عمر طاهر

عمر طاهر يكتب: الجانب الآخر من الحِداد

 
 
يلعب الراديو طوال اليوم أغنيات وطنية، وهى فرصة للنجاة المؤقتة من الرَّغْى الذى يشوش على الوصول إلى رؤية واضحة. الأغنيات الوطنية معظمها يعبر عن مشاعر ركيكة، تشبه مشاعر المتصلين لعمل مداخلات غاضبة غضب الفيشار الملىء بالطقطقة والتنطيط فى حدود المكان، إلا أنها فى النهاية محض مشاعر أخف وطأة على القلب والوعى من التنظير والدحلبة الفكرية. كلمات الأغنيات البسيطة التى تدور حول معانٍ سابقة التجهيز، من نوعية أننا بلد عظيم ومذكور فى القرآن، وعلى استعداد للموت من أجله، تجعلك تفتش عن هذا البلد أين هو؟ وكيف يبدو حاليا؟ والإجابات مربكة، فقد أصبحنا أقرب إلى أرخبيل من الجزر المنعزلة المنفصلة، وكل ما كان يبدو عاديا وبسيطا من قبل صار معقدا، وصلنا إلى نقطة أن الموت أصبح وجهات نظر، مثله مثل حب البلد، حَدِّد طريقة حب للبلد حتى أستطيع أن أحدد وجهة نظرى فى مَن سقطوا شهداء، خلطٌ مريض طالَ كل شىء، وليس هناك ما هو أسوأ من أصوات الخارج إلا بعض أصوات الداخل، والنفاق عاد أقوى وأشد خطورة مما سبق.
 
كان النفاق فى عهد مضى يلمّع القيادة، ثم صار ذبح كل ما هو دون ذلك، ذبح داخل معسكر واحد، يحلم كل واحد فيه بالقطعة الأكبر فى تورتة القرب من القيادة، وذبح من يرى أن دعم القيادة يبدأ بلفت النظر إلى الأخطاء والمصائب. أصبحنا فى بلد أضعف من إعلامه، تطمئن قيادته إلى القائمين على حفلات الهوهوة الجماعية، وتستشعر قلقا شديدا من الداعين إلى حفلات التفكير الجماعية.
 
وإخوتنا فى سيناء أصبحوا أرقاما تعبر عن ضحايا كل حادثة، والنور مقطوع بالكامل عن سيناء، فلا أحد يستطيع أن يرى حقيقة ما يحدث هناك، نحن نخاف على إخوتنا هناك، والدولة تخاف أن يؤثر ما يحدث على وقوف الشعب خلف الدولة، ولا أحد يقول لنا كيف يمكن لنا أن نشارك فى هذه الحرب، كيف يمكن دعم البلد للخروج من المأساة، ومن يجتهد لتقديم حلول أو أفكار يخضع لعقاب يكاد يكون جماعيا، بتوجيه نبطشية النظام فى الإعلام، من لا يعزف على نفس النغمة الرتيبة فصمته أفضل.
 
كيف يمكن للواحد أن يساعد هذا البلد؟ الحروب التى تواجهها مصر كثيرة، وللبلد جنود يمكن الثقة بهم والاعتماد عليهم فى كل مجال، لكن لا أحد يريد جنديا إلا بمواصفاته التى ترضيه، لأن النظام لا يثق كثيرا بالشعب، ويعتقد أنه عرضة للتأثير، وبناء عليه فليكن التأثير على طريقتنا. هناك مسافة بين القيادة وبين الشعب يجب أن تمتلئ بنظام قوى، وحكومة بأفكار جريئة، وبرلمان طَموح، وقيادات صاحبة فكر وإعلام مستنير، ساعتها سيصير الوضع أفضل كثيرا، لكن هذه المسافة يشغلها الآن كل ما هو دون ذلك، أصبحت المسافة تمتلئ بالصوت العالى والتخاريف، وثغرات يتسلل منها أفكار فاسدة وأصحاب مصالح، وهذه المسافة هى ظهر البلد فى حربه ضد الإرهاب الخارجى والداخلى، هذه المسافة إن صلحت صلح الوطن كله، وإن فسدت فلن يصلحها ولا مليون أغنية وطنية.
 
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

عمر طاهر يكتب: حكمة التفاحة

هل أنت من النوع الذى يلوم سيدنا آدم على أكْل التفاحة، تلك المخالفة التى ندفع كلنا ثمنها الآن؟

أنت مخطئ بلا شك، لأنك لم تنتبه إلى السيناريو كما ينبغى.

هى مخالفة نعم، لكنها كانت واقعة آجلا أم عاجلا، لأن الله اتخذ قراره فى مصير آدم قبل أن يخرج آدم إلى النور، كان القرار واضحًا «إنى جاعل فى الأرض خليفة»، قالها الله، سبحانه وتعالى، للملائكة واضحة، لم يكن قراره باستخلاف سيدنا آدم فى الجنة أبدًا.. أكل من التفاحة أو قاوم شهوته، كان لا بد من أن يستقر على الأرض فى نهاية الأمر.

مرحلة الجنة والتفاحة كانت نقطة التحول فى الأحداث، والهبوط على الأرض كان مشهد الذروة.

السؤال: ولماذا لم يهبط على الأرض مباشرة؟

يقول الحكيم كيكاوس بن إسكندر فى كتابه «كتاب النصيحة» أو «قابوس نامه» بالفارسية: «كان الله قادرًا على أن يعطى الضوء بغير الشمس، والمطر بغير السحاب، لكن كان الأمر كله على أساس الحكمة، ولذلك لم يخلق شيئًا بغير الواسطة، لأنه إذا انعدمت الواسطة لم يكن هناك ترتيب، وما الحكمة إلا القدرة على الترتيب».

كان ترتيب الأحداث يقضى بأن يمر سيدنا آدم بهذه التجربة، حتى إذا ما استقر على الأرض يكون على دراية بأهمية المرحلة الجديدة التى سيبدؤها ويفهم مغزاها ويصبح قادرًا على إدارتها.

ما الفكرة؟

الفكرة أن كل المسارات فى العالم تبدو صحيحة وطبيعية حتى لو اعتقدت أنها خاطئة، والمحطة التى ستصل إليها يومًا ما مُقدَّرة سلفًا، الفكرة أن تصل إليها وأنت تعرف وتفهم جيدًا أين تقف الآن.

أن تجيد فهرسة الخبرات التى اكتسبتها حتى وصلت إلى مكانك، هذا هو الأهم فى الموضوع، لأنك دون كل الخبرات السابقة حلوِها ومرِّها ستكون مجرد قطعة شطرنج تنتقل من مكان إلى مكان دون أن تفهم فيم بدأت وكيف انتهت، ودون أن تستشعر حلاوة الفوز إذا ما كانت النقطة التى تصل إليها هى نقطة «كِش ملك».

الفكرة أنه ليس مهمًّا أن تشعر بالراحة أو بالامتعاض قدر أهمية أن تفهم ما تمر به وتستوعبه جيدًا وتهضمه وتخرج منه بدروس مستفادة، حتى إذا ما انتقلت إلى مرحلة جديدة يكون لديك من الخبرة ما يساعدك على إدارتها.

كل ما يبدو خطأً وجرمًا كبيرًا الآن هو أمر مشابه -مع الفارق- لأكل التفاحة، فى النهاية سنصل إلى نقطة مقدرة سلفًا وهناك سنعرف إن كنت تعلمت شيئًا أم لا.

ما المطلوب؟

أن تخوض التجربة كما هى، وأن تحافظ على ثوابتك حتى لو لم تقُدْك إلى النتيجة المرجوة، ستقدم إليك أسئلة وعليك أن تجتهد فى تقديم الإجابات الصحيحة، وبعد ظهور النتيجة ستعرف أين كان الخطأ فتدخل المرحلة الجديدة بدرس جديد.. وهكذا.

أما النتيجة فلا يتم احتسابها بالبساطة التى تعتقدها، اليابان دُمرت بالكامل فى قنبلة نووية، لقد دخلت اليابان الحرب وأكلت التفاحة، لكن كيف تعاملت مع التجربة؟

الترتيب أساس الحكمة، لاحظ ترتيب الأحداث دائما ولا تتوقف عندما تراه الآن فقط، ولكن فكِّر فى ترتيبه بين ما تعيشه منذ بدأت المشوار، ولا يؤلمنَّك أنْ قضمتَ التفاحة، ولكن فكِّر فيم كان تمردك، وفى كل الأحوال لا بد أن تتفادى تجربة واحدة بعينها وهى «الغرور»، لأن سيدنا آدم خجل مما اعتبره خطأً ولم يكابر فنضج، وحده الشيطان تمسك بغروره فعاش إلى الأبد صبيًّا مراهقًا معذَّبًا.

 

القسم: 
المصدر: 

عمر طاهر يكتب: عن مستقبل «عادل»

عارف لو كانت الأم سمّت التوائم الثلاثة «أحمد وعيد وعبد الملك» مثلا لأصبحت الأمور متزنة، هناك أُمّ أخرى ربما فى المدينة نفسها كانت قد سمّت التوائم «محمد وحسنى ومبارك»، هنا أيضا يبدو الأمر عادلا، فالبويضة واحدة ومن المعروف سلفًا أن عيد هو عبد الملك وأن حسنى هو مبارك والحكاية فى بيتها طول الوقت، وفى شارعنا كان هناك ثلاثة أطفال «محمد أسامة، محمد أنور، محمد عكاشة».
 
وحسب عادة المصريين فى حذف اسم محمد ومناداة الشخص باسم والده صار الأطفال الثلاثة شلة واحدة فى حد ذاتها حتى يومنا هذا، لأن أسماءهم تشكل جملة مفيدة «أسامة أنور عكاشة». لكن الأم التى أنجبت فى أسيوط ثلاثة توائم وسمتهم «السيسى، محلب، عادل» لا تعرف أنها قد ظلمت «عادل» إلى الأبد.
 
لقد أصبح عادل شخصًا لا مستقبل له داخل حدود هذه الأسرة، سيكبر ويعرف أن البويضة عندما انقسمت خرج منها من يحمل اسم رئيس جمهورية واسم رئيس حكومة وشخص ثالث ظلوا يفتشون له عن اسم مهم يكمل الدائرة لكن دون فائدة، والأم معذورة بلا شك، فهكذا تبدو مصر حاليا، السيسى ومحلب ومواطن لا يعرف أحدًا غير هذين الاسمين لينقل إليه همومه ومشكلاته واستغاثاته وأحلامه، كلنا عادل.
 
لكننا كبار بما يكفى لتفهم الوضع والتعامل معه، لكن الأطفال حين يشبون قليلا عن الطوق ويفهم كل واحد مرجعية اسمه سيصبح الأمر مربكا، ميزانية البيت لن تسمح بشراء لعبة لكل طفل، عليهم أن يختاروا واحدة تناسبهم جميعًا، سيطلب السيسى وقتها تفويضًا من عادل لإتمام المهمة، ولن يعترض محلب بطبيعة الأمر، فالبيت فى حالة حرب ضد فكرة أن يُحرم الجميع من شراء اللعب لظروف المعيشة الصعبة (هتاكلوا أمكم يعنى؟).
 
وإذا حدث وامتلكت الأسرة سيارة على قد الحال تتسع كنبتها الخلفية للأشقاء الثلاثة فلن يجلس عادل يومًا إلى جوار الشباك، وإذا اتسع له مرة حجر والدته الطيبة فلن تتكرر بعد أن يخط شنبٌ ما فى وجهه، ستضيق الغرفة عليهم وسيقترح السيسى على الأسرة مشروع تقفيل البلكونة لتصبح غرفة لن يسمح لعادل بدخولها، لكن قد يسمح له بالاستثمار فيها، قد يتبرع السيسى بنصف مصروفه لصالح الأسرة، لكن فى أقرب عيد أم ومن أجل شراء هدية قيمة سيكلف السيسى شقيقه محلب أن «يلم من عادل» عشان نجيب هدية لماما، لن يشاهد عادل فى التليفزيون ما يرضيه أو يعبر عنه، فلن يُعرض فى صالة المنزل سوى البرامج التى ترضى السيسى فقط، سيعانى عادل كثيرًا وربما يفقد أعصابه كطفل ضاق ذرعًا بإخوته فينطح كل واحد منهما روسية قاتلة، سيبتلع محلب إهانة عادل، لكن من المؤكد أن السيسى لما يكبر هيضربه.
 
حضرة الأم الفاضلة، حمدًا لله على سلامتك وحفظ الله أطفالك وجعلهم قرة أعين لكم جميعًا، وسلامى لـ«عادل».
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

يُقدَّم ساخنًا

تقول الأسطورة الشعبية (الأهم من الشغل.. تظبيط الشغل)، قد تقودك الصدفة للتعرُّف على تاجرى مخدرات، فتكره الأول السخيف الفج، لأنه يدمِّر الشباب وتتسامح مع الثانى، لأنه صاحب وقار وابن بلد وخفيف الدم، البضاعة واحدة لكن الكاركتر يصنع الفارق، وفى النهاية اللوم كله على صاحب الحكم النهائى الذى عيّر واحدًا بتجارته ومرر الآخر بالتجارة نفسها، والعبودية لا كبير لها حتى أنصار الحرية هم عبيد لفكرة ما بطريقة تعوق تأملها بما يكفل توقِّى شر آثارها الجانبية.

صباح الفل..

لو وضعت كل عيوب الزواج فى كفَّة فإنها لن تصمد كثيرًا أمام كفة تحمل ميزة أن تقول لزوجتك «أهرشيلى فى ضهرى»، بينما تقود أصابعها فى الطريق إلى النقطة المنشودة، من هنا تبدأ فكرة (السكن) عندما تسكن إلى أصابعها، وهى تفك شفرة نهايات الأعصاب التى ارتبكت فى تلك النقطة ارتباك نزلة ميدان لبنان، إنها لحظة لو علمت كل زوجة قيمتها لحصلت بسهولة على توقيع الزوج على عقد نقل ملكية الشقة باسمها.

الدرس المستفاد أن نِعم ربنا كثيرة، ولكن الفذلكة تحرمك من استطعامها.

عندك مثلًا..

(لو تحب تقوم تعمل قهوة وترجع علشان المقال هيطول شوية اتفضل) .

عندك مثلًا رجل فذلوك جلس أمام شيخ زاهد متعبّد، كان الشيخ مريضًا وراضيًا، شاهده الفذلوك وهو يتناول الدواء، فقال له (المرض قدر من الله، أليس الدواء اعتراضًا على قدر الله؟)، فقال له الشيخ (هو من قدر الله)، فانكتم الفذلوك كتمة العدس.

هذا جزء من أزمتنا بالمناسبة، فالمجتمع أصبح كالطفل الذى امتلك لعبة جديدة اسمها (القدرة على التنظير)، نجحت اللعبة وصنعت أسماءً لامعة أثارت غيرة غير المهتمين فصار الجميع ينظرون، بمرور الوقت صارت اللعبة مملة فقرروا أن يفتحوا بطنها ليعرفوا ما بداخلها، فضاع الجزء الممتع المفيد فى اللعبة وبقى الزمبلك يدور على الفاضى فى الهواء مُحدثًا تشويشًا مستفزًّا.

أنت لا تصدقنى؟ هه؟

طيب ما الجهة التى تصدقها فى البلد الآن؟ اصنع قائمة اكتب على رأسها أنا أصدق:...........

وإذا وصلت إلى الرقم (خمسة) فأرجوك أشركنا معك فى الحل، ولا تخبّئ شيئًا عن رفاقك فى الغربة، نعم غربة، فنحن منذ 11 فبراير 2011 نبتعد كل لحظة عما كنا نحلم به، بل إن الأسوأ أننا نبتعد عما كنا عليه، على الرغم من أننا كنا نرفضه، ابتعدنا بما يكفى لأن نشعر بالغربة فى بعض الأحيان، ويؤكِّد هذا الشعور أن سلوكنا تجاه بعضنا لا يتخيّر عن سلوك المصريين تجاه بعض فى الدمام.

يومك جميل إن شاء الله.

بأمارة أنك ما زلت موجودًا وتمتلك فرصة جديدة لتنجو بنفسك من سوء التمييز والعبودية والتنظير وصناعة الأصنام، كان الفرز هو أفضل ما تحقَّق بعد ثورة يناير، للأسف عداد الفرز قلب خلاص، وأصبح عليك أن تتخلَّص من مطاردة الأشخاص لتطارد الأفكار، فالأفكار ثمار ناضجة تعرف بالفطرة كيف تنتقى الصالح منها وتقدّر ثمنه بطريقة صحيحة، أما الأشخاص فمهما كبروا أو علا شأنهم يظلون حتى لحظاتهم الأخيرة فى طور التشكيل والنضج.

يومك جميل وكن مستعدًّا.. فالمطلوب من الواحد أن يقضى عمره يستعد للحظات معينة ويعمل لها حسابًا.. المعاش، الامتحان، الموت، الزواج، الإنجاب، انتهاء رخصة القيادة.

يا رب تكون القهوة عجبتك.

القسم: 
المصدر: 

عمر طاهر يكتب: يُقدَّم ساخنًا

تقول الأسطورة الشعبية (الأهم من الشغل.. تظبيط الشغل)، قد تقودك الصدفة للتعرُّف على تاجرى مخدرات، فتكره الأول السخيف الفج، لأنه يدمِّر الشباب وتتسامح مع الثانى، لأنه صاحب وقار وابن بلد وخفيف الدم، البضاعة واحدة لكن الكاركتر يصنع الفارق، وفى النهاية اللوم كله على صاحب الحكم النهائى الذى عيّر واحدًا بتجارته ومرر الآخر بالتجارة نفسها، والعبودية لا كبير لها حتى أنصار الحرية هم عبيد لفكرة ما بطريقة تعوق تأملها بما يكفل توقِّى شر آثارها الجانبية.

صباح الفل..

لو وضعت كل عيوب الزواج فى كفَّة فإنها لن تصمد كثيرًا أمام كفة تحمل ميزة أن تقول لزوجتك «أهرشيلى فى ضهرى»، بينما تقود أصابعها فى الطريق إلى النقطة المنشودة، من هنا تبدأ فكرة (السكن) عندما تسكن إلى أصابعها، وهى تفك شفرة نهايات الأعصاب التى ارتبكت فى تلك النقطة ارتباك نزلة ميدان لبنان، إنها لحظة لو علمت كل زوجة قيمتها لحصلت بسهولة على توقيع الزوج على عقد نقل ملكية الشقة باسمها.

الدرس المستفاد أن نِعم ربنا كثيرة، ولكن الفذلكة تحرمك من استطعامها.

عندك مثلًا..

(لو تحب تقوم تعمل قهوة وترجع علشان المقال هيطول شوية اتفضل) .

عندك مثلًا رجل فذلوك جلس أمام شيخ زاهد متعبّد، كان الشيخ مريضًا وراضيًا، شاهده الفذلوك وهو يتناول الدواء، فقال له (المرض قدر من الله، أليس الدواء اعتراضًا على قدر الله؟)، فقال له الشيخ (هو من قدر الله)، فانكتم الفذلوك كتمة العدس.

هذا جزء من أزمتنا بالمناسبة، فالمجتمع أصبح كالطفل الذى امتلك لعبة جديدة اسمها (القدرة على التنظير)، نجحت اللعبة وصنعت أسماءً لامعة أثارت غيرة غير المهتمين فصار الجميع ينظرون، بمرور الوقت صارت اللعبة مملة فقرروا أن يفتحوا بطنها ليعرفوا ما بداخلها، فضاع الجزء الممتع المفيد فى اللعبة وبقى الزمبلك يدور على الفاضى فى الهواء مُحدثًا تشويشًا مستفزًّا.

أنت لا تصدقنى؟ هه؟

طيب ما الجهة التى تصدقها فى البلد الآن؟ اصنع قائمة اكتب على رأسها أنا أصدق:...........

وإذا وصلت إلى الرقم (خمسة) فأرجوك أشركنا معك فى الحل، ولا تخبّئ شيئًا عن رفاقك فى الغربة، نعم غربة، فنحن منذ 11 فبراير 2011 نبتعد كل لحظة عما كنا نحلم به، بل إن الأسوأ أننا نبتعد عما كنا عليه، على الرغم من أننا كنا نرفضه، ابتعدنا بما يكفى لأن نشعر بالغربة فى بعض الأحيان، ويؤكِّد هذا الشعور أن سلوكنا تجاه بعضنا لا يتخيّر عن سلوك المصريين تجاه بعض فى الدمام.

يومك جميل إن شاء الله.

بأمارة أنك ما زلت موجودًا وتمتلك فرصة جديدة لتنجو بنفسك من سوء التمييز والعبودية والتنظير وصناعة الأصنام، كان الفرز هو أفضل ما تحقَّق بعد ثورة يناير، للأسف عداد الفرز قلب خلاص، وأصبح عليك أن تتخلَّص من مطاردة الأشخاص لتطارد الأفكار، فالأفكار ثمار ناضجة تعرف بالفطرة كيف تنتقى الصالح منها وتقدّر ثمنه بطريقة صحيحة، أما الأشخاص فمهما كبروا أو علا شأنهم يظلون حتى لحظاتهم الأخيرة فى طور التشكيل والنضج.

يومك جميل وكن مستعدًّا.. فالمطلوب من الواحد أن يقضى عمره يستعد للحظات معينة ويعمل لها حسابًا.. المعاش، الامتحان، الموت، الزواج، الإنجاب، انتهاء رخصة القيادة.

يا رب تكون القهوة عجبتك.

القسم: 
المصدر: 

برما: مافيش حد مالوش لازمة

قلت لبرما: هل تعتقد أن هناك ناس على الكوكب كمالة عدد؟ فقال: مستحيل، كل شخص موجود هنا لا غنى عنه على عكس ما يبدو، قد تعتقد أن الحياة ستكون أجمل دون هؤلاء الأشخاص، لكن أؤكد لك أنها كانت ستسير إلى الأسوأ من دونهم.

قلت له: مش فاهم.

فقال: لولا الجار المؤذى ما فكرت يومًا فى البحث عن سكن جديد وتغيير العتبة، الجار المؤذى موجود فى الكوكب ليدفعك لعمل نقلة فى حياتك ما كنت لتفكر فيها لولا وجوده، الناجح يلهمك، والفاشل أيضا يلهمك ربما بدرجة أكبر، هناك نماذج بشرية تدفعك إلى الأفضل بأن تتعلم منها ومن تجربتها وتقلدها، وهناك نماذج بشرية تدفعك إلى الأفضل بأن تتعلم منها أن لا تصبح مثلها أبدًا.

قلت له: ذكّرتنى بمقولة للخواجات «ما لم تستطع أن تكون قدوة فلتكن عبرة»، قال: هو كده بالضبط، كل شخص موجود فى مكانه له دور حتى لو لم تفهمه فى ساعتها. لا بد من وجود محمود المليجى حتى يصبح فريد شوقى ملك الترسو. لا بد من وجود الشخص المزعج الذى لا يرفع يده عن الكلاكس حتى تتعلم منه حسن إدارة دواسة الفرامل فى سيارتك، فتزيد ثقتك فى نفسك، فلا تعش حياتك مذعورًا مثل هذا الرجل. لا بد من وجود الشخص اللزج الزنان الذى يقول لك «مش هنرقص فى فرحك بقى؟»، على الرغم من أنه هو بالذات لا يغادر ترابيزته طول الفرح، لكن لولاه ولولا لزاجته ما كنت لتسعى لهذه الخطوة.

قلت له: والفقراء يا برما؟

قال برما: الفقراء هم سر حركة الكون، النقاش الذى لا يعمل ما دام فى جيبه عشرون جنيها، كيف كنا سنعيش من دونه ما لم تعوزه الحاجة إلى العمل؟ «إحنا أصلا كلنا بنشتغل عند بعض»، الثرى برأس المال والأقل ثراء بالجهد، تخيل لو الجميع لديهم طاقة جبارة للعمل اليدوى، ولا أحد يمول هذه الطاقة ليحولها إلى ثمرات، أو أن الجميع أثرياء جدا ستجد البشرية وقتها عبارة عن أشخاص بكروش يجلسون فى الظل، يعدون نقودهم ثم يلتهمونها من الجوع. لا بد من وجود ناس أقل منك حتى تحمد الله على ما أنت فيه تحمده فيزيدك، ولا بد من وجود ناس أغنى منك حتى تحسدهم فيضيق بك الحال فتحترم نفسك فتصبح شخصا أكثر صفاء، فتحمد الله فيزيدك ربما أكثر من الذين كنت تحسدهم من قبل.

تنهد برما ثم قال: قد يبدو بعض الناس متعبًا فى التو واللحظة، لكنك ستتأكد لاحقا من أهمية وجود كل شخص.

قلت له: هناك أقارب ليس لهم أى لازمة فى الوجود وحِمل على الواحد يا برما.

قال برما: الثابت علميا فى قناعتنا أن «ماحدش بياخد أكتر من نصيبه»، هل فكرت يومًا أن «ماحدش بياخد أكتر من نصيبه إلا بصلة الرحم»؟ هذا ليس كلاما من عندى، ده كلام النبى، هو الذى قال فى ما معناه أن من سره أن يمد له فى عمره ويوسع له فى رزقه فليصل رحمه، ربما تكون هناك مشقة فى التواصل معهم، ولكن على قدر المشقة فى صلة الرحم يكون رزقك. يا صديقى ربنا بيرزق الناس بالناس، فما بالك إذا كانت هذه الناس قريبة؟

قلت له: والحاكم الظالم يا برما؟

قال برما: الحاكم الظالم يمهد الأرض بظلمه لوصول الحاكم العادل، طب الكفار؟ عندك شك أن الكفار أصحاب نعمة كبيرة علينا؟ فلولا الكفار ما نزلت رسالة ولا كنا شرفنا بالأنبياء. عودة لحياتنا اليومية، لا بد من شخص يركن صف تانى ويشد التعشيقة ويحبسك لساعتين أو أكثر حتى تفكر ألف مرة قبل أن تفعل هذه الحركة المؤذية، وبتجنبها تصبح إنسانا محترما تعلم الاحترام من شخص سخيف. لا بد من شخص سليط اللسان حتى تلتقط من مزبلة فمه بالصدفة كلمة نقد صادقة، فى قلبها جوهرة قد تغير حياتك. لا بد من شخص ثقيل الدم حتى تتعلم أن تكون خفيفا «كن خفيفا ترى الوجود جميلا». لا بد من المتفذلكين حتى يحركوا الماء الراكد فى أذهان المغفلين، ولا بد من المغفلين حتى يسحبوا الكهرباء الزائدة فى أذهان المتفذلكين. لا بد من الظلام حتى تسعى إلى النور، سيدنا موسى شكت له زوجته من الظلام فراح يبحث عن قبس من نار فعاد إليها نبيا. لا بد من شخص يجرح مشاعرك حتى تكتب الشعر، وأشخاص يحيرونك حتى تنضج روحك وتستوى أفكارك، وأشرار يوقظون الشجاعة النائمة بداخلك، ونصابين يدربونك على اليقظة. أقولهالك إزاى مش عارف؟ بص يا معلم.. لا بد من وجود عمرو الصفتى حتى تعرف قيمة إبراهيم صلاح، ولا بد من وجود إبراهيم صلاح حتى تعرف قيمة شيكابالا، ولا بد من وجود شيكابالا لتوقن أن الأدب فضلوه على العلم.

قلت له: طيب هناك شخصيات لا أرى فيها سوى القبح يا برما؟

قال برما: الجمال لا يكمن فى الأشياء يا صديقى، ولكن يكمن فى المتلقى، ووجود القبح يدربك على البحث عن الجمال، لأن الله جميل فهو يحب الجمال، لو كانت الجملة «الله يحب الجمال» فقط لكان هذا يعنى أن فى خلقه ما هو جميل وما هو قبيح، وبالتالى فهو يحب الجمال ولا يحب ما دونه، لكن لأن الله جميل فهو يرى الجمال فى كل شىء، حتى ما تعجز أنت عن رؤيته، لأنك لست جميلا بالقدر الكافى.

القسم: 
المصدر: 

عمر طاهر يكتب: «برما: مافيش حد مالوش لازمة»

قلت لبرما: هل تعتقد أن هناك ناس على الكوكب كمالة عدد؟ فقال: مستحيل، كل شخص موجود هنا لا غنى عنه على عكس ما يبدو، قد تعتقد أن الحياة ستكون أجمل دون هؤلاء الأشخاص، لكن أؤكد لك أنها كانت ستسير إلى الأسوأ من دونهم.

قلت له: مش فاهم.

فقال: لولا الجار المؤذى ما فكرت يومًا فى البحث عن سكن جديد وتغيير العتبة، الجار المؤذى موجود فى الكوكب ليدفعك لعمل نقلة فى حياتك ما كنت لتفكر فيها لولا وجوده، الناجح يلهمك، والفاشل أيضا يلهمك ربما بدرجة أكبر، هناك نماذج بشرية تدفعك إلى الأفضل بأن تتعلم منها ومن تجربتها وتقلدها، وهناك نماذج بشرية تدفعك إلى الأفضل بأن تتعلم منها أن لا تصبح مثلها أبدًا.

قلت له: ذكّرتنى بمقولة للخواجات «ما لم تستطع أن تكون قدوة فلتكن عبرة»، قال: هو كده بالضبط، كل شخص موجود فى مكانه له دور حتى لو لم تفهمه فى ساعتها. لا بد من وجود محمود المليجى حتى يصبح فريد شوقى ملك الترسو. لا بد من وجود الشخص المزعج الذى لا يرفع يده عن الكلاكس حتى تتعلم منه حسن إدارة دواسة الفرامل فى سيارتك، فتزيد ثقتك فى نفسك، فلا تعش حياتك مذعورًا مثل هذا الرجل. لا بد من وجود الشخص اللزج الزنان الذى يقول لك «مش هنرقص فى فرحك بقى؟»، على الرغم من أنه هو بالذات لا يغادر ترابيزته طول الفرح، لكن لولاه ولولا لزاجته ما كنت لتسعى لهذه الخطوة.

قلت له: والفقراء يا برما؟

قال برما: الفقراء هم سر حركة الكون، النقاش الذى لا يعمل ما دام فى جيبه عشرون جنيها، كيف كنا سنعيش من دونه ما لم تعوزه الحاجة إلى العمل؟ «إحنا أصلا كلنا بنشتغل عند بعض»، الثرى برأس المال والأقل ثراء بالجهد، تخيل لو الجميع لديهم طاقة جبارة للعمل اليدوى، ولا أحد يمول هذه الطاقة ليحولها إلى ثمرات، أو أن الجميع أثرياء جدا ستجد البشرية وقتها عبارة عن أشخاص بكروش يجلسون فى الظل، يعدون نقودهم ثم يلتهمونها من الجوع. لا بد من وجود ناس أقل منك حتى تحمد الله على ما أنت فيه تحمده فيزيدك، ولا بد من وجود ناس أغنى منك حتى تحسدهم فيضيق بك الحال فتحترم نفسك فتصبح شخصا أكثر صفاء، فتحمد الله فيزيدك ربما أكثر من الذين كنت تحسدهم من قبل.

تنهد برما ثم قال: قد يبدو بعض الناس متعبًا فى التو واللحظة، لكنك ستتأكد لاحقا من أهمية وجود كل شخص.

قلت له: هناك أقارب ليس لهم أى لازمة فى الوجود وحِمل على الواحد يا برما.

قال برما: الثابت علميا فى قناعتنا أن «ماحدش بياخد أكتر من نصيبه»، هل فكرت يومًا أن «ماحدش بياخد أكتر من نصيبه إلا بصلة الرحم»؟ هذا ليس كلاما من عندى، ده كلام النبى، هو الذى قال فى ما معناه أن من سره أن يمد له فى عمره ويوسع له فى رزقه فليصل رحمه، ربما تكون هناك مشقة فى التواصل معهم، ولكن على قدر المشقة فى صلة الرحم يكون رزقك. يا صديقى ربنا بيرزق الناس بالناس، فما بالك إذا كانت هذه الناس قريبة؟

قلت له: والحاكم الظالم يا برما؟

قال برما: الحاكم الظالم يمهد الأرض بظلمه لوصول الحاكم العادل، طب الكفار؟ عندك شك أن الكفار أصحاب نعمة كبيرة علينا؟ فلولا الكفار ما نزلت رسالة ولا كنا شرفنا بالأنبياء. عودة لحياتنا اليومية، لا بد من شخص يركن صف تانى ويشد التعشيقة ويحبسك لساعتين أو أكثر حتى تفكر ألف مرة قبل أن تفعل هذه الحركة المؤذية، وبتجنبها تصبح إنسانا محترما تعلم الاحترام من شخص سخيف. لا بد من شخص سليط اللسان حتى تلتقط من مزبلة فمه بالصدفة كلمة نقد صادقة، فى قلبها جوهرة قد تغير حياتك. لا بد من شخص ثقيل الدم حتى تتعلم أن تكون خفيفا «كن خفيفا ترى الوجود جميلا». لا بد من المتفذلكين حتى يحركوا الماء الراكد فى أذهان المغفلين، ولا بد من المغفلين حتى يسحبوا الكهرباء الزائدة فى أذهان المتفذلكين. لا بد من الظلام حتى تسعى إلى النور، سيدنا موسى شكت له زوجته من الظلام فراح يبحث عن قبس من نار فعاد إليها نبيا. لا بد من شخص يجرح مشاعرك حتى تكتب الشعر، وأشخاص يحيرونك حتى تنضج روحك وتستوى أفكارك، وأشرار يوقظون الشجاعة النائمة بداخلك، ونصابين يدربونك على اليقظة. أقولهالك إزاى مش عارف؟ بص يا معلم.. لا بد من وجود عمرو الصفتى حتى تعرف قيمة إبراهيم صلاح، ولا بد من وجود إبراهيم صلاح حتى تعرف قيمة شيكابالا، ولا بد من وجود شيكابالا لتوقن أن الأدب فضلوه على العلم.

قلت له: طيب هناك شخصيات لا أرى فيها سوى القبح يا برما؟

قال برما: الجمال لا يكمن فى الأشياء يا صديقى، ولكن يكمن فى المتلقى، ووجود القبح يدربك على البحث عن الجمال، لأن الله جميل فهو يحب الجمال، لو كانت الجملة «الله يحب الجمال» فقط لكان هذا يعنى أن فى خلقه ما هو جميل وما هو قبيح، وبالتالى فهو يحب الجمال ولا يحب ما دونه، لكن لأن الله جميل فهو يرى الجمال فى كل شىء، حتى ما تعجز أنت عن رؤيته، لأنك لست جميلا بالقدر الكافى.

القسم: 
المصدر: 

مدرسة برما

برما وصديقه المأذون

قال له برما: يا لها من مهنة صعبة يتوقَّف عليها مصير أمم بأكملها، فقال له المأذون: أنت تعطى المهنة أكبر من حجمها، ما نحن إلا مجرد أسباب ظاهرية تقود إلى مصير محتوم، سيدنا الخضر قتل الصبى الصغير، لأنه يومًا ما كان سيهلك أبويه الصالحين، فهذا أذى نهايته رحمة، سيدنا الخضر أيضًا خرق السفينة حتى لا يأخذها غصبًا الملك الظالم من أصحابها الفقراء، فهذا أذى لو كان تراجع عنه سيدنا الخضر، وترك السفينة فى سلام لكان الأمر سلامًا آخره أذى.

يندم الواحد على الطلاق، وينهى جلسته بخناقة مين اللى هيحاسب المأذون، وغالبًا من فرط الغضب المعشش على القعدة لا يحاسبنى أحد، لكنك فى الوقت نفسه لا تعرف أن أذى الطلاق ربما كان رحمة على بعد خطوات، أيضًا يندم الواحد على عزوبيته بعد فترة من الزواج، ويظل يسب للمأذون الذى كلبشه بأصغر كلبش فى العالم «الدبلة»، وهو لا يعلم أن ما يبدو قيدًا هو تحرير له من غباوات مستقبلية لا بد أن تنضح بها العزوبية كلما طال بها الزمن.

قال برما: معك حق أنا شخصيًّا أصحو كل يوم الصبح أسب للزواج، لكن على آخر اليوم باكون بقيت كويس.

ثم سأله: هل تستطيع أن تستشرف مستقبل الزيجة التى تعقد قرانها أم أنك تتعامل مع الأمور كموظف فقط؟ قال له المأذون: المستقبل بيد الله، لكن الواحد يستطيع أن يميِّز بين أنواع الزيجات.

قال له برما: إزاى يعنى؟

فقال المأذون: هناك زواج الحب: قصة حب تنشأ وتتطوَّر داخل حدود العمل أو الأسرة أو العمارة أو النادى، يتغيَّر طعم الحياة.

ولأن الإنسان يمتلئ قلبه بالطمع.. يقرر الاحتفاظ بهذا الطعم إلى الأبد، بناء على فهمه الخاطئ لجملة «قصة الحب لا بد أن تنتهى بالزواج»، لا يفهم الإنسان أن الحب ينتهى بالزواج كانتهاء الحياة بالموت، ويعتقد لفرط سذاجته أن الزواج هو التطوُّر الطبيعى للحاجة الساقعة، ليكتشف بعد فترة أن لهيب الحب قائم على الحرمان، كلما كانت هناك مسافة بينك وبين مَن تحب تأجج لهيب المشاعر، وهذا هو سر خلود الشعر العربى القديم، كان العاشق يعوض افتقاده لحبيبته نتيجة قانون القبيلة الذى يحرم عليهما اللقاء بأن يكتب قصائد مطوّلة تخلد قصص الحب، وبعد أن انتهى قانون القبيلة، وأصبح اللقاء متاحًا طوال اليوم ولو عبر الإنترنت على أقل تقدير فقد الحب بريقه، وأصبح عمر قصص الحب أقصر من عمر كروت الشحن، وأصبحت القصائد الناجحة هى كلمات أغنيات تتوعَّد فيها المرأة الرجل أو يقلل فيها الرجل من قيمة المرأة، ولهذا النوع من الزواج حكمة.

قال برما: أعرفها طبعًا.. حكمة تقول الحب حاجة والزواج حاجة تانية خالص.

قال المأذون: الله يفتح عليك، وهناك زواج الصالونات، الصيغة التى أقرها المجتمع العربى، وراهن على نجاحها وكسب رهانه فى كثير من البيوت، وخسره فى بيوت أخرى، لأسباب تتراوح بين الفروق الشخصية الهائلة أو الخيانة أو ارتباكات فى العلاقة الحميمية.

الفرق بين زواج الصالونات والزواج عن الحب، أن الأول به استسلام للقدر، ولإرادة الله بعد تحكيم العقل، والثانى به إلغاء للعقل أحيانًا يتبعه تمرُّد على القدر.. وهذا الزواج أيضًا له حكمة.

قال برما: حكمة زواج الصالونات معروفة طبعًا.. جوزك على ما تعوديه، والراجل ما يعيبوش إلا جيبه.

قال المأذون: تمام، هناك زواج عشوائى: هو أحد أنواع زواج الصالونات، التى لا يتم تحكيم العقل فيها، يتم الزواج بمبدأ «ضل راجل ولا ضل حيطة»، أو مبدأ «والله أنا شفت بنتكم وهىَّ نازلة من التاكسى وعجبتنى»، أو «أبوك كبر وبقى وحدانى ومحتاج واحدة تِلَيِّف له ضهره»، هناك تلهُّف على الزواج يلغى مسألة فحص ملفات الطرف الآخر الشخصية والعائلية والمادية والمهنية، زواج لمجرد الزواج، الفرحة به لا تتجاوز حدود ليلة الفرح نفسها.. وهذا الزواج له حكمة.

قال برما: أعرفها فهى حكمة مشتقة من نكتة تقول ذهب رجل وزوجته إلى المأذون «ويا ترى إيه سبب الطلاق؟!» فأجاب الاثنان فى نفس واحد «الجواز».

قال المأذون: عفارم عليك، وهناك زواج انفعالى: زواج قائم على المجاملة أحيانًا «رجل وشقيقه فى لحظة صلة رحم عاطفية يقرران أن خلاص الولد هياخد بنت عمّه»، أو قائم على تهوّر رجالى ساذج «أنا ممكن أتجوزك دلوقتى، أو ممكن أروح لباباكى أطلبك منه حالًا»، أو قائم على شعور بالشفقة «البنت يتيمة أتجوّزها وآخد فيها ثواب»، وهو زواج، قاطعه برما قائلًا: له حكمة تقول «مافيش حاجة تيجى كده».

قا المأذون: وعندك زواج الطيور على أشكالها تقع: كزواج «الراقصة والطبال» أو «الراقصة والسياسى»، زواج لا مبرر له إلا الظروف المشتركة، أو المتشابهة أحيانًا، مثل أن يكون العريس والعروس مطلقين أو مغتربين أو تجمعهما مهنة واحدة، أو كلاهما من أرباب السوابق أو أصحاب النظريات السياسية نفسها.

اثنان وجدا أنفسهما فى مركب، ولهما الوجهة نفسها، فيقرران الزواج، لأن وجهتهما واحدة، دون أن يتأكَّد كل طرف من قدرة الطرف الآخر على قيادة المركب أو الملاحة لتحديد إذا ما كان يسيران سويًّا فى الاتجاه الصحيح.

قال برما: هذا زواج نظرية «مافيش فراخ! بس إيه رأيك فى النظام؟!».

قال المأذون: هو كده، لكن يظل كل ما قلناه نظريات، ويظل النجاح والفشل مرتبطين بهمّة الزوجين ورغبتهما فى النجاح.

قال برما: تقصد أن النجاح فى الزواج قرار؟

قال المأذون: سر النجاح فى الزواج أو فى أى مشروع تُقدم عليه أن تكون «عارف إنت عايز منه إيه بالضبط»، حتى لا تحتار وتحيّر الآخرين معك، كلما كنت على معرفة دقيقة بهدفك كان الزواج ناجحًا، فإذا كنت تبحث عن الونس والسكن مع من تحب ستتعلم «تييجى على نفسك شوية»، وتتعود أن تكون مرنًا مع شريكك، وتنحنى للعواصف بمزاجك، تبحث عن «عيل» مثلًا فيصبح هذا هو مشروعك، الذى تتحمَّل وتتعب من أجله لتسعد به، وهكذا.

قال برما: طب افرض أنا عايز كل حاجة؟

قال المأذون: صدقنى يا عزيزى برما لو عايز من الجواز كل حاجة عمرك ما هتاخد منه أى حاجة.

القسم: 
المصدر: 

عمر طاهر يكتب: مدرسة برما

برما وصديقه المأذون

قال له برما: يا لها من مهنة صعبة يتوقَّف عليها مصير أمم بأكملها، فقال له المأذون: أنت تعطى المهنة أكبر من حجمها، ما نحن إلا مجرد أسباب ظاهرية تقود إلى مصير محتوم، سيدنا الخضر قتل الصبى الصغير، لأنه يومًا ما كان سيهلك أبويه الصالحين، فهذا أذى نهايته رحمة، سيدنا الخضر أيضًا خرق السفينة حتى لا يأخذها غصبًا الملك الظالم من أصحابها الفقراء، فهذا أذى لو كان تراجع عنه سيدنا الخضر، وترك السفينة فى سلام لكان الأمر سلامًا آخره أذى.

يندم الواحد على الطلاق، وينهى جلسته بخناقة مين اللى هيحاسب المأذون، وغالبًا من فرط الغضب المعشش على القعدة لا يحاسبنى أحد، لكنك فى الوقت نفسه لا تعرف أن أذى الطلاق ربما كان رحمة على بعد خطوات، أيضًا يندم الواحد على عزوبيته بعد فترة من الزواج، ويظل يسب للمأذون الذى كلبشه بأصغر كلبش فى العالم «الدبلة»، وهو لا يعلم أن ما يبدو قيدًا هو تحرير له من غباوات مستقبلية لا بد أن تنضح بها العزوبية كلما طال بها الزمن.

قال برما: معك حق أنا شخصيًّا أصحو كل يوم الصبح أسب للزواج، لكن على آخر اليوم باكون بقيت كويس.

ثم سأله: هل تستطيع أن تستشرف مستقبل الزيجة التى تعقد قرانها أم أنك تتعامل مع الأمور كموظف فقط؟ قال له المأذون: المستقبل بيد الله، لكن الواحد يستطيع أن يميِّز بين أنواع الزيجات.

قال له برما: إزاى يعنى؟

فقال المأذون: هناك زواج الحب: قصة حب تنشأ وتتطوَّر داخل حدود العمل أو الأسرة أو العمارة أو النادى، يتغيَّر طعم الحياة.

ولأن الإنسان يمتلئ قلبه بالطمع.. يقرر الاحتفاظ بهذا الطعم إلى الأبد، بناء على فهمه الخاطئ لجملة «قصة الحب لا بد أن تنتهى بالزواج»، لا يفهم الإنسان أن الحب ينتهى بالزواج كانتهاء الحياة بالموت، ويعتقد لفرط سذاجته أن الزواج هو التطوُّر الطبيعى للحاجة الساقعة، ليكتشف بعد فترة أن لهيب الحب قائم على الحرمان، كلما كانت هناك مسافة بينك وبين مَن تحب تأجج لهيب المشاعر، وهذا هو سر خلود الشعر العربى القديم، كان العاشق يعوض افتقاده لحبيبته نتيجة قانون القبيلة الذى يحرم عليهما اللقاء بأن يكتب قصائد مطوّلة تخلد قصص الحب، وبعد أن انتهى قانون القبيلة، وأصبح اللقاء متاحًا طوال اليوم ولو عبر الإنترنت على أقل تقدير فقد الحب بريقه، وأصبح عمر قصص الحب أقصر من عمر كروت الشحن، وأصبحت القصائد الناجحة هى كلمات أغنيات تتوعَّد فيها المرأة الرجل أو يقلل فيها الرجل من قيمة المرأة، ولهذا النوع من الزواج حكمة.

قال برما: أعرفها طبعًا.. حكمة تقول الحب حاجة والزواج حاجة تانية خالص.

قال المأذون: الله يفتح عليك، وهناك زواج الصالونات، الصيغة التى أقرها المجتمع العربى، وراهن على نجاحها وكسب رهانه فى كثير من البيوت، وخسره فى بيوت أخرى، لأسباب تتراوح بين الفروق الشخصية الهائلة أو الخيانة أو ارتباكات فى العلاقة الحميمية.

الفرق بين زواج الصالونات والزواج عن الحب، أن الأول به استسلام للقدر، ولإرادة الله بعد تحكيم العقل، والثانى به إلغاء للعقل أحيانًا يتبعه تمرُّد على القدر.. وهذا الزواج أيضًا له حكمة.

قال برما: حكمة زواج الصالونات معروفة طبعًا.. جوزك على ما تعوديه، والراجل ما يعيبوش إلا جيبه.

قال المأذون: تمام، هناك زواج عشوائى: هو أحد أنواع زواج الصالونات، التى لا يتم تحكيم العقل فيها، يتم الزواج بمبدأ «ضل راجل ولا ضل حيطة»، أو مبدأ «والله أنا شفت بنتكم وهىَّ نازلة من التاكسى وعجبتنى»، أو «أبوك كبر وبقى وحدانى ومحتاج واحدة تِلَيِّف له ضهره»، هناك تلهُّف على الزواج يلغى مسألة فحص ملفات الطرف الآخر الشخصية والعائلية والمادية والمهنية، زواج لمجرد الزواج، الفرحة به لا تتجاوز حدود ليلة الفرح نفسها.. وهذا الزواج له حكمة.

قال برما: أعرفها فهى حكمة مشتقة من نكتة تقول ذهب رجل وزوجته إلى المأذون «ويا ترى إيه سبب الطلاق؟!» فأجاب الاثنان فى نفس واحد «الجواز».

قال المأذون: عفارم عليك، وهناك زواج انفعالى: زواج قائم على المجاملة أحيانًا «رجل وشقيقه فى لحظة صلة رحم عاطفية يقرران أن خلاص الولد هياخد بنت عمّه»، أو قائم على تهوّر رجالى ساذج «أنا ممكن أتجوزك دلوقتى، أو ممكن أروح لباباكى أطلبك منه حالًا»، أو قائم على شعور بالشفقة «البنت يتيمة أتجوّزها وآخد فيها ثواب»، وهو زواج، قاطعه برما قائلًا: له حكمة تقول «مافيش حاجة تيجى كده».

قا المأذون: وعندك زواج الطيور على أشكالها تقع: كزواج «الراقصة والطبال» أو «الراقصة والسياسى»، زواج لا مبرر له إلا الظروف المشتركة، أو المتشابهة أحيانًا، مثل أن يكون العريس والعروس مطلقين أو مغتربين أو تجمعهما مهنة واحدة، أو كلاهما من أرباب السوابق أو أصحاب النظريات السياسية نفسها.

اثنان وجدا أنفسهما فى مركب، ولهما الوجهة نفسها، فيقرران الزواج، لأن وجهتهما واحدة، دون أن يتأكَّد كل طرف من قدرة الطرف الآخر على قيادة المركب أو الملاحة لتحديد إذا ما كان يسيران سويًّا فى الاتجاه الصحيح.

قال برما: هذا زواج نظرية «مافيش فراخ! بس إيه رأيك فى النظام؟!».

قال المأذون: هو كده، لكن يظل كل ما قلناه نظريات، ويظل النجاح والفشل مرتبطين بهمّة الزوجين ورغبتهما فى النجاح.

قال برما: تقصد أن النجاح فى الزواج قرار؟

قال المأذون: سر النجاح فى الزواج أو فى أى مشروع تُقدم عليه أن تكون «عارف إنت عايز منه إيه بالضبط»، حتى لا تحتار وتحيّر الآخرين معك، كلما كنت على معرفة دقيقة بهدفك كان الزواج ناجحًا، فإذا كنت تبحث عن الونس والسكن مع من تحب ستتعلم «تييجى على نفسك شوية»، وتتعود أن تكون مرنًا مع شريكك، وتنحنى للعواصف بمزاجك، تبحث عن «عيل» مثلًا فيصبح هذا هو مشروعك، الذى تتحمَّل وتتعب من أجله لتسعد به، وهكذا.

قال برما: طب افرض أنا عايز كل حاجة؟

قال المأذون: صدقنى يا عزيزى برما لو عايز من الجواز كل حاجة عمرك ما هتاخد منه أى حاجة.

القسم: 
المصدر: 

المَدَد

الشيخ أحمد القصبى واحد من مريدى سيدنا الحسين، كان يقطن إلى جواره فى بنسيون فقير داخل غرفة بائسة تطل نافذتها على المشهد الحسينى.

تعرَّفت إليه فى أحد الموالد وأحببته من النظرة الأولى، كان رجلًا صافيًا مرحًا ودرويشًا على مصرى بلا افتعال، كنت أزوره يوميًّا فى بداية عملى فى مجلة «نصف الدنيا» التابعة لـ«الأهرام»، كمتدرب بجنيهات قليلة بلا أى معالم واضحة للمستقبل بلا أى وعود بتوظيف حقيقى ورسمى فى المجلة.

أدخل غرفته فأسأله: «هناكل إيه النهارده يا عم أحمد؟» فكان يسألنى: «معاك كام؟» فأخرج جنيهات قليلة، فيقول لى: «خليهالك»، ثم يتركنى فى الغرفة ويطلب منى أن أغسل الأطباق وأجهّز المكان لوليمة، وحتى يومنا هذا لا أعرف كيف كان يتركنى وهو مفلس ويعود إلى الغرفة حاملًا دجاجةً وأرزًا وسمنًا وخبزًا وشايًا وسكّرًا، فى البداية كنت أبدى اندهاشى فيقول لى: «دى بركة سيدنا الحسين»، ثم راحت الدهشة بالتدريج وتعلَّق قلبى به وبالمكان وبحفيد سيدنا النبى (صلى الله عليه وسلم)، كنت أتسلل إلى غرفة عم أحمد فأراه جالسًا فى شباك غرفته ينظر إلى السماء والدموع تنهمر من عينيه: «مالك يا عم أحمد؟» أسأله فيقول لى: «آه من الحب.. آه من الحب»، ثم يلفّنا الصمت لفترة طويلة حتى يعود إلى طبيعته.

كان عم أحمد درويشًا مثقّفًا، حيث كان يتاجر فى الكتب الدينية، كنت أقرأ له ما كتبته قبل أن أسلّمه للنشر، وكانت انطباعاته مريحة دائمًا ومشجّعة وكانت دعوته المفضّلة لدى: «ربنا يخبّز لك العيش فى الأهرام».

وفى أيام المولد كانت حجرته الصغيرة تتحوَّل إلى (خدمة) بلغة المولد، وهى المكان الذى يستريح فيه المريدون ويقدّم لهم الطعام والشاى، كنت أشاركه الخدمة وأنا فى منتهى السعادة وأعتقد أنها كانت أسعد أيامى فى هذه الفترة.

حدثت حركة تعيين لدفعتى فى «الأهرام»، تجاوزتنى هذه الحركة وخرجت منها مقهورًا شاعرًا باليأس، توجَّهت إلى عم أحمد، فقال لى بالنص: «ماتقلقش، إن شاء الله سيدنا الحسين هيعيّنك فى الأهرام»، أشحت بيدى معترضًا، فقال لى: «قريب جدًّا سناء البيسى هتجيلك لحد مكتبك وتعيّنك».. كنت أرى ما يقوله محض دروشة لم أكن أتوقعها منه، ففترت علاقتى به وانقطعت عن زيارته لفترة.

بعد شهور من العمل بلا أى أمل فى التعيين زُرت عم أحمد وقلت له لقد حصلت على تأشيرة سفر إلى إنجلترا ووعد بالعمل هناك إلى جانب استكمال الدراسة، فطلب منى أن لا أتعجَّل وذكَّرنى بما قاله لى، لكننى لم أكن مقتنعًا حيث لم أدّخر جهدًا خلال الفترة الماضية للحصول على التعيين بلا فائدة، طلب منى أن أزور قبر سيدنا الحسين للسلام وقراءة الفاتحة وطلب منى أن أخبره بما قررت أن أفعله.. ففعلت.

كان يوم الأحد عندما ذهبت إلى السفارة البريطانية فى الثامنة صباحًا وحصلت على التأشيرة، قلت لنفسى ما زال الوقت مبكرًا سأزور «نصف الدنيا» لتوديع الزملاء الذين عرفتهم خلال الفترة السابقة.

كان المكتب فارغًا، جلست أحتسى القهوة وفوجئت بالأستاذة سناء البيسى تفتح الباب وعلى وجهها ابتسامة كبيرة، وقفت مرتبكًا، فقالت لى: «أنا كلّمت أستاذ إبراهيم نافع فى موضوع تعيينك وكتبت له طلبًا ووافق».

فى غرفة عم أحمد كان المشهد مختلفًا.. قال لى: «طلع كل اللى فى جيبك»، كانت جنيهات إسترلينية، نزلت معه إلى ساحة المسجد ورأيته وهو يوزّعها على أصدقائه الدراويش، كنت فرحًا للغاية وكان الدراويش فى ملابسهم الرثّة أشبه بالملائكة، كانت وجوههم تشع نورًا، استوقفنى أحدهم مستخدمًا عصا طويلة، ثم سأل: «ماله ده يا عم أحمد؟»، فقال له عم أحمد: «بارك له ده اتعيّن فى الأهرام»، سألنى الرجل «عارف مين اللى عيّنك فى الأهرام؟» فسكت تمامًا، وضع الرجل عصاه فى الأرض ونظر إلىّ مبتسمًا، قائلًا: «سيدنا الحسين».

القسم: 
المصدر: