وائل عبد الفتاح

وائل عبد الفتاح يكتب: فى زمن لا يوجد فيه «جوجل إيرث»

تذكرتُ الحكاية بزمانها كله.

أشعر أحيانا أن هذا الزمن أصبح تاريخا بعيدا..

زمن يترحم فيه الناس على «محابس التسريبات» التى كانت كلها فى يد السلطة، توجهها ضد مَن تشاء أو تحرق بها من تغضب عليه.

تسريبات لا يستطيع أن يشكك فيها أحد/ محل ثقة/ فاللعبة كلها فى يد «محترفين» فى اللعب بدماغ الشعب.. وهم يرون ذلك من أدوات الحكم والسلطة.. بل ويفخرون... ولم ننسَ بعد الفخر الشديد الذى روى به اللواء حسن الروينى كيف كان يروّج الشائعات فى ميدان التحرير عن محاكمات أحمد عز والعادلى حتى يهدأ الناس والميدان.

سلطة تفخر بأدواتها..

وتجد مَن يصفّق لها ويشيد بالذكاء الذى تلعّب فيه الحكومة شعبها على «الشناكل»..

لم يفكر أحد فى تلك الأيام أن هذا ليس ذكاء ولا حنكة وإنما احتكار الأدوات لفترات زمنية طويلة..

لكنها كانت أيام هادئة مستقرة، يطمئن فيها الجالس على مكتبه أنه الراوى الأوحد، والمسرح له وحده..

فى تلك الأيام استطاع هذا الجالس فى الركن العميق من الدولة أن يفجر حكاية «لولو» والجنرال التى سأخفى الأسماء فيها لأنها لا تعنى لى إلا المثال على أيام السيطرة على المتسرب من أوكار الدولة العميقة..

أتذكر الحكاية الآن ونحن ما زلنا نعيش/ وسنعيش صدمة التسريبات من مكتب السيسى عندما كان وزيرا للدفاع..

وهى ليست الأولى التى تشير إلى أن أيادىٍ متعددة أصبحت تسيطر على المحابس.. كما ظهر أولا عندما نُشرت مقاطع من دردشات وهمهمات السيسى على هامش حوار صحفى، كما نُشرت مقاطع من لقاءات مع ضباط فى وحدات عسكرية..

كيف وصلت «لولو» إلى الجنرال؟

الجنرال غامض رغم أنه تحت الضوء وفى مركز صنع القرار.

«لولو» كسرت وقار الجنرال وجعلته بطلا لحكايات خيالية عن غرام العجوز بالفاتنة... كيف رآها بالشورت الأبيض القصير وسرقه جمالها الناعم؟ كيف شاركته حفلة مع سيناتور أمريكى جاء فى مهمة سرية للاتفاق على أن تكون القاهرة ممر عبور الأسلحة الأمريكية إلى أفغانستان فى آخر الثمانينيات؟ عندما ظهرت «لولو» فى حياة الجنرال أُضيفت إلى الحفلة التى اصطحب فيها السيناتور معه راقصة بالسيوف..

الحكايات لا تنتهى.. فى الصحف وفى البرلمان وفى تحقيقات النيابة... رواية كبيرة عن العجوز الغارق فى بحر العسل... كلها انطلقت من مكالمة سُجِّلت بالصدفة للتحريات عن موظفة فى الشهر العقارى.. الموظفة كانت تساعد «لولو» فى الحصول على شقة يمتلكها طليقها وتريدها رهنًا بالنفقة التى أقرتها المحكمة.. التسجيلات امتدت إلى تليفون لولو.. وهنا ظهر صوت الجنرال الكبير.

«لولو» كانت تصارع طليقها الهارب إلى أستراليا.

لا تيأس وتستغل كل ما تستطيعه لتنتصر.

المكالمة مع الجنرال استوقفت الأجهزة التى تترصد له على خطأ... تحولت إلى استجواب برلمانى وفضيحة صحفية وقصص لا تنتهى عن غراميات الجنرال.

«لولو» كانت وراء إبعاد الجنرال من ملعب المنافسة على مكان الرجل «الكبير».

غادر الجنرال مكتبه وهو لا يعرف كيف انفجرت قنبلة «لولو» فى وجهه؟

المكالمة لم تكن غرامية.. مجرد طلب بالمساعدة فى قضية النفقة.. والرد وعدٌ بالكلام مع صديق قديم يمكن أن يصل للقاضى... مكالمة عادية لكن الخيال الواسع بنى عليها قصصا لا تنتهى.

إنها علاقة من نسج خيال المجتمع الكبير، و«لولو» أصبحت فيها نجمة ذات نفوذ فى مجتمعات السلطة والثروة.. وفى هذه المجتمعات تكالب الرجال على صداقة لولو، وبعضهم على اختراع قصص لهم معها..

أصبح وجودها جائزة.. وهى تدرك ذلك وتلعب به.. تنتقل من بيت إلى بيت، ومن مشروع إلى مشروع، ومن علاقة إلى علاقة ولاتظهر عليها علامات السنين.. انتقلت من العجمى إلى مارينا مع انتقال المقر الصيفى لأهل السلطة والمال.. وحافظت على موقعها فى مركز هذا العالم.

بينما الجنرال الذى غادر مكتبه إلى البيت بسبب «لولو» لم يفهم -حتى غادر الدنيا كلها- ما حدث له بسبب فاتنة لم يقترب منها، بل لم يلتق معها فى حياته.

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: حكاية قديمة عن الخديعة

ما دمنا سننتظر التحقيقات حول التسريبات من مكاتب المسؤولين على أعلى مستوى.

ليس أمامنا إلا بعض ملاحظات وذكريات.

لاحظنا مثلا أننا ننتظر تحقيقات لا ينتظرها أصحابها… فالبيان الصحفى للنائب العام أكد أن «التسريبات مفبركة» أو «مصطنعة» قبل أن يجرى التحقيق.

ولاحظنا أيضا أن هناك ولعا فى التسريبات بما يطلق عليه فى أعراف الدولة المصرية «تستيف الأوراق».. هذا الولع يحول البعض إلى كهنة فى معبد الأوراق.

