نشأت الديهى

الانتظار اللعين

لا أتمتع بفضيلة «الانتظار الهادئ» أو العاقل، فانتظارى مزيج من القلق والأرق.

الانتظار يؤلمنى دائماً، ويزعج القريبين منى أحياناً، فالعجلة والاستعجال والاندفاع هى من مظاهر الرغبة الجارفة فى تحقيق الأحلام وتنفيذ الوعود الجمعية. أشعر أن «الانتظار الهادئ» رفاهية لا يتحملها المشهد العام الآن، فالتحديات الضخمة تحتاج إلى أعمال عاجلة ودقيقة وعظيمة، النجاح لا يذهب لأحد ويطرق بابه منتظراً الدخول، المبادرون هم الرابحون دائماً، أما المنتظرون فسيستمرون فى ساحات الانتظار يتسكعون ويتسولون، والفرص نادرة ولن يقتنصها إلا هؤلاء النابهون المنتبهون الذين ينامون وإحدى أعينهم مفتوحة دائماً. إن «نادى المنتظرين» لن يخرج منه أبطال يرفعون الرايات، فمن يَركَن يُركَن، ومن ينتظر لن ينتصر. ومن الجانب الآخر دائماً ما أستشعر أن وريقات العمر تتهاوى تباعاً ونحن فى غفلة معرضون، فهل خُلقنا فقط لنمارس طقوس البشر العادية ونرحل؟ وهل هذه الحالة أو السلوك أو الطبيعة الشخصية ضد فضائل «الصبر» و«التوكل» و«الإيمان بالقدر» و«عدم العجلة» و«الروية»؟ فى تقديرى أننى أؤمن إيماناً مطلقاً بهذه الفضائل وأمارسها يقيناً، لكننى أنظر إلى الأمر من زوايا أخرى، أهمها شيوع فكر «التواكل» والخلط المدمر بينه وبين «التوكل»، انتشار سلوكيات تقتل الأحلام وتضرب معانى دافع الإنجاز فى الصميم. أنا أكره الانتظار وأكره سلوكيات المنتظرين الذين يمارسون أسوأ الطقوس البشرية فى الانتظار إلى ما لا نهاية دون أن يكون لهم فعل أو مشاركة فى تحقيق ما ينتظرونه. عندما أستمع إلى أحدهم وهو يقول «ربنا يسهل» أو «ربنا يرزق» أو «منتظرين الفرج»، فى البداية كنت أشعر بمسحة إيمانية لدى هؤلاء المتوكلين المؤمنين الموصولين بربهم، لكن ومع الاطلاع على سلوكيات ومساهمات هؤلاء وأعمالهم وإنجازاتهم وطريقة إدارتهم لأمورهم، تتبدد مدلولات نظرتى الأولى لهؤلاء، يجلس أحدهم بلا تفكير أو تغيير أو تدبير، ولا يحرك ساكناً، ويرفع أكف الضراعة ويطلق العبارات التى لا يحب التفكير فيها، فأنَّى يستجاب له!؟

المجتمع بثقافاته المتراكمة وزخمه وإرهاصاته الحالية فقد أهم ملامحه الحضارية، وهى الحيوية والحركة الدؤوبة والقدرة على الإنجاز من رحم الإنجاز، المجتمع الذى انتشرت فيه أمثال شعبية من عيّنة «اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب»، «على قد لحافك مد رجليك»، «العين ما تعلاش على الحاجب»، «الميّه ماتجريش فى العالى»، «يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش»، كل هذه الأمثال تعكس طريقة تفكير وسلوكيات مجتمع مترسخة من قاعدته إلى قمته، الجميع ينتظر وفقط! ربما لا يعرف الكثيرون ماذا ولماذا ينتظرون؟ فقط يفعلون، مثلما يمر أحدهم ويجد طابوراً طويلاً فيقرر دون أن يسأل أن يقف فى هذا الطابور وينتظر وينتظر ويدعو ربه ويرفع أكف الضراعة ويقول «يا رب سهّل»، رغم أنه لا يعرف لماذا وقف هؤلاء فى هذا الطابور ولم يسأل أيضاً. إنها ثقافة انتظار من لا سيأتى إطلاقاً، كمن تنتظر عودة ضناها الذى استشهد أو توفاه الله بعدما غلبها حنين الأم وحرق قلبها الفراق وتأثرت حالتها النفسية، وخير مثال على هؤلاء هم أولئك الذين يرددون أن «مرسى راجع»، والشيعة الذين ينتظرون ظهور المهدى المنتظر.. كل هؤلاء يجمعهم الاستسلام لممارسة رذيلة الانتظار الملعون إلى ما لا نهاية وإلى ما لن يتحقق.

فقط يمارس هؤلاء طقوساً تريحهم نفسياً «بأنهم عملوا اللى عليهم» وينتظرون أن تمطر السماء ذهباً أو فضة رغم إيمانهم بأنها لم ولن تفعل.

أنا أكره الانتظار، وأبحث عن ضرب مبادئه وثوابته فى مقتل، لذلك أصرخ وأقول: لن أنتظر كثيراً، سأعمل على تغيير مسببات الانتظار، فإرادتى المتفائلة قطعاً ستتغلب على نوازع سلبية تدعو إلى الإحباط، أنظر دوماً إلى استعجال الرئيس فى إنجاز المشروعات فى أسرع وقت ممكن بعيداً عن الأطر الزمنية المتعارف عليها، إنه يسابق الزمن، فليس لدينا بحبوحة من الوقت ننفقها فى تدليل الآخرين، ليس لدينا رفاهية الوقت، ومن ثم لا مكان للانتظار حتى ولو كان مبرراً.

غيّروا أنماط سلوككم لنتحول إلى مجتمع سليم معافى.

القسم: 
المصدر: 

لماذا نحتاج الرئيس؟

بين بساطة السؤال وبداهة الإجابة هناك العديد من التساؤلات المتدرجة من منطقة الاستفسارات الدافئة وصولاً إلى المحطات الساخنة أو الملتهبة أحياناً فى مثل هذه الحوارات. فى يقينى ومعتقدى أن الرئيس السيسى لقطة مضيئة فى سجلات تاريخ مصر الممتد عبر آلاف السنين، فالرجل أراه ويراه المنصفون من المؤرخين «حالة مصرية فريدة»، فهو «فكرة إصلاحية». كنت أقرأ وأردد منذ سنى الصبا عبارات مقولبة ونمطية عن السياسة والسياسيين، كنت أظن أن السياسة لعبة والساسة لاعبون، وكنت أردد مقولة «لعن الله السياسة وكل ما اشتُق منها بمكان.. ساس ويسوس وسائس ومسوس». قرأت فى كتب التاريخ وكتبت بعضاً من سطورها، بيد أن اسم الرئيس «عبدالفتاح السيسى» سيكون له مكان ومكانة فى دفتر التاريخ، الصدق والإخلاص والشفافية والوعى والورع والقوة صفات ميزت وتميز الرجل، بيد أنه حالة أكثر منه رئيس دولة.

أنا على يقين من أن الرئيس فى غنى تام وحقيقى وصادق عن المناصب بشكل عام، فالرجل الذى دفعته الظروف والتحديات إلى التصدى لأهل الشر منحازاً إلى إرادة الأمة واضعاً روحه على كفه فى مشهد لن ينساه التاريخ، هو نفس الرجل الذى دفعته صيحات وصرخات الجماهير إلى تلبية النداء -نداء الواجب- على غير رغبة منه ليتحمل المسئولية فى أصعب وأحلك وأعقد الفترات فى تاريخ مصر، هو نفس الرجل الذى توكل على الله وخاض أشرف وأنبل وأصدق المعارك.. معركة تطهير الأرض من جحافل وفلول أهل الشر بطول مصر وعرضها.. معركة بناء الدولة المصرية من بنيتها الأساسية وقواعدها المعمارية وصولاً إلى مرحلة بناء الإنسان المصرى وصوغ أحلامه من جديد. وبين المعركتين خاض الرجل -وما زال- سلسلة من المعارك ضد الإهمال والكسل والفساد وغياب الوعى والارتباك المجتمعى والتردى الثقافى والتشظى الأسرى وغيرها وغيرها، مما سيفرد له التاريخ صفحات وصفحات. لقد خاض الرئيس معاركه جميعها مؤمناً بما يفعل ومتسلحاً بالصدق والشفافية والصراحة والفهم والوعى والإخلاص، فكانت النتائج جميعها توفيقاً ونجاحاً وتفرداً أثار انتباه العالم. الرئيس يخوض ويقود مشروع الصعود المصرى فى كافة المجالات، ويشهد له القاصى والدانى.

أعود إلى سؤال بعض السائلين وتساؤلات بعض المتسائلين: لماذا نحتاج الرئيس؟ أقول: لأننا ببساطة نحتاج الرئيس، يكمل البناء ويتمم مرحلة الصعود وبناء الدولة حجراً وبشراً على قواعد الصدق والوعى والعمل الجاد، سيقولون: تداول السلطة.. أقول: عن أى سلطة تتحدثون؟ تحدثوا فقط عن المسئولية، يتحدثون عن السلطة ولم يتحدث أحدهم عن المسئولية! سيقولون: النخبة السياسية المصرية قادرة على تقديم البديل! أقول: أين هى تلك النخبة؟ ألا تخجلون؟ القضية ليست فى عدم وجود نخبة.. القضية فى وجود نكبة حقيقية وغياب حقيقى لملامح هذه النخبة المزعومة، مَن مِن هؤلاء لديه الوعى الكامل بمشاكل هذه الأمة، ومن يملك الأدوات التى يحل بها تلك المشاكل، ومن منهم قادر على أن يكون مجرداً صادقاً قوياً أميناً كما الرجل، أقول: إنها شهادة للتاريخ سنحاسب إذا كتمناها أو أخرناها أو التففنا حولها. الآن نحن بصدد تعديلات دستورية مقترحة ومعروضة للنقاش العام أو المجتمعى، حزمة متكاملة تمثل خطوة لإزالة التشوهات الدستورية والتشريعية وتضع الأمور فى نصابها الصحيح، البعض يردد بأنها تعديلات المقصود منها مد فترة الرئاسة، وأقول: وهل هناك غضاضة فى ذلك؟ وهل تمديد فترة الرئاسة أمر يغضب البعض؟ أقول بوضوح ودون مواراة:

إن وجود الرئيس السيسى فى المشهد يقلق ويزعج ويرهب أعداء هذا الوطن.

إنه يمثل لهم جلطة فى شريان مخططاتهم الدنيئة فى المنطقة وليس فى مصر وحدها.

أنا أعلم لماذا نحتاج الرئيس، فهل علمتم؟

القسم: 
المصدر: 

«جبر الخواطر»

كلمة مريحة للنفس، منعشة للروح، تشنف آذان من يسمعها بقلبه. هى من الكلمات التى يتلذذ بها ناطقها وسامعها، هى باقة منتقاة من حدائق الشغف الإنسانى الذى لا ينبت إلا فى أعلى مرتفعات النفس البشرية، فهناك تجد أريج الحب ينثر شذا عطره ليأخذ الألباب، وتجد منبت التسامح والتعاون والزهد والإيثار يملأ الأرجاء. عند وصولك إلى هذه البقعة وهذا المكان تشعر وكأن روحك هى التى تتكلم وتتحكم وتشير عليك بسلوكياتك، لم يعد هناك من تحكُّم أو احتكام للحس والجسد، قمة التجرد الإنسانى تتبدَّى فى «جبر الخواطر»، فإذا بحثنا عن مفرحات القلوب المجانية ستجدها هناك كامنة فى خواطر الخلق إذا كنت لها جابراً.

ما أسعد لحظات الإنسان الذى يُجبر قلباً منكسراً أو روحاً محطمة أو نفساً ذاقت طعم الذل، بيد أن الحديث عن جبر الخواطر يحرك النفس ويجعلها تعلو وتعلو حتى تحلق فى عنان السماء، ما أجمل لحظات الجبر بعد الكسر، وما أروعه من شعور يحرر النفس البشرية من عقالها. التاريخ مزدحم بقصص وحكايات عن أناس جبروا خواطر الناس، فصنعوا معاً نهراً للخير والحق والعدل والجمال ما زلنا ننهل منه كلما أظمأتنا دروب الحياة. القرآن علمنا وأرشدنا فى أكثر من موقع إلى جبر الخواطر، ألم تتدبر قوله تعالى «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى»، ألم تقرأ قوله تعالى «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا»؟!، وهناك الكثير والكثير من الآيات والمواقف والصور والدراما القرآنية التى جبر فيها الخالق العظيم خواطر عباده على اختلاف ألوانهم ومشاربهم. الله هو من خلقنا ويعلم مستقرنا ومستودعنا، يعلم خائنة الأعين وما تُخفى الصدور، هو جابر لكسرنا ومهتم بخواطرنا، وكان نبينا الهادى خير الجابرين حتى مع الجبارين، ضرب لنا المثل والقدوة، تحمّل إيذاء الآخرين وضحك فى وجوه أعدائه وابتسم لمن آذوه، كان يضمّد جراحاً بكلمة أو ابتسامة أو يربت على كتف أحدهم فتسرى فى جسده وثناياه كل معانى الخير.

وعلى درب الحياة مررت بتجارب ومواقف كاسرة للنفس ومحطمة للروح ولم تكن يدا ربى بعيدة عنى، شعرت بيديه ممدودتين ومبسوطتين وماسحتين على القلب والروح والنفس من خلال ظل الله فى الأرض.. هؤلاء الذين يُجبرون خواطر الناس بُغية رضا من خلقهم، استمدوا طاقتهم الإيجابية الوثابة من روح الله ومداد رحمته، وبدأوا ينثرونها فى فرح وسرور على بنى البشر، بيد أننى وجدت من يجبر خاطرى منذ أيام الطفولة والصبا، كانت أمى هى جابرة خاطرى بكلماتها الحانية ولمساتها الدافئة وخوفها على كل تفاصيلى، مررت بأناس كثيرين منهم من كسر بخاطرى طفلاً أو صبياً أو فتى أو شاباً أو حتى مع تقدم قطار العمر وأنا على مشارف الخمسين، وفى نفس اللحظات كنت أرى نور ربى يأتينى وفى معيته أناس آخرون يجبرون كسرى ويربتون على كتفى، وأقرأ من الكون رسالات سلام واطمئنان ومودة تُذهب الحزن وتبعث على الأمل والتفاؤل.

رب كلمة طيبة صادقة من القلب تخرج من فم معطر بالإنسانية المجردة ترمم روحاً كادت أن تتهدم، ربما هناك مشاعر وأحاسيس لا تنمو ولا تظهر إلا فى غيبة العقل والمنطق أو تعطيله مؤقتاً، لكن جبر الخواطر شعور وحيد ينمو ويترعرع فى ذروة العقل والمنطق وتوهج المشاعر والأحاسيس. مؤخراً رأينا رجلاً مصرياً بدرجة رئيس الدولة يرفع راية «جبر الخواطر»، فى بداية حكمه ذهب حاملاً باقة ورد إلى امرأة تعرضت للتحرش والإهانة، بعدها توالت لمساته مع امرأة مسنّة جاءته من أقصى البلاد تطلب أمراً، ثم مع فتاة تحمل على كاهلها ما لا يطيق الرجال، ثم مع امرأة تشبهت بالرجال لتعيش كالرجال. كانت لمساته مع الأيتام من أولاد الشهداء جبراً لخواطرهم، وكانت لقاءاته مع ذوى الإعاقة وجلوسه وسطهم وتفاعله معهم جبراً لخاطرهم.. فهل نقتدى بالرجل؟!

إنها دعوة لننشر فضيلة جبر الخواطر، فهى عادة وعبادة.

القسم: 
المصدر: 

بائع السميط

عندما كان يقوم ببيع السميط والبطيخ فى شوارع إسطنبول لم يكن يعلم أنه سيصبح أكبر تاجر فى تاريخ تركيا، ورغم أن حلمه أن يصبح لاعب كرة قدم مرموقاً فى الدورى التركى لكنه لم يكن يعلم أنه سيكون أكبر لاعب فى دورى الخداع الوقح، كانت أسلحته وأدواته الدائمة مزيجاً من الأكاذيب المريحة، التناقضات الممنهجة، استخدام الدين للسيطرة على مشاعر الجماهير، الكبرياء المزيف، الفُجر فى الخصومة، كراهية المنافسين، احتقار أصحاب الهمم، الغدر بالأصدقاء، البكاء المخطط وذرف الدموع للتوظيف السياسى، القرآن والسنة أدوات سياسية.. كل هذه الصفات والأوصاف احتكرها «أمير الأغوات» وحارس الأحلام العثمانية، بائع البطاطا فى حى إسطنبول، رجب طيب أردوغان، عنصريته وساديته قادته إلى قضاء عشرة أشهر فى السجن، كان دوماً ما يمارس ابتزازاً معنوياً وإنسانياً وطبقياً بكثرة ترديده أنه ابن رجل فقير ولد وتربى فى حى فقير لذلك فقد عمل بائعاً للسميط والبطيخ فى شوارع إسطنبول، كانت مفردات الدين وآيات القرآن وأحاديث النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، حاضرة فى كل خطب وكلمات وتعليقات «أردوغان» ليكسب قلوب أناس طيبين ليس لهم فى السياسة وألاعيبها نصيب، كان «أردوغان» يحاول أن يقدم نفسه للناس على أنه النقى التقى الورع الذى أوتى مجامع الحكمة، تسلل إلى قلب اثنين من القيادات الروحية؛ الأول أستاذه ومعلمه نجم الدين أربكان، الذى أسس حزب الفضيلة ثم السعادة، ونجح فى الانتخابات، قبل أن تتم الإطاحة به فى حركة عسكرية، الثانى هو أستاذه ومعلمه محمد فتح الله جولن، زعيم حركة الخدمة، الذى كان نافذاً فى كافة الأوساط داخل تركيا من خلال رسائله الروحانية وكتبه وخطبه ومدارسه وإنسانيته، لكنه انقلب على الأول وأسس حزب العدالة والتنمية بشريكين جديدين؛ عبدالله جول وأحمد داوود أوغلو، وانقلب على الثانى منذ بضع سنوات بعدما اكتشف فضيحة فساد بلال بن أردوغان، وبعد أن تربع على عرش الحكومة التركية، وفقاً للنظام البرلمانى، أطاح بهذا النظام واستبدله بنظام رئاسى يتيح له الحكم والتحكم فى مقاليد الأمور، انقلب على صديقيه «جول وأوغلو» وتلاسن معهما بشكل غير مسبوق ثم طردهما من الحزب، قام بتعديل الدستور ثلاث مرات فى أثناء وجوده فى الحكم رئيساً للحكومة ثم رئيساً للجمهورية، رسم وخطط لمسرحية الانقلاب المزعوم كى يتخلص ممن تبقى أمامه من منافسين محتملين، وبدأ يكشر عن أنيابه ويمارس حملة غير مسبوقة بالتنكيل بكل من يرى أنه ليس من أنصاره وعشيرته، قام بإغلاق أكثر من ٢٠٢ وسيلة إعلامية بين صحف وقنوات وإذاعات ووكالات أنباء ومواقع إلكترونية، قام بتسريح الآلاف من ضباط الجيش، قام بتوقيف عشرات الجنرالات والزج بهم فى السجون، قام بكسر شوكة الجيش التركى وتعرية جنوده فى شوارع تركيا كإشارة ورسالة إلى ميليشياته وجماعاته بالتأهب لملء الفراغ الذى سيحدثه كسر الروح المعنوية للجيش التركى، قام بفصل أكثر من ٦٠٠ ألف مواطن تركى من وظائفهم بتهمة انتمائهم لتنظيم إرهابى، ويقصد بالطبع حركة الخدمة وعلامتها فتح الله جولن، وقد نسى أنه تخرج فى نفس المدرسة الفكرية، وقام بتصفية كل المعارضين الذين جاءوا من أرضية جماهيرية؛ حيث تخلص من خمس شخصيات كانت كل شخصية منها جديرة بإدارة شئون البلاد، قام بإصدار أوامره بتصفية كل معارضيه فى الخارج مهما كان عددهم ومهما كانت أماكن وجودهم، قام بسجن أكثر من ٢٠٠ صحفى وإعلامى، قام بإصدار تعليمات مكتوبة ومسربة من قاعات الاجتماع بتصفية كل الأكراد المعارضين دون تردد، «أردوغان» الذى تحول من شخص مزعج إلى شخص موتور.. ظهر ذلك فى تناقضاته الفاضحة بين بكائه على القدس وارتمائه فى أحضان إسرائيل، وظهر كذلك فى سوريا والعراق وعلاقاته بالخليج، لكن تطاوله الأخير على مصر أكد ما هو مؤكد من جنون وفقدان عقل وكراهية بغيضة، طفت على سطح قلبه الأسود بعدما حققناه من نجاحات أدت فى النهاية إلى انتقال أوروبا بالكامل إلى مصر للاستماع إلى نصائح مصر بعيداً عن الابتزاز التركى المسموم.

القسم: 
المصدر: 

الكُفر المتوضّئ

لم تكن روايات الأقدمين وحكايات الأولين عن النفاق والمنافقين، والذين يُظهرون خلاف ما يُبطنون ضرباً من التسلية، بل إنها كانت للدرس والعظة والعلم والتعلم، فما ورد فى الكتب المقدسة وتفاسيرها المتعددة عن هؤلاء المنافقين الذين كانوا من صناديد الكفر وأصنامه يمارسون شعائر الكفر والعدوان، ويتحدثون بأحاديث الإيمان والتقوى والورع، لم يكن عبدالله بن أُبى بن سلول، وعبدالرحمن بن ملجم، وأبولؤلؤة المجوسى، ومن قبلهم تلميذ المسيح يهوذا فى ظاهرهم سوى مؤمنين شديدى الإيمان والتقوى والورع، هكذا رآهم الناس، وهكذا آمن بهم الناس، لكن قلوبهم كانت مشتعلة بنيران الحقد والغل والكراهية، كان هؤلاء يظهرون أتقياء أنقياء أصحاب سريرة سوية وسماحة إنسانية، لكن أعمالهم على الأرض وما ارتكبته أياديهم كانت كفيلة بتدمير كل الثوابت التى عاشوا عليها يقدمون للناس أنفسهم. ما أردت قوله بوضوح أننى لن أختبئ وراء حكايات من أزمنة ابن سلول، وابن ملجم، والوليد بن عقبة، وأبى جهل، وأبى لهب، أو حتى يهوذا، يجب ألا أفعل هذا الاختباء، فهو ليس من شيم المبادرين.

الآن نحن نعيش زمن تفوّق فيه أئمة الضلال والكفر والعصيان على سابقيهم وسابقى سابقيهم فى التورية والإنكار والتلوّن وإظهار ما يخالف حقيقتهم، المدهش أنهم جميعاً يتحدثون بآيات الله وأحاديث رسوله، يلوون عنق الحقائق، ويؤوّلون الكَلِم ويحرفونه عن مواضعه، إنهم متوضّئون ويمارسون، وهم على وضوئهم، أشد الموبقات وأحقرها، إنهم يفعلون ما فعل الأولون من المنافقين، إننى أكاد أجزم يقيناً بأن أحفاد البنا هم أحفاد ابن ملجم وابن سلول، أحفاد البنا فئة مارقة ضالة مضلّة، إنهم لا يعرفون الله، إنهم لا يعرفون الحق ولا يمارسون الحب.

إنهم كارهون ماكرون قاتلون، لكنهم متوضئون، وهنا أصل الحكاية.. نكره ونقتل ونحرّض باسم الله، الله أكبر، يختلط الحابل بالنابل وتصير الأمور فى حيص بيص. أئمة الكفر والضلال نثروا أفكارهم وصارت وسائل التواصل الحديثة أهم أدواتهم، فليس شرطاً لكى ينضم إليهم أحد هؤلاء أن يكون معهم تنظيمياً، يكفى فقط أن يؤمن بأفكارهم الخادعة ويتحول إلى خلية أحادية متحركة بشكل منفرد، إنهم أصبحوا «ذئاباً منفردة»، يتحرك وينفذ منفرداً، لكن الغريب هنا هو ما يحمله هؤلاء من كراهية.. كراهية المجتمع وكل مكوناته دون تمييز، هؤلاء ليست لهم معركة مع أحد بعينه، لا تصدق أنهم أصحاب قضية حتى لو بدا لك من غيهم الفكرى عكس ذلك، هؤلاء الخوارج أو البغاة يربّون أبناءهم على الكراهية، بيد أننى لا أبالغ إذا قلت إنهم عندما يقومون بإجراء عمليات ختان لأبنائهم يقومون فى الوقت نفسه بإزالة الغدة التى تفرز الحب، إنهم يرضعون كراهية ويقضون طفولتهم بين قصص وحواديت القتل والدماء والتنكيل والانتقام، الحب الذى قتلوه فى مهدهم ضاعف من مساحات الكراهية والغل، هذا الذى فجّر نفسه ورجال الشرطة وبعض البسطاء، لم يعرف الحب طريقاً إلى قلبه، فهو كارهٌ للناس وكارهٌ للدولة وكارهٌ لنفسه! قتل نفسه لأنه لا يقوى على حبها، فهو يراها لا تستحق الحياة، وقتل الدولة ممثلة فى بعض رجالات شرطتها لأنه كاره للنظام، أى نظام، وقتل أناساً أبرياء ليس لهم فى الأمر شىء، لأنه يرى أن الجميع يجب أن يختفى، أرانى أضع يدى على بؤرة المشكلة، وهى أن غياب الحب عن قلوب هؤلاء دفعهم لكراهية حتى أنفسهم، لقد وردت كلمات الحب بمشتقاتها فى القرآن ما يصل إلى ٧٦ مرة تقريباً، ولم يكن هناك صدى لهذه الكلمة فى قلوب هؤلاء، فهل نفتح باب البحث والدراسة حول مواجهة الإرهاب فى مهده بإحياء الحب وبعثه من جديد؟

القسم: 
المصدر: 

المعارضة المزيفة

هل حقاً لدينا معارضة مصرية وطنية تقف على الطرف الآخر من النهر تحمل أفكاراً مغايرة وتملك كوادر قادرة على إدارة ما يريدون وما يحلمون؟ هل ظهر نفر من هؤلاء الأشخاص الذين تخلصوا من الهوى وعبادة الذات وتحصنوا بالتجرد والتعقل وآمنوا بالتنوع والاختلاف؟ هل ما نراه اليوم ورأيناه بالأمس من هؤلاء الذين يختبئون وراء عبارات فضفاضة حول الحق والخير والجمال ولا يقصدون من ورائها إلا دغدغة مشاعر الجماهير كذباً وزوراً وبهتاناً فهل يمكن أن نطلق على هؤلاء معارضين؟ ويلح علىّ تساؤل آخر: هل المعارض يولد معارضاً أم أنه يكتسب هذه الصفة مع أول طلب ترفضه له السلطة؟ وبالمرة أسأل علماء الأحياء ودون سخرية: هل المعارض يلد أم يبيض؟ وفى نفس السياق أسأل النحاة واللغويين هل المعارضة «نعت» أم «حال»، فاعل أم نائب، مفعول به أم معه أم لأجله أم مطلق؟، أهو خبر أم مبتدأ؟ بيد أننى أعرف بكل ثقة وموضوعية وتجرد أن مصر لا يوجد بها من بين أبنائها معارضون من الأساس فما بالنا إذا تحدثنا عن الشرف والنبل الإنسانى والتجرد الأخلاقى والوعى السياسى؟ إننى تقابلت مع غالبية هؤلاء المعارضين وتيقنت أنهم مزيفون ما فى ذلك تجنٍ أو مبالغة، لكن سؤال آخر يلح علىّ: لماذا يصل هؤلاء دائماً إلى نقطة اللاعودة مع الدولة؟

الحقيقة التى لا يمكن أن ينكرها أحدهم أن الدولة ترفض كل محاولات الابتزاز ولا تقبل بأى ضغوط مهما كانت النتائج والتداعيات، فهيبة الدولة أمر غير قابل للمساس، فعندما يكون صاحبنا طامعاً فى منصب بعينه وترفضه الدولة نجده وقد انتقل إلى الطرف الآخر من النهر فى مشهد متكرر مع كثيرين، سأترك للقارئ استعراض كل الأسماء اسماً اسماً والتى تطرح نفسها على أنها معارضة تلتحف الحق وتفترش الحقيقة، سيرى قطعاً العجب العجاب، ويمكن تصنيف هؤلاء إلى نماذج:

الأول: نهاية طرفية لجهة أو جماعة أو جهاز استخباراتى.

الثانى: يعمل بالقطعة بحثاً عن تمويل تحت مظلة منظمات المجتمع المدنى.

الثالث: كان طامعاً فى منصب لم يأتِه لسبب أو لآخر.

الرابع: يحمل فى قلبه مرض كراهية النجاح للآخرين، فكلما وجد نجاحاً ازداد نباحاً.

الخامس: مشتاق للسلطة وبه لوعة لا تداويها إلا كلمات جوفاء خالية من كل المضامين.

السادس: موضة وبرستيج وشكل من أشكال الوجاهة بين أصحابه ومريديه، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعى بحثاً عن لايك وشير.

السابع: عقد نفسية موروثة أو مكتسبة تدفع صاحبها إلى الوقوف فى مربع الرفض الدائم لأى شىء وكل شىء.

الثامن: الإنسان عدو ما يجهل، فهؤلاء لا يعرفون ولا يقرأون فيعارضون لجهلهم.

تلك النماذج الثمانية موجودة بيننا ونعرفها شخصاً شخصاً لكننا نضعهم جميعهم فى سلة واحدة غالباً هى سلة المهملات، لكن هذا خطأ فلكل نموذج سلة مهملات خاصة به تلائمه وتتناسب مع مكوناته.

لكن السؤال الجاد الذى أطرحه على نفسى.. هل المعارضة رجس من عمل الشيطان وكلها حرام قولاً واحداً؟

بالطبع لا يمكن أن يجتمع الناس على رأى أو مبدأ أو شخص أو نموذج واحد، فالتنوع سمة مرتبطة ببنى البشر والاختلاف بين الناس فضيلة فكرية وعقلية وإنسانية.

لذلك أفكر جلياً وملياً فأجد نفسى أميل إلى ضرورة البحث عن حاملى الأفكار والرؤى المغايرة التى تمثل إضافة حقيقية

وثراء حقيقياً للعمل العام.

لكن أين يوجد هؤلاء؟ وكيف نصل إليهم؟ وما الآلية التى يمكن أن تكون إطاراً ينظم انخراط هؤلاء ومشاركتهم الفعالة فى كل ما هو قائم؟

بيد أن الملف يحتاج إلى دراسة واهتمام لكن بهدوء ودون ضجيج.

القسم: 
المصدر: