوضعها على مائدة الطب النفسى لنعرف ماذا حدث لقطاع من المصريين يقبلون على تناول جرعات إعلامية مسرطنة يعلمون فسادها وخطورتها ويدركون قبل غيرهم أنها مهلكة.. غير أن الأكثر احتياجا للعلاج النفسى من «المتعكشنين أى الذين يتعاطون العكشنة» هم هؤلاء المذيعون والكتاب المتعاكشون «أى الذين يحاكون ما يصدر عن هذا الكائن وهم فى قمة وعيهم» ومن هؤلاء من يدافع عن الإخوان ومحمد مرسى على الطريقة العاكشية.. وأخيرا هناك «الاستعكاشيون» أى الذين يتصنعون الجهل والغفلة لتبرير سقوطهم فى هذا المستنقع».

غير أنه بعض مضى شهور على هذه الظاهر ثبت بالدليل القاطع أنها ليس قصرا على الإعلام فقط، بل امتدت واستفحلت وبنت أوكارها فى أدمغة رموز سياسية واستوطنت رءوسا أكاديمية كنا نظنها مستعصية على هذا الفيروس العجيب، حتى بلغ الانحدار بأستاذ أكاديمى أن يضع سؤالا فى امتحان الفنون بجامعة صعيدية يقول «كيف ترسم خروفا يقود قطيعا متحركا».. ناهيك عن ظهور نماذج عديدة بأحجام مختلفة من «المينى عكشة» تجدها فى برامج فضائية فى منتهى الالتزام والإخلاص لقيم هذه المدرسة، يستوى فى ذلك من يدعى الاستنارة والعمق المعرفى من أصحاب الإيقاع الهاااااااادئ، ومن يدعى العبط الظريف ويتقافز مثل قرود السيرك رافعا عقيرته بصياح أجوف أحيانا، ومقدما فقرات من «عجين الفلاحة» فى أحيان أخرى .. مع الأخذ فى الاعتبار أن «العكشنة» لا تميز بين الجنسين.

وطبيعى والحال كذلك أن تندلع حمى الكذب والتلفيق والفبركة بدون حد أقصى، إلى الحد الذى تبلغ بهم الجرأة معه لنشر قوائم لإرهابيين أُفرِج عنهم فى صفقة تحرير الجنود يتبين أن أصحابها قتلوا منذ سنوات، وأن يشطح آخرون لما هو أبعد ويؤلفون حوارات مع الخاطفين.

ومرة أخرى.. أحسد رئيس الجمهورية على أن رزقه الله بهذا النوع من المعارضة الكوميدية الظريفة.

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: التصالح مع الشهداء أولًا

فى زحمة الفرح بتحرير الجنود من خاطفيهم فى سيناء لم يتوقف أحد أمام حكم البراءة الصادر فى اللحظة ذاتها أمس فى قضية قتل متظاهرى ثورة ٢٥ ينابر بالمرج.. وكأن الأذن المصرية تطبعت على استقبال أحكام البراءة فى قضايا قتل الثوار فصارت خبرا عاديا لا يستفز أحدا أو يثير اهتمامه وغضبه.

وهذه نتيجة طبيعية لحالة الصراع المجنون داخل معسكر شركاء الثورة والذى يخوضه البعض باعتباره حربا حتى يوم القيامة، لا ينبغى لها أن تتوقف أو تهدأ، لأن كل فصيل يتوهم قدرته على إبادة الآخر واجتثاثه، بينما خصوم الثورة يعيشون عصرا ذهبيا من التدليل والمغازلة والراحة والسعادة بأن من قاموا بثورة ضدهم يتقاتلون فى معركة حامية الوطيس.

إن كلا الفريقين، السلطة والمعارضة يتسابقان فى تقديم ما لذ وطاب من أطباق دعوات التصالح مع النظام الساقط متبلة بشعارات المصالحة الوطنية، بحجة الاستقرار ودفع العجلة للأمام.

لقد كانت الأمة كلها مشغولة أمس بقضية إطلاق سراح الجنود، فريق يكدح ويكد فى محاولة تسفيه الإنجاز الذى تم وإهالة التراب على أداء مؤسسات الدولة فى هذه الأزمة، وفريق يدافع باستماتة عما تم ويعتبره نهاية المطاف كضربة قاصمة للفريق المناوئ، وعلى ذلك لم يكن هناك من يرفع صوته غاضبا من استمرار هطول براءات قضايا قتل الثوار.

ولو خرجت إلى دائرة أوسع ستكتشف أن الفريقين يخوضان تنافسا محموما فى كسب رضا الدولة العميقة ويزايدان على بعضهما البعض فى دعوات المصالحة، وكلاهما يضع نصب عينيه انتخابات قادمة تتطلب استعدادات وتربيطات ومغازلات وربما صفقات.

وأكرر ما قلته هنا أكثر من مرة من أنه إذا كان استسلام نظام منتخب جاء بعد ثورة لمنطق المزاوجة بين الجديد (الثورى) والقديم (الدولة العميقة) لاعتبارات الضرورة والمنفعة مسلكا مستهجنا، فإن لجوء قيادات ثورية لاستخدام السلاح ذاته يكشف عن عوار حقيقى فى مفهوم الثورة، ويعد خللا مخيفا فى بنيتها الأخلاقية والمنطقية.

ومادام الجهد منصبا على استمالة واسترضاء خصوم الثورة والتصالح معهم، أكثر من الاهتمام بإراحة أرواح الشهداء والتصالح معهم فليس لأحد هنا أن يتمحك فى الثورة ويدعى أنه المتمم والمكمل لها، وليكونوا واضحين مع أنفسهم ويعترفوا بأنهم بصدد مباراة فى السياسة والانتخابات والتدافع على السلطة وليس الصراع من أجل الثورة.

وبالقدر ذاته الذى يصبح معه انفتاح من يعتبرون أنفسهم (الرموز الثورية) على معسكر الفلول الذى صاروا يدللونه باسم «الأغلبية الصامتة) أمرا مستهجنا ومذموما، فإن تجاهل السلطة لتقرير لجنة تقصى الحقائق الخاص بقضايا قتل الثوار والمتظاهرين، وبقاء هذا التقرير فى أدراج من بيدهم الأمر هو أمر يدعو للاستنكار والاستهجان ويثير علامات الاستفهام والريبة فى وجود إرادة حقيقية فى تحقيق المعنى الجوهرى والأساسى للثورة بجعل حق شهدائها ومصابيها مقدما على سواه من ملفات وقضايا.

إن الفرحة بالقمح وعودة الجنود وإطلاق مشروعات اقتصادية كبيرة لا ينبغى أن تنسينا أبدا أصحاب الفضل.. تصالحوا مع الشهداء قبل أن تفكروا فى مصالحات مع النظام القديم.

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: الفرحة بعودة الجنود خيانة للثورة

وكأن على رءوسهم الطير.. هذا حال الذين صدمتهم عملية تحرير الجنود المخطوفين وجردتهم من ورقة ظنوا أنهم قادرون على تحقيق أرباح بها فى بورصة الهذيان السياسى.

وكأنها جريمة ارتكبتها الدولة المصرية ممثلة فى رئيسها وجيشها حين نجحت فى استعادة المخطوفين دون دماء وبلا رصاص، فأصابت «أصحاب المكلمة» بغصة فى الحلوق التى استمرأت لعبة الدم والحريق.

من هول المفاجأة كاد بعضهم يفقد صوابه ويعلن رفضه استعادة الجنود من خاطفيهم، إذ كيف بهذه السهولة تلقف عصا الدولة كل هذه العصى فى أيدى أصحابها المتعطشين لوليمة شماتة وتشفٍ مخلوطة بالدماء؟ وكيف يخرج الرئيس ونظامه من هذا الاختبار العصيب بهذه السلاسة؟

وكيف يحتفل القائد الأعلى للقوات المسلحة بإنجاز رجاله ويقدم لهم التهنئة ويحييهم على نجاح مهمتهم فى الذود عن كرامة مصر؟

بالتأكيد هذا صادم وجارح لمشاعر أولئك الذين اعتبروها واحدة من الفرص الثمينة لكى تأكل الدولة بعضها بعضا، ولكى ينشطر الواحد الصحيح إلى أجزاء متصارعة، ما يمهد للتخلص من رئيس جاء بالانتخاب.

وعلى الرغم من بلاغة الصورة وصدق الملامح المبتهجة بعودة الجنود على وجوه قادة الجيش والشرطة، فإن بعضهم مازال غير قادر على التنازل عن أوهامه المعششة وأحلامه المتعطشة لانقلاب الجيش على قائده الأعلى.. ويدهشك، أو بالأحرى يصيبك بالأسى ويدعوك للرثاء، هذا التصميم الكيدى على أن هناك خصومة بين الرئيس والمؤسسة العسكرية.

لقد استبد الكيد ببعضهم لدرجة أنه يكاد يعتبر الفرحة بتحرير الجنود خيانة للثورة (الثورة المهندسة وراثيا أو الإصدار الجديد منها الذى يقوم على الجمع بينها وبين ما هو ضدها) وفى ذلك ـ وكالعادة ـ لا يريد المصدومون الاعتراف بأن العملية نجحت، إلا إذا اطلعوا على دقائقها وخفاياها وأسرارها، وكأن المطلوب أن تتحول غرقة عمليات القوات المسلحة إلى سيرك يفتح أبوابه مجانا للباحثين عن اللهو، البرىء منه وغير البرىء.

إن كثيرين للأسف استقبلوا ما جرى بعقلية مدمنى «البلاى ستيشن» وجمهور أفلام الأكشن، يريدونها معركة أشبه بلعبة تفاعلية، من حق كل من بيده كيبورد أو ريموت كونترول أن يحركها على هواه ووفقا لأوهامه.. وعلى ذلك طار صواب بعضهم وتخبطوا فى خطابهم كمن أصابته صاعقة، فبعد النواح والعويل على الدولة العاجزة عن استعادة جنودها المخطوفين، انقلبت الدفة وتحول الخطاب إلى غمز ولمز فى الواقعة من الأصل.

لكن الفنتازيا تبلغ ذروتها عندما لا تلتقط العيون الوقحة من المشهد كله إلا أن رئيس الجمهورية الذى يتناوله إعلام الملاهى الليلية بأكثر من عشر ساعات يوميا بالسخرية والسباب تحدث لمدة ١٥ دقيقة كاملة فى الاحتفال باستعادة الجنود المخطوفين.. وتسمع عجبا وتشاهد عبثا حين يتطاوس المصدومون والمصدومات فيلقنون الرئيس دروسا فى أصول الكلام والبروتوكول، ويعنفونه على أنه تقدم بالشكر لكل من ساهموا فى تنفيذ العملية.

لقد تربى هؤلاء البؤساء فى حظائر إعلامية كانت تنسب كل لعبة حلوة فى مباراة للمنتخب لتوجيهات السيد الرئيس وحنكته، فكيف يأتى هذا الرئيس الديكتاتور عديم الايتيكيت ويرجع الفضل لأصحابه فى عملية تحرير الجنود؟

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: ثوار فوق أكتاف الزند.. ووطنيون فى ثياب الليكود

الهيستيريا مستمرة.. مكايدة ونكاية فى محمد مرسى لا يمانع بعض الرموز الثورية فى إحراق الثورة أو رهنها أو المقايضة عليها، لقاء ما يتيح لهم الاستمتاع بساعات من المرح فى مراجيح الزند.

بعضهم لا يجد غضاضة فى تسلق أكتاف زناديد مبارك لكى يهتف ضد محمد مرسى ويفرغ طاقته من الكيد والرغبة المستعرة فى إسقاط النظام، حتى لو سقط معه كل ما ناضلوا من أجله يوما.

إن المشهد فى المؤتمر الدولى العالمى الأممى الكونى بنادى القضاة أمس الأول كان ينتمى بالكلية إلى الفنتازيا السياسية، وبدا بعض الضيوف وكأنهم فى حالة انسلاخ تام عن كل ما اعتبروه يوما عقيدة ثورية لا تهتز.

ولو دققت فى ترتيب مقاعد الجلوس سيصدمك هذا الود الغزير بين أهل الثورة ورموز الثورة المضادة، فى لقاء حميم تأسس على الكراهية والمكايدة فقط، فى تجسيد كامل لمقولة تاريخية ذائعة مضمونها أنه عندما تكون الغايات والأهداف بعيدة عن النبل والاحترام تأتى الوسائل غير نبيلة وغير محترمة، بما فيها من ترديد أكاذيب وترويج معلومات فاسدة عن أممية ما يسمى بالاتحاد العالمى للقضاة، الذى لا يختلف فى بنيته وتكوينه عن «الاتحاد العالمى للفلكيين الروحيين» أو غير ذلك من تجمعات غير رسمية وغير معترف بها كمنظمات أو هيئات دولية مستقرة وراسخة فى المجتمع الدولى، فهو لا يرتقى مثلا من حيث الوضعية القانونية للاتحاد الدولى لكرة القدم.

والأمر لا يعدو كونه استخداما لكلمة «الدولى» فى لافتة كبيرة وضخمة تذكرك بسيل من الصحف القبرصية الصفراء التى كانت تحشر مفردة «دولى» مقترنة باسمها للإيحاء بطبيعة دولية عالمية مدعاة.

ومن هذه الزاوية فقط يمكن الاتفاق مع القول بأن هذا المؤتمر ليس تدويلا للأزمة أو استقواء بالأجنبى، لأن هذا الاتحاد ليس أكثر من تجمع عالمى يقوم على اشتراكات الراغبين فى الانضمام إليه ــ دون إلزام ــ وبالتالى هو ليس مظلة أممية رسمية للقضاء فى العالم.

ولم يكن هذا المؤتمر اللطيف وحده مجرد حلبة لممارسة رياضة المكايدات السياسية، بل تظل الملاهى الفضائية الليلية هى الساحة الأرحب لممارسة هذا النوع من الألعاب، وتواصل حلقات الزار الشامت المتشفى فى واقعة خطف الجنود دون كلل أو ملل من محاولات التثبيط والتحبيط ونثر بذور الفتنة والوقيعة بين القوات المسلحة وقائدها الأعلى.. غير أن بعضهم تفوق على نفسه وقطع شوطا أبعد وكشف عن وجود ما يمكن أن تسميه «عبدة الكامب» حين تركت إحداهن كل شىء وتصدت باستماتة ليكودية صميمة لنشر قوات مصرية فى سيناء لملاحقة الخاطفين من باب أن فى ذلك خرقا وانتهاكا لمعاهدة السلام.

غير أن الأبشع من ذلك هى تلك الأسئلة التى تفح سما وتفوح تحريضا للسفيرة الأمريكية ضد الجريمة التى يرتكبها النظام المصرى بسعيه للاكتفاء الذاتى من القمح، وانفتاحه دبلوماسيا على روسيا والصين.

لقد كشفت أزمة الجنود المختطفين عن نوع جديد من الوطنية لدى بعض النخب المصرية تبدو معها ليكودية أكثر من الليكود.

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: الذين سقطوا أخلاقيا وسياسيا فى اختبار خطف الجنود

يتذكر الذين عايشوا ملحمة انتصار أكتوبر ١٩٧٣ أن اللصوص المنتشرين فى ربوع مصر فى ذلك الوقت اتخذوا قرارا حضاريا بالتوقف عن السرقة لأن الأمة كلها، بجيشها وشعبها، مشغولة فى حرب مقدسة ضد عدو الجميع.. فى ذلك الوقت قدم اللصوص والحرامية درسا بليغا فى الوطنية والأخلاق معا، إذ انخفضت معدلات السرقة والنشل والسطو على المنازل حتى كادت تختفى تماما طوال فترة القتال على الجبهة، وأظهروا نبلا إنسانيا نادرا غير مستسلمين لإغواء الانتهازية واستغلال الفرص.

وفى هذه اللحظات العصيبة تخوض الأمة المصرية كلها ــ إلا من ابتلى ربك بالوضاعة والخسة ــ معركة للدفاع عن كرامة جيشها وحياة سبعة من أبنائها اختطفهم «عدو» بمنتهى النذالة والغدر، وكان من المنتظر أن يستدعى الجميع الجزء المضىء من التركيبة الإنسانية ويؤجلوا أحلامهم فى القنص والانتهازية والقرصنة حتى تنكشف الغمة، وترد مصر العدوان وتحرر أبناءها المحتجزين، غير أن الستار انفتح على حالة من التعرى الأخلاقى والسياسى الفاضح، فضاعف قراصنة السياسة والساعون إلى السلطة من نشاطهم استثمارا للموقف العصيب، وبدلا من إعلاء قيم التجرد والتضحية وإعلاء مصلحة المجموعة، برزت مخالب التشفى وأنياب الشماتة، واستعرت الرغبات المجنونة فى استغلال الفاجعة لاقتناص مكاسب وأرباح غير مشروعة، حتى لو أدى الأمر إلى انكسار هيبة الوطن وكرامة المواطن وهدم المعبد على رءوس من فيه، حكاما ومحكومين.

ويلفت النظر أن رءوس الحراب الإعلامية التى تقود أوركسترا الشماتة والتسفى وزرع الفتن بين مؤسسات الدولة المعنية بهذه الأزمة، هى ذاتها تلك الرءوس الصدئة التى اعتبرت قبل أكثر من ثلاثة أعوام العركة الكروية بين منتخب مبارك وأبنائه من جانب، ومنتخب الجزائر الشقيقة من جانب آخر، معركة كرامة وطنية وحربا للدفاع عن سيادة مصر وشرفها وأمنها، على الرغم مما اكتست به هذه الحرب التافهة من هزل وقلة قيمة وتحويل أحلام ابنى المخلوع إلى حلم قومى ودفاع عن الشرف الوطنى الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم.

هو ذاته الإعلام الساقط الذى جعل مصر الكبيرة أضحوكة العالم أجمع فى «حرب الكرة» الذى يمارس الآن كافة أشكال صناعة الكذب والفزع والتشويش والشماتة والتشفى والغل الآن، لكن المخجل أن بعضا مما تعاملنا معهم باعتبارهم وطنيين كبارا بدوا أكثر تهافتا وضآلة وهم يتركون أنفسهم لبارونات إعلام الفتنة والسقوط، يحركونهم مثل عرائس الماريونيت وينطقونهم بما يريدون إشاعته وترويجه من فاحش القول ومنحط الفكر، حتى أن «كبيرا» من إياهم قرر أن يتمايل على إيقاعات مطربة مبتذلة ويقول معها ولها إنهم رفضوا الاستجابة لدعوة حوار حول الأزمة لكى «يشيلها الرئيس وحده».

وإلى جانب هؤلاء تطل الوجوه ذاتها هرولت على وجوهها إلى المخلوع حين تعرض لاعتداء فى أديس أبابا منتصف التسعينيات، لتشمت فى الدولة المصرية الآن وتتصرف بروح القرصنة وعقلية نبش القبور تتحكم فى نفوس لا تخجل وهى تعلن إفلاسها الأخلاقى والفكرى فى لحظة كان من المفترض فيها أن يسمو الناس على أطماعهم ورغباتهم الصغيرة، ولو حتى من باب الاستثمار السياسى فى المستقبل.

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: جنرالات الثرثرة لن يحرروا الجنود المخطوفين

المفروض أن مصر كلها تمر بأزمة تخدش كرامتها وتبتز مشاعرها الآن.. عن مأساة خطف جنودنا فى سيناء أتحدث.

لكن العجيب والمؤلم فى آن معا أن بعضهم لا يرى فى الأزمة سوى أنها فرصة مواتية يجب استثمارها بكل الطرق والوسائل لترويج بضاعة الأوهام المصنعة فى عقول خربت ونفوس فسدت عن صدام أو صراع بين رئاسة الدولة وقيادة الجيش، فلم يجدوا فى هذا الجرح المؤلم لكل مصرى ومصرية إلا أنه ساحة لاستخدام أدواتهم ومفرداتهم البذيئة لصناعة صورة تشبه كثيرا تلك الصورة البائسة التى أفضت إلى أسوأ هزيمة للإنسان العربى فى القرن العشرين وهى نكسة ١٩٦٧، وهى صورة الصراع بين الرئيس والمشير التى لا نزال ندفع ثمنها حتى هذه اللحظة.

إن أحدا منهم لا يهتم كثيرا بأن هيبة الدولة المصرية بحكامها ومحكوميها، بجيشها وشعبها تتعرض للإهانة بهذه الجريمة الغادرة، كما لا يعبأ كثيرا بأن كرامة العسكرية المصرية تواجه موقفا صعبا يريد منه المجرمون ابتزازها، فضلا عن أنهم لا يعنيهم كثيرا أن مواطنين مصريين بسطاء ودعوا أسرهم وخرجوا لخدمة الوطن فاختطفوا بمنتهى الخسة والوضاعة.. لكنهم بالطبع يهتمون أكثر باستغلال هذه المناسبة الحزينة لإشعالها نارا بين الرئيس والجيش، فتجدهم يتقافزون فوق الشاشات والصفحات كالقردة مرددين كلاما ساقطا للتحريض والوقيعة وإثارة الفتنة بين مؤسسات الدولة التى تواجه حربا حقيقية الآن.

ومن العبث أن تحاول إقناع واحد من الذين لا يشغلهم شىء سوى تصاعد فرص الانقلاب بأن فى مصر دستورا يحدد العلاقة بين مؤسسات الدولة على نحو واضح وقاطع وتقول المادة ١٤٦ منه إن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة إلى خارج الدولة إلا بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطنى، وموافقة مجلس النواب بأغلبية عدد الأعضاء».

ورغم ذلك فإن التخرصات والتخريفات والهلوسات الصادرة عن نخب سياسية مصرية معطوبة بشأن حادث خطف الجنود تبدو فى استسهالها واجترائها الشديد على أدق خصائص المؤسسة العسكرية أقرب لتعليقات لاعبى الطاولة بالمقاهى على نتائج مباريات الدورى العام أو تشكيل المنتخب القومى، كلهم يرتدون مسوح الحكمة بينما يمارسون أحط أنواع الوقيعة وإشعال النار فى جسد الدولة المصرية، كأن يدلق أكاديمى بائس كمية لا بأس بها من اللعاب اللعوب عبر الإيثير ينهال فيها على الجيش المصرى بتافه القول ويختال عليه بزائف الحكمة منصبا من نفسه معلما يكاد يهوى بعصاه على قيادات الجيش الذين لا يعرفون شغلهم، وشغلهم طبعا من وجهة نظر سيادته أن ينقلبوا على قائدهم الأعلى ويسقطونه من الحكم.. أليس كذلك؟

ولا يقتصر هذا الهذيان على فيلق الحالمين بانقلاب عسكرى فقط، بل يمتد ليشمل محسوبين على تيار المؤيدين لرئيس الجمهورية وضعوا أنفسهم فى غرفة قيادة العمليات وتركوا لأنفسهم عنان «الماينبغيات» وراحوا يفتون فيما ينبغى ولا ينبغى من إجراءات هى من صميم عمل قيادة القوات المسلحة فى التعامل مع الأزمة واستعادة الجنود المخطوفين.

القسم: 
المصدر: 

وائل قنديل يكتب: الثورة ليست شركة مساهمة

الحكاية من الأول: المصريون قاموا بثورة على نظام مبارك، شاركت فيها كل الأطياف من الإخوانى والليبرالى والعلمانى والناصرى والمواطن العادى، ثم أكملوا طريقهم ضد ما تبقى من ظل مبارك وذيوله.

باختصار: تلك كانت المكونات الواضحة الشفافة للثورة، وعليه حين يقول لك أحد إنه يواصل الثورة بضم واستدعاء أتباع مبارك وأنصار ظله، قل له إن هذه ليست ثورة، ولا موجة جديدة من الثورة، ولا استمرارا لما بدأ فى يناير 2011، فهذا اسمه صراع سياسى على سلطة وحكم، ينبغى أن يظل محكوما بآليات ومنطلقات هذا الصراع، بعيدا عن استخدام اسم وشعارات ومنطلقات الثورة.

إن الثورة ليست ملكية خاصة لفصيل أو تيار كان من المشاركين فيه، كما أنها لا تدار بمنطق الشركات المساهمة، وبالتالى لا يملك أحد المساهمين أن يخرج آخرين، أو يتخارج منها وقتما شاء وكيفما شاء، فيمحو الثورية عن هذا ويسبغها على ذاك.

وحين تقرر ثورة أن تنقلب على بعض مكوناتها، أو تصنفهم كأعداء وخصوم، وتستبدل الذين قامت ضدهم بهم، فإنها بالضرورة تنقلب على نفسها وتتخلى عن جوهرها، وتخرج من كونها ثورة إلى شىء آخر.. هكذا يقول منطق الأشياء الذى يجعلك تسمع عشرات المرات فى عشرات المناسبات تعبيرات من نوعية «الموجة الثانية من الثورة» كما قيل فى الأحداث المصاحبة لمعركة الاتحادية، ثم قيل فى ذكرى 25 يناير، وها هو يقال الآن على حراك يقوم على الحشد الكمى، بما يسمح بدمج وإدخال من قامت ضدهم الثورة فى التركيبة الجديدة الغريبة.

وعلى ذلك ــ شئنا أم أبينا ــ فإن ما يسمى «ثورة على جزء أساسى من الثورة الأم» يصبح ثورة عكسية، وحين يتقاطع ذلك أو يتواشج أو يتجاور أو يتحالف مع الخصوم الألداء الواضحين لهذه الثورة فإننا نكون أمام تجسيد واضح للثورة المضادة.

وعندما يرفع بعضهم شعارات التطهير والإقصاء والقضاء على فصيل شارك فى الثورة، ويتعامل معه باعتباره استعمارا دخيلا، فهم من حيث لا يدرون يأخذون البلاد إلى آتون حروب الإبادة، فيشعلون النار فى كل بارقة أمل لانعتاق مصر من فقرها وجوعها، فيصبح القمح ــ مثلا ــ هدفا لإطلاق النار الكثيف، وتكون أخبار زيادة إنتاجه من المنغصات، بدلا من أن تكون من بواعث الفرح والتفاؤل.

والأمر نفسه ينطبق على مشروع تنمية قناة السويس، الذى يتحول وفق هذا المنطق السوداوى من حلم يشغل الجميع منذ حكومة كمال الجنزورى الأولى، إلى كابوس استعمارى امبريالى مخيف.

 إن النتيجة المباشرة للاستسلام لمنطق الكراهية العمياء وفلسفة الإقصاء والإبادة أن نشعل النار فى قمحنا وخبزنا وننشد للخراب أغنيات ثورية.

القسم: 
المصدر: