العادات والأفكار التى جعلوها أصنامًا تُعبد!

 المقال - إيمان عمار

لماذا يسعى البعض إلى أن يجعل من عادات القدماء قاعدة يجب السير عليها؟


يزخر كل مكان بعادات يحرص أهله على أن يقوموا بها منذ زمن قديم، وتناقلت الأجيال من بعدهم هذه العادات جيلًا بعد جيل، حتى صارت كالأعلام التى تعطى هذه الأمكنة أسماءها وألوانها، وصار أهل هذه الأمكنة مهووسين بها أكثر من حرصهم على أن يحتفظوا بها كتراث من الأجداد للآباء ثم لهم.أصبحنا نرى قرى يجرى فيها الجهل مجرى الدم فى جسم الإنسان، ويشاع فيها ارتكابات عدة تجعل الإنسانية تنظر إليها متقززة ومتبرئة، فقط لأنهم لم يأخذوها كتركة يتذكرون بها الأجداد والآباء، ويتحاكون فى ما بينهم ولأولادهم عنها، يتضاحكون عليها تارة لما كانوا يصنعونه من أفعال ساذجة يدارون بها نقص إمكاناتهم، ويعايشون بها مصاعب يومهم.


ويتفاخرون بها تارة أخرى، لأن أجدادهم ادخروا لهم تراثًا وماضيًا، وأوجدوا أنفسهم من خلالها بين الأماكن الأخرى، بل أخذوها على عاتقهم كسلاح يرفعونه فى وجه أى أحد يحاول أن يخترق هذه العادات أو بعضها ويرفعونه فى وجه بعضهم البعض أيضًا عندما يتطلب الأمر.


لم يدركوا أن هذه العادات صنعت فقط حتى تعطى لونًا مميزًا لأماكنهم ولهم، وحتى يدفع بها الأجداد زمانهم، متخذينها وقودًا لهم، وأن الأزمان تتغير ويعلو ما بعدها ما قبلها وتتغير عادات هذه الأزمان بتغيُّر عقول أهلها.


نعم، العقول هى التى تصنع العادات وهى التى تكسرها، هى التى تنتج أفكارًا تقرر من خلالها أن تحتفظ بما يجب الاحتفاظ به، وتنتج أفكارًا أخرى تقرر بها أن تتخلَّى عما يجب التخلى عنه، حتى يأخذ الزمن طابعه المعاصر.


كم من مرة رأينا دماء تزهق، وأوصالًا تقطع فى بقاع مختلفة من الأرض، لأن أهل هذه الأمكنة لم يعايشوا أزمانهم، وتشبثوا بأفكار كما الأصنام لم تعد تجدى نفعًا لهم؟!


وكم من مرة رأينا أقوامًا تُرفع وأمجادًا تُبنى، لأن أهلها عايشوا أزمانهم بعقولهم وليس بمخلفات السابقين عنهم؟!


ما زلنا نسمع فى أماكن قريبة منا وبعيدة عنا أناسًا تدور تحركاتهم فى فلك ما اتخذه السابقون لهم وسيلة بدائية يصنعون بها أيامهم.. لم يسألوا أنفسهم يومًا إن كانت هذه الوسائل التى ما زالوا يعيشون فى رحاب نتائجها تحقق لهم ما يقفون به أمام نواصى العالم الأخرى غير مطأطئى الرأس أم لا! ولم يحاولوا أن يختبروا إنسانيتهم وحقوقهم تحت رايتها ويرون إن كانت ستنصفهم أم لا!


إن العادات ما هى إلا روائح صنعها الأجداد من عبق المكان الذى يحيون عليه، حتى يصنعوا لأنفسهم راية بين الأماكن الأخرى تميزهم بها، إنهم لم يجعلوها قيودًا لهم عن فعل ما هو صالح لهم حتى يبقوا عليها خالدة، بل كانت كما قُلت سابقًا وقودًا يخطون به فوق صعاب أيامهم.


ليس معنى كلامى هذا أننا يجب أن نفتح نافذة أيامنا ونشاهدها وهى تصطدم بالأرض قطعًا قطعًا. لا، ليس هذا ما أقصده، لأننا لو فعلنا ذلك فسنلقى معها قطعة منا قديمة، عفَّى عليها الزمن ربما، لكنها وجدت فينا ذات يوم، وما زالت تعطينا طابعًا مميزًا، لكننا من جهة أخرى لو همَّشنا أمام كينونتها عقولنا سنكون كمن يعبدون أصنامًا لا تجديهم نفعًا. أظن أن العقول دائمًا هى التى عليها أن تحكم الأمر.. فهل سترضى لنا أن نحملها على عاتقنا كسلاح نرفعه فى وجه بعضنا البعض؟!

تعليقات القراء