لكن لماذا تحتاج السلطات الأمنية إلى «تستيف الأوراق» بينما من الجائز فى حالة عزل رئيس تحت ضغط مظاهرات شعبية «أو حتى بقوة انقلاب» أن يتم الاحتجاز فى مكان لا يمكنه فيه من تحريك أنصاره أو إثارة القلاقل؟

والملاحظة الأخيرة تتعلق بعلاقة الدولة بالتكنولوجيا والذكاء الصناعى… ما مصير كهنة الأوراق فى زمن يمكن لخرائط «جوجل» أن تسجل عبر صور الأقمار الصناعية تفاصيل دقيقة فى كل متر؟ ماذا سيفعل الذكاء القديم مع فورات الذكاء الاصطناعى؟!

عمومًا هذه الملاحظات هى تسلية فى انتظار دراما التسريب والتحقيق… والآن مع فقرة الذكريات.. وهى مقال قديم كان بعنوان «شاركت فى الخديعة»…كتبت فيه:

متى يعترف اللواء ممدوح شاهين؟

المستشار طارق البشرى اعترف بأنه شارك فى الخديعة.

اعتراف لم يكن كاملا.

المستشار البشرى رأى أن الخطأ لم يكن فى التعديلات الدستورية، ولا فى بنيانها، ولكن فى أن المجلس العسكرى استجاب لضغوط «بعض التيارات السياسية» فى تأجيل الانتخابات.

أى أننا وما دام المستشار البشرى يتكلم فى السياسة لا فى الدستور فقط، نعتبر أن تصريحاته أو اعترافاته تمد الخطوط على استقامتها لتستكمل معركة الإخوان المسلمين الضاغطة على المجلس بتسريع الانتخابات.

الخديعة إذن مستمرة.

ولا بد أن يعترف اللواء كما اعترف المستشار لنعرف ماذا حدث وكيف شارك الجميع فى الخديعة التى وقعت بعد أيام من كسر رقبة النظام الديكتاتورى. هل كان المجلس العسكرى مرتبكا ولم يكتشف أنه قد تم تمرير فكرة الانتخابات السريعة لحصد الغنائم؟ ألم يكن أحد يعرف أن طريقة اختيار الجمعية التأسيسية للدستور ليس شرطا أن تكون عبر مجلس الشعب؟ كيف مرت الخدعة؟ولماذا تريدون استمرارها إذا كانت تقود مصر إلى الكارثة؟

الخدعة أدت إلى استقطاب حاد أرهق الثورة، لأن الطرفين اللذين اشتركا أو أسهما فى الثورة بعد اشتعالها: الجماعة والمجلس، أرادا أن يبعد المكاسب كلها عن القوى الثورية الجديدة.

الخوف من الثورة هو الذى حرك الخدعة.

الجماعة خافت أن تتجاوز القوى الثورية الجديدة «فى الجماعة وبالتأكيد خارجها» مساحتها فى المجال السياسى.

والمجلس ارتبك فى مواجهة قوى لا تريد تغيير حسنى مبارك، ولكنها تريد بناء جمهورية جديدة دون مؤسسات وصاية.

الجماعة وصلت إلى الثورة متأخرة.

والمجلس لم يكن أمامه خيار إلا تأييدها.

هل تلاقت هنا المصلحة ووقعت الثورة بين سندان ومطرقة، لا أعرف مَن فى الجماعة والمجلس المطرقة ومَن السندان، لكن الاتفاق غير المعلن: كفاية ثورة ولنعد للمسار القديم بعد التخلص من مبارك.

هل هذا ما حدث؟

من شارك فى الخديعة وإلى أين تقودنا؟

والأهم: هل تستمر الخديعة؟ ويتعطل بناء الجمهورية الديمقراطية سنوات، لأن هناك من يريد أن يوقع للناس على صكوك للجنة مقابل أصواتهم فى الصناديق؟

اللواء والمستشار الآن على مسافة لكنهما فى متاهة واحدة… للأسف أدخلا فيها البلد كاملا.

لماذا؟ ومن كان يخطط لعقاب الشعب على ثورته؟ من خطط للمتاهة التى نعيشها الآن؟

متى سيعترف اللواء ممدوح شاهين؟

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: متى اكتشف المرسى أنه فى القلعة؟

السيد النائب العام منع النشر حول التسريبات..

ولهذا لا أجد اليوم إلا حكاية قديمة حكيتها، وأنا بين الشفقة والضحك لحظة عودة المرسى من الاختفاء.. عاد فى سيارة ميكروباص، بعد أن كان قد أخرج من مخازن الرئاسة سيارة مكشوفة.

مرسى البسيط لم يكن يحلم إلا بترقّى مراتب الجماعة. وحياته خضعت لهندسة الرجل الصغير لا أكثر.. والموقف يربكه. يستدعى كل ما فى نفسه وروحه وذاكرته، فلا يجد إلا نثرات بلاغية/ يتصوَّر أنها منطق/ لكنها تبدو مقتطفات من رحلة دخول رجل صغير إلى بلاد العجائب، للأسف بعد أن أعاقته تربيته وملكاته عن الدهشة والاستغراب والتعلُّم.

لم يعرف مرسى أنه محبوس فى قلعة أبى قير البحرية إلا لحظة مغادرتها، كان يقيم هناك فى حراسة تحميه من مغامرة عسكرية دولية، كما يروى محبو الإثارة فى روايات البطولات الحربية/ أما الواقعيون فيختارون من الروايات المتناثرة التفاصيل التى وصفت «المخزن»، الذى كان مقررًا إقامته ولم يطلب فيه باستثناء الأطعمة التى يحبها/ سوى أن تكون البدل الرياضية التى يرتديها من ماركات معروفة.

هذا ما يقيس به الرجل الصغير مكانته/ ومدى المعاملة التى يعامل بها «نوع الطعام والماركات..»، إضافة إلى التحيات أو اللقب «لا يمكن لإخوانى أن ينادى زميله إلا بلقب..»، وسرَّبت صحيفة «الوطن» تسجيلات مصوَّرة صاحبتها حكايات عن شكوى مرسى «لا من المعاملة..» ولكن: «.. إنهم لا يقولون لى يا ريس... ألم أقل لكم إنه انقلاب..».

التسريبات أظهرت أن مرسى ليس لديه ما يكون به صدام ولا ميلوسوفيتش.. لا يملك إلا لجاجة التجار فى المساومة، معتمدًا على بقع من المنطق لا يمكن توصيلها معًا.. لتصنيع رؤية.. أو لخلق صورة منسجمة عن العالم.. تلك الرحلة من القصر إلى القلعة لم يرَ من خلالها شيئًا خاصًّا خارج ما يسمعه. الأُذن هى عينه الأصلية، ومنها يستمد أسلوبه فى ملء الدور المطلوب منه.

ها هو يرفض المحاكمة ويتمهَّل عند النزول من الميكروباص «.. مَن الشرير الذى اختاره؟».. يربط أزرار الجاكت «بدأ حكمه بفتح الجاكتة دليلًا على الثقة وعدم الخوف..»، ليبدو فى هيئة بروتوكولية.. لكن الكاميرات لم تكن فى الانتظار.. ودخل القفص لاستكمال المشهد «وكما حكى ضابط كبير للإعلاميين فى اجتماع عام.. التقطت أجهزة المراقبة الأمنية اتصالات تتفق فيها قناة الجزيرة على تفاصيل المشهد ليكون (محاكمة المحكمة..)».

لحظة الهبوط انتهت هزلية/ ليس بسبب خلفية الميكروباص فقط/ ولكن لأن التقمُّص بدا ظاهرًا على وجه مرسى، الذى لم يدرك أنه كان فى قاعدة فى منطقة شهدت أحداثًا ليس أقلها هزيمة نابليون من الإنجليز، كما أنه بالتأكيد لم يسمع ما رواه العاشق للإثارة الحربية فى كواليس وزارة الخارجية الفرنسية.. عن ذلك الاجتماع بين الوزير الفرنسى ونظيره التركى والسفير القطرى.. تحضيرًا لعمل عسكرى يحرّر مرسى «.. يحرر مرسى؟.. سألته قاطعًا الاستغراق فى المتعة والإثارة..».. ولم يوقف ذلك غير دخول سيارة السفير السعودى ليدخل الاجتماع.. بينما يغادر القطرى.. «دراما عالية..»، وهنا انتهت فكرة عملية تحرير مرسى.

ضحكت وأنا أتخيَّل مرسى يسمع تلك الرواية ويصدقها، ليدخل قاعة المحكمة مرتديًا قبعة نابليون.. صارخًا بأعلى صوت: «.. أنا الشرعى الوحيد..».

اليوم أصبح المرسى ذكرى بعيدة بشفقته والكوميديا التى يثيرها.. نحن الآن فى موسم طويل من الرعب والسخرية.

ومَن وضعوا المرسى فى القلعة.. استمع الناس كلهم إلى تسريبات لأحاديثهم ومكالماتهم.. قرر النائب العام عدم تناولها بالنشر.

وها نحن سمعنا ورأينا ولم نكتب.

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: أين سيذهب الإخوان؟

1 - هل نلقيهم فى البحر؟

سألت السؤال بعد مذبحة فض رابعة.

وأعيد السؤال الآن. سنسمع خرافات وأساطير فى جلسات خاصة تصل أحيانا إلى التصور بأنه يمكن القضاء على الجماعة دفعة واحدة (وأخجل من ذكر بعض ما سمعت، لأنه من المفروض أن أصحاب الكلام يحسبون على العقلاء، لكنهم فى الحقيقة ليسوا إلا جزءًا من الحالة القذافية المنتشرة هذه الأيام). هذه الآراء لم تتغير منذ أن أثار اعتصام رابعة الذعر وأصبح مغناطيسًا لكل مهوَّسى القوة من منتظرى الخلافة. الذعر من الإخوان وقتها أثار صيحات التخلص/ إقصاء الإخوان ملخصها: ألقوا بهم فى البحر؟ استأصلوهم كورم خبيث؟ والإخوان وجدوا فى مذبحة الفض ضالتهم لبناء مظلومية تلعب على نشر الشعور بالذنب وابتزاز الجميع بضحايا لم يحاسب أحد القادة الذين استخدموها فى الحرب على السلطة.

لكن إذا لم تحاسب الأجهزة الأمنية أحدًا على المذبحة فهل يمكن المطالبة بمحاسبة مكتب الإرشاد ومن اجتمع حوله من أمراء القتل؟

فكل كيان سلطوى يرفض المحاسبة يعتبرها هجومًا على هيبة الكهنة والآلهة المقيمين فى الأعالى. المحاسبة ضد السلطوية. لكن لم يحدث على الأقل فى أروقة الإخوان تفكير فى ما حدث. تفكير، لا تحايل. رفض للقتل تحت عناوين نبيلة تغطى على صراع السلطة/ لا بمنطق «قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار».

2 - هل يهرب الإخوان من تاريخهم؟

فى هذا السؤال سر عدم محاسبة قادة الإخوان على جريمتهم فى «رابعة العدوية» وشحنهم جماهير بائسة باسم الدفاع عن الدين والإسلام ليتحولوا إلى فرق انتحارية فى حرب دفاع عن السلطة/ أو كروت فى تفاوض رخيص من أجل الخروج الآمن. كيف أوصلت قيادات سياسية جماهيرها إلى هذا البؤس الكبير (إلى حد يجعلهم ينتظرون جبريل عليه السلام وأوباما فى لحظة واحدة)؟ إنها جريمة تلخص تاريخًا طويلًا من الفكرة المدمرة فى صناعة «دين جديد» و«صحابة» هم الفرقة الناجية/الطليعة المؤمنة التى ستعيد المجد بالخلافة. هذه ليست جريمة حزب سياسى/ لكنها جماعة أتقنت التخفى تحت أقنعة سياسية ووطنية/ والضغوط عليها وفقدانها السلطة كشفا الحقيقة المختفية تحت الابتسامات السمجة/ كشف الإرهاب والقبح وكراهية المجتمع كله والعنف والتضحية بالبشر من أجل صنع أسطورة الضحية/ والدفع إلى الانتحار للحصول على شروط مساومة أفضل. كيف يمكن قبول جماعة قامت على عزل نفسها فى مجتمعات مغلقة، تتعامل مع بقية المجتمع بمنطق أنهم يعيشون جاهلية/ وأن حسن البنا ومن اصطفاهم سينشرون الإسلام.. هذه الفكرة الإقصائية/ الإرهابية/ المجرمة؟ كيف يتصور الإخوان أنهم قادرون على تجاوز هذه المحنة، بإعادة صناعة المظلومية كما حدث بعد الهجمة الناصرية فى الخمسينيات؟

3 - وظل السؤال حاضرًا من لحظة عزل المرسى وحتى الآن: ما مصير الإخوان؟ الجماعة وفرصة التفكير فى مصيرها، سارت بالدفع الذاتى تحت وهم «عودة المرسى» وهنا اختفى خطاب الهوية/ ومصر الإسلامية/ والخلافة، واستعار الإخوان كل شعارات وأفكار ومزاج قوى سياسية مفارقة فظهرت هتافات «ثوار أحرار». واختاروا لإحدى قنواتهم شعار «مكملين» بل إنهم استخدموا الشتائم الجنسية الصريحة فى شعارات وأغانٍ (استعاروا أيضًا ألحانها من التراث الذى كفّروه، وكلماتها من قاموس تيارات مضادة لهم).

4 - تصوروا أنهم بالمظلومية سيخطفون «المزاج الثورى» ليس باعتبارهم تنظيمًا هُزم فى السباق على مقاولة «إعادة بناء السلطوية» بعد تهشمها فى «يناير». وهم أصلًا تعاملوا مع «يناير» على أنها «فرصة» توسيع المناورة مع نظام مبارك، وتحسين شروط اقتسام السلطة الضمنى طوال عصره، حيث كانوا بالنسبة إليه «معارضة» تسهم فى غلق المجال العام وتمويت السياسة بتحويلها إلى ساحة حلال وحرام، وفى النهاية مفتاحهم عند النظام فهم جماعة محظورة، يمكن غلقها فى أى لحظة أو مطاردتها بعيدًا عن صداع قوانين الأحزاب أو الانتخابات.

5- لم يفهم الإخوان قبل براءة مبارك بيوم واحد أنهم فقدوا أعز ما يملكون: قيادتهم للشعب. لم يغادر الشعب منازله ليدافع عن «هوية» فى حرب ثمّنتها أطلال الجماعة. خلت القاهرة من سكانها تمامًا لتترك الملعب فارغًا أمام المتصارعين على سلطتها، ودلالة اختفاء الشعب كاشفة للطرفين: الإخوان الذين يريدون السلطة بإعادة إنتاج حرب الهوية بمحمولها العنصرى والطائفى، والدولة التى أعلنت أنها تحمى الناس بإجبارهم عبر رسائل إعلامية على إخلاء الشوارع. هكذا ضاقت مساحات اللعب أمام «الصيغ القديمة» إلى درجة أن حركتها أصبحت قرينة «الخواء» وصمت المدينة الذى يشبه الموت. والسؤال ما زال جاثمًا.. ويحتاج إلى مزيد من التفكير.

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: شعور الرهائن – نحن رهائن

يكبر لدىّ هذا الشعور فى الفترة الأخيرة.

رهائن كهنوت مباركى التصق بنا كاللعنة الأبدية.

رهائن نظرة مملوكية للحكم تتصور أن الناس فى مصر ملك الحاكم أو المجموعة الحاكمة، وهى غالبًا تحكم بإحساس «الانتصار والغلبة فى المعارك» بغض النظر عن شكليات مثل «الصناديق والانتخابات والديمقراطية أو غيرها»، مشاعر المجموعة المملوكية الحاكمة تذهب باتجاه أن شرعيتها هى «حكم الغالب».

وبالتالى فالعقد الاجتماعى بين السلطة والناس (أو العلاقة بينهما) تقوم على الترويض والإخضاع و«الغلبة».

هذه هى العقلية الكامنة، رغم كل الخطابات الحنون والمهذبة والمتيمة عشقًا فى الشعب، وتعنى -إذا دققت فيها- الذين سارعوا بالخضوع ودخلوا فى إطار الترويض، لكن الآخرين المتمردين أو الرافضين للإخضاع فهم قلة مشاغبة/ تحركها أيادٍ وأصابع خارجية.

بهذه العقلية نال مبارك حكم البراءة/ لأن منظومة العدالة كلها صُمِّمت وفق هذه العلاقة: كيف تحاسب الحاكم؟/ أو كيف يمكنك أن تحاكم ضابطًا يؤدى مهمته بقتل المتمردين أو المختلفين؟

وبهذه العقلية يتحرك المملوك الكامن فى كل من يملك سلطة، مستلهمًا أصل هذه السلطة من سكان القصر العالى (فردًا أو مجموعة غالبة)، والمهم هنا أن الحكم يتحول على يد مؤسسات بُنيت على الكتالوج الحديث، لكنها عادت إلى أصلها المملوكى عبر ضربات من قبضة المملوكية.

دولة المماليك فى ذاتها كانت لها إنجازات/ لكننى أتحدث عن «نمط قديم» يعاد تدويره تحت الأشكال الأنيقة أو الحديثة (رأسمالية دولة/ ديمقراطية/ ليبرالية/ سوق حرة).

إننا رهائن هذه السلطات المملوكية.

ولم نشعر بأن هذه البلد بلدنا/ لنا فيها ما نتعارك عليه ويشغلنا، إلا عندما خرجنا فى «٢٥ يناير» نحاول أن نشارك فى بناء (شرعية/ أو تأسيس دولة) لأول مرة منذ تأسيس الدولة الحديثة، التى كانت تنسب شرعيتها إلى ما تفعله المجموعة الغالبة (من محمد على وأسرته إلى الضباط وورثتهم)، الثورة كسرت غربتنا/ شعورنا بأن مصر هى بلدنا فعلًا/ وليست بلد الحكومة أو النظام أو الحاشية المملوكية.

لأول مرة شعرنا أن هذه الشوارع شوارعنا، وليست ملك ضباط وعساكر يمارسون استعراضاتهم اليومية على الناس/ وينصبون الكمائن لا للأمن، بل لتذكيرنا بأننا نسير فى أملاكهم، ولا بد أن نخضع لما يرونه صحيحًا وخيرًا/ هكذا تختلط تعليمات الأمن بفرض السيطرة/ ويقول القانون إنه ليس من حق أحد إهانتك بالتفتيش الشخصى، فيمارس الضابط والفتوات فى الكمين كل ما يُشعِر بالضآلة، وتذكيرك بأن هناك أسيادًا لهذا البلد، لا بد أن يرضوا عنك وإلا فسوف يلفقون لك قضايا ويذهبون بك إلى ما وراء الشمس.

لم نتحرر فى يناير ٢٠١١، لأن مبارك ذهب/ فهو كان ذاهبًا بحكم البولوجيا، أو باحتدام الصراع حوله بين أجنحة مع وضد العائلة.

تحررنا فى يناير من «رهن» المماليك الكامنة فى المجالس على المقعد العالى، ومن يفوضهم فى إدارة المواطنين الرهائن وصولًا إلى الخفير فى أصغر قرية.

لهذا فإن الأمن يعنى أولًا وأخيرًا الحفاظ على كتلة الرهائن فى وضع «القطيع»/ وضرب أى نية للاختلاف الشخصى (وهنا تأتى ضرب كل أشكال الحرية الشخصية من المظهر والملابس إلى الكتب التى تقرأ)، وحتى المطالبة بالحقوق أو الاعتراض (لهذا مثلًا يخططون لضرب إضراب أهالى البحر الأحمر رفضًا لتقسيم المحافظة، لأنه لا بد أن ترضخ للأوامر ولو كانت كارثية، ولا بد من تنفيذ قرارات عشوائية أو أحلام فات زمانها ومر وقت كانت فيه حلولًا ناجزة).

تخلصنا من شعور الرهائن فى يناير.

ومنذ مارس (٢٠١١) تدبر الخطط والمؤامرات والتحالفات لنعود إلى غربتنا مع هذا البلد/ وتتبخر مشاعر أن لنا هنا ما يستحق أن ندافع عنه.

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: إعادة مصر إلى «ثلاجة الموتى»

أهم ما فى لحظة إعلان براءة مبارك هو إدراك أن مصر أسيرة الكهنوت المباركى، مافيا تدفع أموالا لتبقى عبر رمزها ولو مومياء، وتلاعب النظام الحالى بالأموال ليرضخ لها.

ومؤسسات ومنظومات تحوَّلت إلى إقطاعيات من ناحية الإدارة، هدفها تأبيد الوضع الراهن ووضع مصر كلها فى الثلاجة، وها هم يحاولون إعادتها إلى ثلاجة الموتى.

الكهنوت المباركى نشيط وفعال، ويطالب الآن ليس بشراكة الحكم، لكن بالعودة إلى «التجميد» الذى يعتبر الثورة مؤامرة ومحاكمة مبارك، رئيس النظام/ راعى المافيا والأب الروحى كان خطأ سياسيا وقانونيا.

عبد المجيد محمود، أحد أعمق ما فى هذا الكهنوت، كان يعرف ماذا يفعل عندما قرر قبل ٣ سنوات «أنه لا وجه لإقامة الدعوى».

والمنظومة كلها اتحدت بالوعى وبالغريزة لإفساد القضية ليس لنجاة مبارك، فكلهم كانوا يريدون كبش فداء، لكن لحماية «المنظومة» والكهنوت الذى ترسخ مثل الأقدار القاتلة فى ٣٠ سنة مبارك.

الكهنوت الآن تحرّكه كهنة البيروقراطية الذين يكبرون ليصبحوا أكبر من السلطة نفسها، أو بمعنى أدق أقوى تأثيرا منها.

وتحركه ثروات ولدت فى كنف هذا الكهنوت، ولا بد أن تدافع عنه اليوم، وهم يعرفون أن نقطة ضعف السيسى ومحاولته لبناء نظام جديد بعقلية قديمة هى الاقتصاد.

اقتصاد مصر لم يكن اقتصادا بالمعنى المتعارف عليه فى دول رأسمالية حقيقية، إنه خلطة «شىء من كل شىء»، لتؤدى فى النهاية إلى ترويض الملايين بفتات العلاوة والمرتبات، ومنح تراخيص بالثروة لعدد محدود من أصحاب الولاء للنظام والأقوى من حاشيته.

هى أقرب إلى رأسمالية متوحشة، تعتمد على توزيع الأنصبة على «الحبايب والمحاسيب»، حسب التعبير الشهير للدكتور محمود عبد الفضيل.

هذا النموذج الاقتصادى، وفى ظل دولة استبداد، سينتهى إلى مصير واحد هو «المافيا» التى ستتحوَّل إلى أسلوب حكم يمكن أن تتغير فيها الوجوه، لكن تبقى الرابطة المافياوية عماد السلطة وهيكلها الأساسى.

أحمد عز، رمز مافيا مبارك، هو الذى تقدَّم بطلب المصالحة ليدفع ثمن خروجه من السجن، والتوقيت هنا مهم جدا.

الفكرة ليست جديدة، قيلت على استحياء منذ عام تقريبا، وطرحت كبالونة اختبار عندما تقدَّمنا بمشروع العدالة الانتقالية، فاختصره أحد شطار الحكومة إلى مشروع قانون للتصالح فى الجرائم المالية، رغم أن مشروع العدالة الانتقالية حزمة واحدة تعيد بناء النظام السياسى، بعد أن تكون قد تخلصت من آثار القديم، وطهرت المؤسسات وحاكمت المجرمين والفاسدين، وحصلت على اعترافات بتفاصيل الجرائم حتى لا تتكرر.

النية من البداية كانت واضحة ومكشوفة، لا محاكمات خارج النظام القانونى الذى صمم خصيصا لحماية النظام من رأسه إلى أصغر أمين شرطة مخلص لحماية أسياده.

هكذا يحصل قتلة المتظاهرين على البراءة بسهولة، لأنه لا جريمة فى القانون المصرى تعاقب شرطى على قتل متظاهر، بل إنه فى نظر نفس القانون المتظاهر «صانع شغب» لا حقوق له.

البراءة هى شرعية جديدة لنظام المافيا وأجنحتها المالية والقمعية، وكأن عصابة مبارك كانت فى رحلة عقاب خفيف إلى السجون، وتعود بعد أن دفعت ثمن إفراطها فى الشهوات، وهذه وحدها مسخرة، لأن العقاب ليس انتقاما، لكنه محاسبة هدفها الرئيسى «حتى لا يتكرر ذلك».

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: هيا احتفلوا بعودة حسين سالم

مثل أى كاهن مباركى تهدج صوت حسين سالم وهو يهتف «تحيا مصر..».

قالها ٣ مرات احتفالًا ببراءة حصل عليها «غيابى».. وهل تعلم ماذا يعنى أن يهتف حسين سالم «تحيا مصر..»؟

هل تعلم ماذا يعنى أن يهتف مجرم «يحيا العدل»؟

هل تعلم ماذا يعنى أن تهتف المافيا المباركية كلها «تحيا مصر…»؟

إنها مصر التى كانت أسيرتهم ويبدو أنها ما زالت… تقرير البنك الدولى الذى صدر مؤخرا يضع مصر على قوائم الدول الرهينة لشركات الفساد، يقول التقرير إنها ٦٠٠ شركة.

ويقول الواقع المصرى إن مصر رهينة المافيا التى ما زالت تعيش على كهنوت عصر مبارك كاملا، بل إنه يخرج كإله لا يحاسب ليلقى بتصريحات فى التليفزيونات والصحف، وهو ما زال محبوسًا، لكنها عودة الإله حتى وهو «شبه جثة» ليطمئن الرعايا بأن كهنوته ما زال فاعلًا ومؤسساته ما زالت تحمى القاتل والفاسد، وتعتبر أن هذه الجرائم أعمال وطنية.

تحدث حسين سالم ككاهن يدافع عن محميته التى حرمته منها ثورة يناير.

والآن هو برىء كما ولدته أمه… برىء كما يليق بكاهن ما زالت أسرار معبده سارية.

وكما هو معروف حسين سالم هو أول هارب بعد جمعة الغضب 28 فبراير 2011.

التقط فى الهواء رائحة أخرى غير التى تعودها طوال 30 سنة، فحمل عائلته وحقائب (قيل فى الروايات الخرافية وقتها إن بها مليارًا ونصف المليار دولار..)، وسافر بطائرته الخاصة إلى دبى، وفى رواية أخرى كندا، لكنه عندما ظهر للعلن كان فى إسبانيا حيث يحمل جنسيتها.

هو أقدم محمية سياسية وأكثر الشخصيات غموضا فى سنوات حكم مبارك.

لم يكن من الممكن لفترات طويلة أن يذكر اسمه مباشرة، كان يشار إليه بـ«صديق الرئيس» أو «الرجل الغامض».. تربى فى مؤسسات تجمع السلطة والانضباط والسرية. تكونت محميته فى الخفاء «بعيدا عن الأضواء» إلى حد كبير. لعب فى البزنس على استحياء، لأن الجمع بين السلطة والبزنس كان ضد القانون وضد أعراف الدولة الشفافة، لكن مع وصول مبارك إلى الحكم تفككت الحواجز بالتدريج بين السلطة والبزنس. بدأت برجل فى الظل يعمل باسم الرئيس فى السلطة. وهذه كانت لحظة ولادة المحميات السياسية. النظام المباركى يريد أن يقول للعالم إنه ودع الاشتراكية بغير رجعة، وإنه يفتح الأبواب أمام القطاع الخاص، وفى نفس الوقت لا يريد أن تنفلت الثروة بعيدا عن سيطرته، وتقرر أن تتم التقسيمة على «أهل ثقة» من اختيار النظام. هؤلاء كانوا الجيل الأول من الديناصورات الذين كبروا وسمنوا فى رعاية «الدولة» وتحت جناحها.

فى شرم الشيخ كانت دولتهم الخلفية، وقانونها خارج القوانين السارية فى مصر، دولة بدأت بعلاقة لا يعرف سرها إلا مبارك وحسين سالم؟ العلاقة أساسها الثقة فى حسين سالم، وبدأت بحكاية حكاها الصحفى الأمريكى «بوب ود وورد» مفجر فضيحة «ووترجيت» الشهيرة فى كتابه «الحجاب». الحكاية عن شركة اسمها «الأجنحة البيضاء» مسجلة فى فرنسا. مهمتها نقل الأسلحة، تتضمن أربعة مؤسسين هم: منير ثابت شقيق سوزان مبارك، وحسين سالم، وعبد الحليم أبو غزالة، وزير الدفاع المصرى آنذاك، ومحمد حسنى مبارك، نائب رئيس الجمهورية وقت تأسيسها. الشركة تعرضت لاتهامات قضائية فى أمريكا (1981 تقريبًا) لمخالفتها بعض القوانين التجارية هناك. لكن حسين سالم أبعد مبارك لحساسية موقعه السياسى، وبعدها بدأ اسم حسين سالم يتردد فى نشاطات اقتصادية ذات طبيعة حساسة بداية من شركات البترول وأساسا فى بناء شرم الشيخ المقر المفضل للرئيس مبارك، والمدينة التى تحولت إلى مراعى الثروة الجديدة ومستوطنة المحميات السياسية. نشاطات حسين سالم أقرب إلى التكليفات الغامضة: شراكة مع إسرائيل فى شركة بترول، تصدير الغاز إلى إسرائيل، إنشاء قاعة مؤتمرات فى شرم الشيخ. محمية حسين سالم لها طابع الكتمان والسرية، تخرج أسرارها محاطة بهيبة ورعب.. قبل أن تتعدد المحميات ومن يحمونها فى شرم الشيخ.

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: فى العيد الكبير للزومبى

1- كأن مومياء لم تقتل الأحياء.

2- وماذا سيحدث إن خرج مبارك من القضية مثل «شعرة».. هل سينسى الناس 30 سنة من فساد واستبداد حولت مصر إلى ما نراه ونعيشه؟

3- وكأننا الآن أمام كارثة لا تقاس أمامها براءة مبارك وفرق حراسته.. كارثة فشل منظومة العدالة فى محاكمة رئيس ونظام تعفن حتى ثار الناس عليه.

4- هذا يعنى بقليل من التفكير أن «قتل الناس.. عندما تثور» ليس إلا مجرد مهمة عمل لموظف فى منصب رئيس أو ضابط يتجول فى الشوارع بسلاحه الميرى.

5- وهذه القاعدة لن تستفيد منها النخب الحاكمة، أى الرئيس وحاشيته فقط، ولكنها ستصبح قاعدة تبرر القتل والعنف، وهذا ما حدث للقذافى، فقاتله يدرك إدراكا عميقا أن بلاده ليست لديها منظومة عدالة، فقرر تطبيقها بيده.. وعلى العكس لم يقتل أحد من حاشية مبارك، رغم أنهم كانوا جميعا فى مرمى يد الناس الغاضبة، لأنه كان بشكل أو بآخر هناك ثقة فى منظومة العدالة.. ثقة منعت العنف.

6- وهذا ما يجعل براءة مبارك انتصارًا له ونظامه، أو من سعى للوصول إلى هذه اللحظة، لكنه انتصار سيدفع المنتصر ثمنه.. كما دفع المرسى ثمن انتصاره فى دفع الناس إلى متاهة الصناديق وفرملة الثورة.. انتصر لكنه دفع ثمن الانتصار.

7- البراءة ورغم وقعها الكئيب على الناس، فإنها تؤكد أن الجريمة لا تفيد.. فهؤلاء القتلة قتلوا، لكنهم لم يستمروا فى الحكم.. وسيعيشون الأيام الباقية من أعمارهم يبحثون عن تعاطف أو شفقة أو يتسولون أذنا تسمعهم أو يشترون ابتسامة تظهر على مذيع زومبى.

8- البراءة ورغم تعامل الزومبى وجمهوره على أنها صك غفران.. ليست إلا إشارة من إشارات الإدانة، فهذا حاكم دمر بلدا كاملا، ودبج قوانين ليحمى نفسه من الحساب.. إنها دليل إدانة جديد.

9- دليل آخر أن هذه المومياء التى انتظرت مصر كلها بمن فيهم عائلته التدخل البيولوجى لإنهاء كارثة الحكم.. هذه المومياء تقتل الأحياء والحياة كل يوم بظهورها السقيم، بل إنها خلقت لها جمهورا يريد العودة إلى أيامه، التى لم تكن سوى تدمير لكل ما هو حى لتبقى السيادة إلى الأردأ والأسوأ والأكثر ميلًا إلى قتل الروح.

10- مبارك كانت أيامه جنة الفساد والاستبداد.. وأسس لما نحن فيه من عفن.. فالفساد لم يعد شيئا عابرا، لكنه أصبح تأسيسيا، واللصوص يتبجحون بحقوقهم فى اللصوصية، وعديمو الكفاءة يفخرون بأيامهم السوداء التى احتلوا فيها مساحات وفرصًا، والقتلة والمتوحشون يفخرون بأيام أريقت فيها الكرامة.

11- اشتياق لأيام مثل التى عشناها أيام مبارك.. هى جريمة كاملة لن تمحوها البراءة.

12- سيستمر مبارك فى زنزانته الطبية.. أسيرا رمزيا، بينما يجب أن نبحث الآن عن الطريق الطويل لإعادة بناء منظومة العدالة.

13- نبحث عن طريقة للدفاع بها عن الأحياء والحياة.. فى وجه الزومبى الخارج علينا من كل مكان.. هل من طريق؟ هل من طريقة؟

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: بمناسبة يوم القيامة الذى لم يأت

1- لم تكن «انتفاضة الشباب المسلم» ولا «حرب الهوية».. مجرد «اشتغالة» أو «هزار سخيف» من بواقى قيادات الإسلاميين.. لكنه قدر عقول منظمى اليوم السخيف فى كل شىء بداية من شعاراته إلى ما انتهى إليه من تأكيد أن السياسة هى عملية صناعة «الفنكوش».

2- الذى فكر فى اليوم وأداره والذين شاركوا من الخارج (الإخوان والنظام معا) يثبت أننا جميعا تحت سيطرة عقل سينما المقاولات.. ومنذ أول فيديو لدعوة حرب الهوية وحتى آخر خبر تنشره صفحتهم لا يخفى تأثر صاحب الفكرة برامى خشوع فى فيلم «بطل من ورق».

3- ليست البطولة الورقية فقط، لكنه خيال كامل يعيش على هامش الواقع، ويصر على شغل الناس به.. فكيف مثلًا تتخيل أن الدعوة إلى الدفاع عن الهوية ستؤثر مما أثرت فى التسعينيات.. أو ما قبلها.. كان يمكن لجماعات وتنظيمات تجد لنفسها مكانًا بهذه الفكرة تفسيرًا للقمع والظلم والقهر.. لكن كيف الآن والمساجد أضعاف المستشفيات والميكرفونات تدخل إلى غرف النوم بأصوات الأذان.. وأسماء الشوارع والمحلات بأصوات الصحابة.. وملابس النساء والصوت المصاحب فى صعود الأسانسير، وأول كلمة بعد ألو فى التليفون.. كيف يمكن تفسير الأزمة فى مصر على أنها أزمة هوية أو.. حرب على المصاحف.. أو معركة على الدين؟!

4- كيف يمكن أن تتخيل أن الفكرة ستمر.. إذا كانت الدولة تنافس على نفس السوق.. وعندما تحدثت عن حرق المصاحف أو دوسها بالأحذية… فنشرت لك أجهزة إعلام الدولة جنودها وهم يقبلون المصاحف… أعتقد أن هذا خيال استبدادى لم يرحل منذ فيلم صلاح الدين الأيوبى.. وذلك العالم الموازى من بلاغة تستبدل الواقع.. ورموز استهلاكية تحل محل الأفكار.

5- فكرة الهوية وكما قدمها أصحاب انتفاضة الفنكوش… تحتقر قيما أكبر من ذلك السخف كله.. إنها تتصور أن المسلمين هم أسياد هذه البلد.. وأنهم رحماء طيبون مع جيرانهم.. وأنهم وحدهم لهم الحق فى تحديد «هوية» البلد وفرض سياساته كما يفرض الغزاة المنتصرون سلطاتهم.. وهذه فكرة تستقطب شرائح من مرضى نفسيين يبحثون عن التميز ويعتبرونه سر التفوق على البشر.. هؤلاء المرضى ينتهى بهم الحال فى الحالات الفردية إلى تنظيم المرور فى الشوارع والصراخ فى الناس.. لكنهم هنا يقدمون أنفسهم على أنهم الطليعة المؤمنة.. التى ستنقذنا من ضلال الحكم العسكرى.. متناسين أن أسلافهم من قيادات نفس التنظيمات وفى جمعة قندهار الأولى نظموا مليونية الدفاع عن الهوية الإسلامية.. وتأييد المجلس العسكرى.

6- وهنا تكون انتفاضة الفناكيش.. قد حققت أهدافا من أهمها: «إعادة بناء الخوف».. وأخطرها تصوير السياسة على أنها «لعب عيال».

7- أما الإخوان فإنهم فى أتعس حال.. يريدون العودة إلى التأثير بالارتباط بأى فكرة.. وفضح ترددهم بين «تثمين» المظاهرات ودعوتها إلى «حقن الدماء».. وهى بيانات بالعربية تسرب بينها بيان بالإنجليزية ينفى تمامًا صلة الجماعة بالانتفاضة..

هذا وما دامت الحرب لم تقم والقيامة لم تأت.. فللحديث بقية..

القسم: 
المصدر: 

وائل عبد الفتاح يكتب: من أجل العلامة التجارية لـ«داعش»

هل هى الحرب؟

يوم القيامة؟

ماذا سيحدث؟

ربما لن يحدث شىء؟

مهرجان عنف يبشر به دعاة «انتفاضة الشباب المسلم» فى مصر يوم 28 نوفمبر. الدعاة غامضون حتى بالنسبة إلى جهات التحرى الأمنى. غموض يكشف هشاشة البِنَى التنظيمية لأطلال جماعات انتظار الخلافة بعد إزاحة محمد مرسى وسقوط جماعة الإخوان المسلمين فى ماراثون الدفاع عن مقعد الحكم.

التبشير بالعنف تحت شعار «معركة الهوية» يبدو من ناحية «انتحارًا سياسيًّا» لجماعة الإخوان التى نادت فى مظاهراتها الأخيرة «وادعشااه» ورفعت إعلامها السوداء.

الجماعة التى قدمت نفسها فى صورة «تنظيم سياسى» يمثل «الوجه المعتدل لجماعات انتظار الخلافة أسفرت عن تطرفها الكامن فاضحة عنصريتها التى تسميها (هوية).. وفى بيان رسمى أعلنت «تثمين» حرب الهوية بدون إشارة إلى فقرات العنف فى برنامج «يوم القيامة القادم».

والجماعة فى انتحارها حاولت اللعب بكل ما تمتلك من بلاغات مدمرة فاعتبرت «انتفاضة الشباب المسلم» هى استكمال لثورة الشعب المصرى، كأنها كانت «ثورة إسلامية» تعلن تفوق المسلمين وتثبت تميزهم على البشرية أو فوزهم النهائى بالسيطرة على الاجتماع العام فى مصر، مقدمة للسيادة على الكون.

اختزال الثورة/ أو التغيير فى وهم الهوية «الإسلامية» قدر تعس ويدفع قطاعات واسعة من المجتمع المصرى إلى مخابئ الاستقرار، أى تثبيت الوضع الراهن، فى نسخة ينادى فيها العراقيون على المنقذ الدولى بقيادة أمريكا أو انتظار الليبيين لمعجزة تحالف دولى جديد، بمعنى مختصر: التشبث بالوضع الراهن فى مواجهة «غزاة» يعيشون بالقرب منا أو يخرجون من داخلنا.

والهويات تقتل. بمعنى أنه على المخالفين الالتحاق بمن قهرهم فى السابق، أو من حوّل حياتهم جحيمًا أو احتلالا هربًا من الذين يرفعون المصاحف ويخرجون لينصروا دينهم ويحرروا بلدهم لتحتلهم جحافل مقاتلى السكاكين تحت رايات «داعش». أو نسخها المنتشرة بطريقة «الماركات العالمية» (الفرانشيز) بينما الجهات الأمنية تصاب بالجمود الكامل (الشرطة المصرية خوفًا من احتفالية غامضة تدعو الناس إلى التزام البيوت وعدم الخروج كأنها تدعم الرعب أو تستثمر فيه أو على الأقل تعجز عن التعامل الاحترافى معه).

بمعنى أشمل فإنهم يطالبون برفع المصاحف، لكنهم لا يحددون فى وجه من؟ فالسلطة ترفع مصاحفها عبر مؤسسات غارقة فى عمليات إثبات تدين الدولة إلى درجة اختصار مهام الدولة فى مهمة «الدفاع عن الإسلام» أو «تقديم صورة الإسلام الصحيح»، وهذه أرضية تمهد الطريق أمام مقاتلى تنظيمات انتظار الخلافة، فالدولة التى تأسست على مفاهيم علمانية، وحوّلت علمانيتها إلى مجرد غلاف تحشر تحت طبقات من الهويات الدينية والقبلية والطائفية، سرعان ما تصعد ممزقة الغلاف ليبقى الصراع الجنونى على من ينفرد باحتكار علامة «الفرقة المؤمنة/ الناجية».

القسم: 
المصدر: