أردوغان ورسائل للمصريين

فى زيارته لمصر فى هذا التوقيت المهم، أطل علينا أردوغان كزعيم إقليمى، نجح فى صنع تجربة ملهمة فى بلاده التى انتقلت من مصاف الدول النامية إلى دولة متقدمة، تقف صفا بصف مع كبار الدول التى يعتد برأيها، وتشارك فى صناعة القرار الدولى.
أهم ما فى أردوغان هو قدرته الهائلة على زرع الأمل، وكسر حاجز العجز واليأس والإحباط، تجربته فى تركيا ترسخ مبدأ أن الإرادة والرغبة الحقيقية إذا وجدت، فلا يوجد ما يمنعها من تحقيق ما يراه البعض مستحيلا، حكى أردوغان كثيرا عن تجربته فى بلدية اسطنبول التى كانت أسوأ بكثير من القاهرة، وكيف تحولت إلى مدينة من أجمل مدن العالم، حين تحقق معنى الشراكة بين الدولة والمواطن، وصارت أهدافهما واحدة لا تتعارض.
تحدث أيضا عن توفير الموارد المالية عبر القضاء على الفساد، وتجفيف منابعه، مما يوفر لخزانة الدولة الكثير والكثير الذى يجعلها تمضى فى خططها التنموية، أكد على أن الدولة لا تستطيع البناء إلا إذا توفرت الثقة بينها وبين أبنائها، أشار إلى أن أفضل الأفكار التنموية لأى مدينة، يأتى من أبنائها الذين يعرفون مشاكلها والذين يبدعون فى التفكير لحل هذه المشكلات.
رسخ أردوغان معنى التدرج والمثابرة نحو تحقيق الأهداف، مهما بدت فى بدايتها صعبة وخيالية للبعض، وهذا ما تحتاجه مصر التى تخرج من فترة حكم قاسية، ربما تعتبر الأسوأ على مر العصور، حيث خرجت منها بحالة انهيار شبه تام فى جميع القطاعات بلا استثناء.
بجانب الأرقام الاقتصادية والمؤشرات التى أشار إليها الرجل، فإنه كان يؤكد أهمية روح العمل الجماعى، وإنكار الذات بين الرفقاء من أجل تحقيق الحلم، حين تحدث عن مصر، كانت كلماته معبرة عن تقديره لدور مصر ومكانتها الحقيقية، حيث إنها بلد الأزهر، وبلد الشيخ عبدالباسط، وأم كلثوم ، كانت إشاراته إلى دور مصر المستقبلى توضح مدى فهمه لأهمية مصر، خاصة بعد نجاح الثورة، وفرص كونها شريكا إقليميا كبيرا لتركيا كدول محورية بالمنطقة.
طمأن أردوغان المصريين وهو يتحدث عن الفترة الانتقالية وصعوبتها ومخاطرها، وقال بوضوح، إن أخطر ما يواجهكم كمصريين بعد الثورة، هو الفرقة والاختلاف والتشرذم والانشغال بقضايا ليست ذات أولوية على حساب الأولويات التى تحتاج إلى إصطفاف كامل من جميع الاتجاهات السياسية.
توحدوا من أجل ثورتكم، وأحبوا بعضكم، لن تستطيعوا أن تبنوا وطنكم بالفرقة والكراهية، كانت هذه هى الكلمة الأخيرة لأردوغان فى خطابه الذى ألقاه بدار الأوبرا وسط حضور كثيف من مختلف القوى السياسية، انتهت زيارة أردوغان، ولكنها لاقت نقد البعض بسبب مبالغة البعض فى الاحتفاء بالرجل، والاحتفال به بهذه الدرجة التى لمسوا فيها محاولات لتأليه الرجل، والإشادة به بشكل استفز الكثيرين.
 لكن على أى حال، تبقى تجربة أردوغان ورفاقه فى تركيا تجربة لها خصوصية محلية، نظرا لاختلاف السياق التاريخى للدولة التركية عن الدولة المصرية، وتبدو مهمة حزب العدالة والتنمية التركى أسهل من أى تجربة سيخوضها أى حزب مصرى، يتبنى مشروعا للنهضة والبناء.
لكن الدروس المستفادة من تجربة تركيا، ستظل دروسا ملهمة، ينبغى التوقف معها دون محاولة لاستنساخ التجربة والنموذج، فالتحدى الأكبر الآن هو صناعة النموذج المصرى الذى تتوفر له ظروف مختلفة وسياق مغاير.
إن تجربة الثورة فى مسار الهدم والتفكيك، قد تكون أسهل بكثير من تجربة البناء التى ستحتاج إلى سياسات وبرامج واضحة ومحددة تفصيلية، بعيدة عن الشعارات والمزايدات السياسية والأيديولوجية، المصريون غير معنيين الآن بالانتماء الأيديولوجى، بل أولويتهم الأولى هى أن تتغير حياتهم إلى الأفضل على المستوى الاقتصادى والاجتماعى والسياسى، والتحدى الذى ستواجهه الأحزاب المصرية بعد الانتخابات القادمة، هو قدرتها على تقديم برامج حقيقية، وحلول واضحة للمشاكل التى تمس المصريين، فهل الأحزاب مستعدة لذلك، أم ستكتفى برفع الشعارات والحشد العاطفى؟ ستجيب الأيام القادمة بلا شك عن هذا السؤال.

تعليقات القراء