إيران أذكى بكثير من ترامب.. ما الذكاء الاستراتيجى فى تصرفات إيران؟

المقال - ماكس بووت

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

لماذا سياسة ترامب تجاه إيران ليست متزنة وليست عاقلة؟
   صحا العالم على تهديد رهيب من الرئيس دونالد ترامب لرئيس إيران حسن روحانى: «لا تهدد الولايات المتحدة مجددا أبدا وإلا ستعانى من عواقب عانت قلة عبر التاريخ من مثيلتها من قبل. لم نعد بلدا سيقبل بكلماتك المخبولة عن العنف والموت. احذر!».وأثير هذا النقد اللاذع نتيجة خطاب حيث قال روحانى: «ينبغى أن تعلم الولايات المتحدة أن السلام مع إيران أم كل السلام وأن الحرب مع إيران أم كل الحروب». وبدا رد فعل ترامب غير متكافئ وفاحت منه، كما أشرت «فى مقال ٢٣ يوليو»، رائحة محاولة يائسة لصرف الانتباه عن خنوعه لروسيا. فى حديثى على قناة «سى. إن. إن»، قلت: «إذا كان أحد يصرح بـ(كلمات مخبولة عن العنف والموت)، أرى أنه رئيس الولايات المتحدة. ويا له من مأزق عندما نجد أن قيادة دولة مثل إيران تبدو أعقل وأكثر اتزانا من رئيس الولايات المتحدة».


وتلك إشارة بدء عمل ماكينة الغضب اليمينية. فغرد هيرمان كاين «هل تتذكرونه؟»: (إذن «سى. إن. إن» تعتقد أن من يهتفون بـ«الموت لأمريكا» ويعدمون الشواذ ويتهمون ضحايا الاغتصاب بالسلوك الجنسى غير الشرعى ويمولون الإرهابيين ويحبسون الصحفيين ويتصدرون العالم فى إعدام الأطفال ويحظرون الإعلام غير الإسلامى يبدون «أعقل» من ترامب). وأعلن الموقع اليمينى «تويتشى» بعلو الصوت فى مانشيت: «شىء مريض! ماكس بووت ينحط إلى مستوى ملتوٍ ليصفع ترامب فى شأن إيران وروسيا». ووجد موقع «نيوز باسترز» أن تعليقاتى «مُقلقلة بشكل خاص»، مضيفا: «أن تجد محطة تليفزيون أمريكية أن إيران فى موقف أسمى أخلاقيًّا أمر محير على أقل تقدير».


وأنا على يقين أن مؤيدى ترامب هؤلاء قد غضبوا بالتساوى عندما وصف الرئيس الديكتاتور الروسى فلاديمير بوتين، المتخصص فى القمع والعدوان، بالشخص «الجيد». أو عندما وصف ديكتاتور كوريا الشمالية كيم جون أون، الذى يحبس ٢٠٠ ألف شخص فى معسكرات اعتقال، بالرجل «الموهوب جدا» و«الذكى جدا» و«الذى يحب بلده كثيرا». أو عندما هنأ رئيس الفلبين رودريجو دوتيرتى على «العمل غير المعقول» الذى يقوم به «فى مشكلة المخدرات» بإطلاق العنان لفرق قتل قتلت آلاف الفلبينيين.


لم يغضبوا؟ يا له من نفاق!

ويبدو أن القاعدة فى اليمين هى: يستطيع ترامب مدح الديكتاتوريين بإفراط كما يرغب، وسيعتبر ذلك صناعة ذكية للصفقات. ولكنه «شىء مريض!» أن يقول أحد شيئا إيجابيا عن الأنظمة القليلة التى ينتقدها ترامب بشكل انتهازى على أساس حقوقى، ونظرا لخروج كوريا الشمالية من القائمة لم يتبق سوى إيران وفنزويلا وكوبا.


ولنكن واضحين، لم أمدح إيران كنموذج أخلاقى مثالى. إيران تحكمها زمرة إجرامية تقمع شعبها وتصدر الإرهاب وتزعزع استقرار جيرانها وتسجن الأمريكيين وتقتلهم وتهدد إسرائيل. ومع ذلك وللأسف، يبدو حكام إيران البُغَضاء «أعقل وأكثر اتزانا» من شخص غريب الأطوار يرغب فى أن يكون مستبدا يشن حروب تجارة مدمرة «مع إعانات للضحايا» ويقوض الناتو «أنجح تحالف فى التاريخ» ويهين حلفاءنا.


لقد نجحت إيران بشكل كبير فى نشر تأثيرها المؤذى عبر الشرق الأوسط. وتسيطر على «الهلال الشيعى» الذى يمتد من طهران إلى بيروت. ولتنعش اقتصادها، وافقت إيران على تفكيك برنامجها النووى فى مقابل رفع العقوبات الدولية. وبعد تولى ترامب الأكثر ولعا بالقتال المنصب، كانت إيران بالفطنة والذكاء الكافى لتحد من تحركها بسفن البحرية الأمريكية فى الخليج الفارسى حتى لا تعطيه حجة لمهاجمتها أو تمزيق الاتفاق النووى.


فى المقابل، سياسة ترامب تجاه إيران ليست متزنة وكذلك ليست عاقلة. فقد انسحب من الاتفاق النووى، الذى كان قد أجبر إيران على التخلى عن ٩٧٪ من موادها الانشطارية، على الرغم من اعتراف وزير الخارجية مايك بومبيو بأن طهران «ملتزمة». وأعاد ترامب العقوبات، التى تضر الاقتصاد الإيرانى وترفع سعر البترول، ولكن إيران تنجح فى جذب المستثمرين الصينيين والروسيين لتعوض مغادرة الأوروبيين والأمريكيين.


ويبدو أن قلب ترامب قد استقر على تغيير النظام حتى وإن لم يكن من الواضح ما إذا كان خليفته ألطف مع الولايات المتحدة. ويبدو أنه غير مدرك أنه باستثناء جنوب إفريقيا هناك سوابق محدودة على نجاح العقوبات فى الإطاحة بنظام، فقد صمدت كل من كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا أمام عقود من الانعزال الأمريكى.


وفى الوقت نفسه، تكذيبا لزعم ترامب العجائبى بأن «إيران تتصرف باختلاف كبير»، لا تزال طهران تدعم وكلاء مسيطرين فى العراق واليمن ولبنان وسوريا. ويخترق بشار الأسد المدعوم من إيران «مناطق التهدئة» التى اتفق عليها ترامب وبوتين العام الماضى بينما يسمح للإيرانيين بتأسيس قواعد عسكرية لتهديد إسرائيل. وبعيدا عن الحد من الانقضاض الإيرانى فى سوريا، يبدو ترامب متحمسا لسحب القوات الأمريكية وعقد صفقة مع بوتين لكبح جماح إيران، الأمر الذى لا تهتم به موسكو كما أنها لا تملك القدرة على تنفيذه. ويبدو ترامب غير مدرك لأن انحيازه لروسيا يتعارض مع انحيازه ضد إيران لأن النظامين شريكان فى الجريمة.


باختصار، يبدو أن سياسة الرئيس تجاه إيران مكونة من تغريدات مشاكسة وتمنٍّ. وبالتأكيد، إيران ليست أسمى أخلاقيًّا من الولايات المتحدة، ولكنها أذكى استراتيجيًّا.  ...ماكس بووت
مؤلف ومستشار ومحرر ومحاضر ومؤرخ عسكرى أمريكى الجنسية روسى المولد. زميل دراسات الأمن القومى فى مجلس العلاقات الخارجية. عمل فى التسعينيات ككاتب ومحرر فى «كريستيان ساينس مونيتور»، ثم فى «وول ستريت جورنال».

تعليقات القراء