بالصور .. كيف غيرت الكنيسة المصرية في نيروبي حياة «عاملات بالجنس»؟

مصراوي - تقرير: مارينا ميلاد - نيروبي - كينيا

في ساعة متأخرة من الليل، يذهب راعي الكنيسة بسيارته إلى إحدى عاملات الجنس، المنتشرات بكثافة في العاصمة الكينية نيروبي، كانت منتظرة كعادتها اليومية على الطريق أو كما يقولون عليه باللغة السواحيلية "البرابرا"، يطلب منها أن تأتي لقضاء ليلة معه، وبمجرد أن تستقل السيارة؛ يفاجئها بأنه ليس زبونا.

يكشف "الأب اليشع" للفتاة التي يختارها عشوائيا أنه راعي كنيسة سانت مارك (مارمرقس بالعربية)، وهى الكنيسة المصرية هناك، وأنه اخترع هذه الحيلة ليستطيع التحدث معها، ويبعدها عن هذا الطريق. أحيانا تستجيب الفتاة وأحيانا لا.

لكن أغلب الفتيات استجبن بالفعل، ونجحت خطة الأب اليشع، التي بدأها بنيروبي منذ ٦ سنوات، في إقناع ١٥٠ فتاة بترك لهذا العمل.

يدرك الأب اليشع تماما أن الفقر هو السبب الرئيسي في بيع الفتيات لأجسادهن، لذلك لم يكتف بوعظهن وإرشادهن دينيا وروحيا فقط، إنما يعرض عليهن العمل داخل الكنيسة والمساعدة بالأموال اللازمة لاستئجار بيت جديد إذا لزم الأمر.

أول خطوة تفعلها الفتاة التي قررت أن تأتي إلى الكنيسة وتعتزل هذا العمل، هو تسليم ملابسها التي كانت ترتديها ومعها الأوقية الذكرية، لتقوم الكنيسة بحرقها. هذا ما فعلته ميرزي (٣٠ سنة) منذ ٤ سنوات.

رئيسية

ميرزي أم لأربع أطفال، أكبرهم ١٣ سنة، كان يعرف أن أمه تنتظر طلب أي رجل في التليفون لتخرج وتقضي ليلة معه مقابل ٦٠٠٠ شلن (العملة الكينية)، أي ٦٠ دولارا.

في يوم قال لها إنه ليس راضيا عن هذا العمل، وعن مظهرها الذي تأتي به كل يوم. لم تستطع الرد عليه، كانت هي الأخرى غاضبة من نفسها، لكن لا تجد حلا آخر للإنفاق على أولادها وتعليمهم، خاصة وأنها المسؤولة عنهم بمفردها، فقد أنجبتهم من صديق وليس زوجا، فهي بالمصطلح الدارج "single mother“.

"لم أكن أشعر بجسدي أثناء العلاقات بسبب الكحول والمخدرات التي أتناولها قبل العلاقة، كما أنني لم أهتم بأي رجل، كلهم تشابهوا عندي".. تقول ميرزي.

ميرزي استطاعت أن تجلب فتيات مثلها إلى الكنيسة، لأنهن كما يقول الأب اليشع "مجتمع واحد قريب، كل منهن لها مكانها في الشارع، وإذا غابت إحداهن يسألن عليها، وعندما علمن أن واحدة غيرت حياتها، تشجعن". كان من بينهن إيماليدا (٣٤ سنة)، التي جاءت إلى الكنيسة قبل أسبوع واحد.

"لم أكن راغبة في هذا العمل، لكن كلما ذهبت إلى عمل غيره كان صاحبه يرفض إعطائي أموالا دون أن يقيم علاقة جنسية معي".. تقول إيماليدا، التي لم تستطع رغم هذا العمل المربح نسبيا من إدخال ابنتها الصغرى المدرسة بسبب ارتفاع مصاريفها، واكتفت بتعليم ولدها فقط.

أنجبت إيماليدا أولادها بدون زواج مثل ميرزي وكثيرات غيرها، لكن على عكس الابن الأكبر لميرزي، لم يكن أبناء إيمليدا يعلمون شيئا عن عملها، كذبت عليهم مدعيه إنها تعمل في فندق، لتجد مبررا لعودتها في وقت متأخر تخدعهما به خاصة ابنها الذي بلغ عمره ١٧ سنة.

تعاملت إيماليدا مع عملها السابق الذي قضت فيه ١٠ سنوات، على أنه "شيء اضطراري لا مفر منه لمن في مثل حالتها"، ما تسبب في بكائها كل يوم - كما تقول: "لم أشعر بالمتعة أبدا في أي علاقة.. الأمر كان لا يتعدى البيزنس".

الآن تعمل إيمليدا في غسيل السيارات بساحة الكنيسة والمستشفى القبطي الموجودة في نفس المكان، كغيرها من فتيات "البرابرا" اللاتي وزع معظمهن على أعمال النظافة والمساعدة.

هذا المكان قبل عام 1963 (تاريخ استقلال كينيا من الاحتلال الانجليزي)، كان بيتا للسفير الإنجليزي الذي أقام فيه – كما يقال - ملهى ليلي (Night club)، حوله الأنبا انطونيوس مرقس إلى كنيسة في أواخر السبعينات، وبحكم أنه كان طبيبا، سعى لإنشاء عيادة، تطورت مع الوقت، لتصبح مستشفى كبرى، تقدم خدمات مجانية لغير القادرين.

يسكن هذا المجمع الذي يضم المستشفى والكنيسة ٣٠ عائلة قبطية، من بينهم السيدة شيرين، التي جاءت إلى هنا قبل ١٤ عاما، وتعمل محاسبة في المستشفى، تحكي عن الفتيات بحكم تعاملها الدائم معهن "لطيفات للغاية وحياتهن تغيرت بالفعل، وأغلبهن يعملن في النظافة؛ لأنهن لا يمتلكن مؤهلات تعليمية".

أثناء حديثها معي، دخلت إحدى الفتيات للغرفة، تحمل لفافة ملابسها التي جاءت لتسلمها للكاهن، الذي أعطاها أموالا، وسألها عن الأوقية الذكرية التي معها، فقالت إنها نسيتها، فطلب منها أن تجلبها المرة القادمة لحرقها. وحددا موعدا لتأتي وتبدأ عملها، وطلب من ميرزي مساعدتها. ففهمت إنها إحدى المنضمات الجدد.

عادت ميرزي بعد أن خرجت لتتحدث مع تلك الفتاة، واستكملت حديثها الذي لم تبدو حرجة فيه من أي شيء مضى:

"ابني وأهلي أصبحوا سعداء بي، كما أنني غيرت مكان اقامتي لتكون بداية جديدة في كل شيء، والآن أحاول جلب مزيد من الفتيات ومساعدتهن على العلاج إن كن مصابات بالإيدز".
قبل مغادرة المكان، وجدت إيمليدا تقرأ الكتاب المقدس في ساحة الكنيسة بجانب فتيات يجمعهن قاسم مشترك، وهو الفقر الذي دفعهن ليكن من هذه الفئة، إحداهن جاءت قبل سنة، وأخرى قبل شهر، وأخرى اليوم وكانت "حامل"، سألت إيمليدا: هل يمكن ألا تصمد كثيرا كبعض الفتيات اللاتي لم يكملن هذا الطريق كما عرفت من الأب اليشع؟، ردت سريعا:

"لا يمكن أتراجع عن قراري فأنا أشعر الآن بتحسن شديد، وأن حياتي تغيرت تماما، وأريد حماية حياة أولادي ولا أجعلهم يخجلون مني".

تعليقات القراء