صنعت الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح .. حينما أكل المصريون الكلاب والقطط وأنفسهم فى عصر الخلافة!

المقال - عبد السميع جميل

كيف عاشت مصر ظروفًا اقتصادية طاحنة أدت إلى انهيار مجتمعها والدولة فيها؟

من عام 1065م وحتى عام 1071م شهدت مصر أحداث «الشدة المستنصرية» التى استمرت 7 سنوات، وهى فترة شديدة القسوة والرعب مرت بها مصر فى خلافة «المستنصر بالله» الخليفة الفاطمى الخامس الذى امتدت فترة حكمه لـ60 عاما من الخلافة الفاطمية، وهو صاحب ثانى أطول فترة حكم فى تاريخ مصر بعد «رمسيس الثالث»، فقد تولى الخلافة والحكم وهو طفل فى السابعة من عمره عام 1035م، واستمر حتى عام 1094م، وكانت الفترة الأولى من حكمه وخلافته تتميز بالرخاء والازدهار، حيث كانت الدولة الفاطمية نفسها تعيش حالة من الازدهار هى الأكبر فى تاريخها.

واللافت للانتباه فى عهد «المستنصر» أن القاهرة أصبحت أهم مراكز القوى فى العالم العربى والإسلامى، فقد تفوقت على بغداد عاصمة الخلافة ذاتها.

بدأت «الشدة المستنصرية» فى أواخر حكم «المستنصر» عام 1065م بسبب الفساد وسوء إدارة الوزراء، وضعف الخليفة، وفقدانه السيطرة على من حوله من الوزراء، وتحكم أمه فى الخلافة، واستيلاء الأمراء واستقلالهم بكثير من الأقاليم والبلدان، وزادت المشكلة وتفاقمت أكثر بسبب غياب مياه النيل وانخفاض منسوبه لسبع سنوات متتالية، مما أدى إلى تصحر الأرض، وهلاك الحرث والنسل، وانتشار الفوضى والغلاء والوباء والخوف فى جميع الأرجاء، حتى ساد الجوع، وبدأ النهب والخطف، وأصبحت كل السبل غير مأمونة.

وقد أدت تلك الشدة بالخليفة المستنصر نفسه إلى فقدان كل أملاكه، فقد سكن الجامع ولم يبق له إلا حصيرة يجلس وينام عليها، وباع ما على قبور أجداده من رخام حتى يسد جوعه ويشبع احتياجه!

وفى ذلك يقول «المقريزى» فى كتابه «إغاثة الأمة بكشف الغمة»: «احتاج المستنصر حتى باع حلية قبور آبائه»! ويقول أيضا: «ثم وصل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما فى قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره… وصار يجلس على حصير وتعطلت دواوينه وذهب وقاره… وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن وتصحن: الجوع.. الجوع.

ومنهن من ماتت جوعا أثناء ذلك». فقد كان الغلاء فاحشا إلى درجة أن بيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط من الأراضى الزراعية!

ولم تعد المجوهرات الثمينة لها قيمة أو قدرة على شراء أبسط أنواع الطعام، فقد ذكر «ابن الجوزى» أن امرأة خرجت ومعها مجوهرات من اللؤلؤ، فقالت: «من يأخذ منى هذا الجوهر ويعطينى عوضه قمحا؟! فلم تجد من يأخذه منها، فقالت: إذا لم تنفعنى وقت الضائقة فلا حاجة لى بك. وألقته على الأرض وانصرفت. فالعجب أن ظل اللؤلؤ مرميا على الأرض ولم يوجد من يلتقطه».

ولقد حكى المقريزى وابن إلياس وابن الجوزى وابن تغرى بردى وغيرهم قصصا عن تلك المجاعة الرهيبة لا يمكن تصوّرها وتخيّلها فضلا عن احتمالها وتصديقها، فذكروا لجوء الناس إلى أكل الكلاب والقطط حتى قلت الكلاب!

وأُكِلَت الدواب بأسرها، فلم يبق للمستنصر نفسه سوى ثلاثة أفراس بعد أن كانت عشرة آلاف ما بين فرس وجمل ودابّة، وذكروا أن بغلة الوزير قد سُرقت وأُكلت!

وألقى الوزير القبض على ثلاثة ممن أكلوا بغلته وقام بصلبهم، وعند الصبيحة لم يتبق من أجسادهم سوى العظام! حيث التهم الناس لحومهم من شدة الجوع!

وذكروا أيضا أن بعض الطباخين ذبحوا عدّة من الصبيان والنساء وأكلوا لحومهم وباعوها بعد أن طبخوها! ويقول ابن إلياس: «الناس أكلت الميتة وأخذوا فى أكل الأحياء وصنعت الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح وتراجع سكان مصر لأقل معدل فى تاريخها».

ويقول المقريزى أيضا فى ذلك: «فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد، ألقوها عليه، ونشلوه فى أسرع وقت، وشرحوا لحمه وأكلوه»!

ولقد أدى ذلك كله إلى انتشار الوباء وكثرة الموت كما يقول المقريزى: «وفشا مع ذلك الموت فى الناس، فكان يموت الواحد من أهل البيت فى القاهرة أو مصر فلا يمضى ذلك اليوم أو تلك الليلة حتى يموت سائر من فى ذلك البيت‏! وعجز الناس عن مواراة الأموات، فكفنوهم فى الأنخاخ… وتضاعف العجز، فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم على بعض حتى تمتلئ الحفيرة بالرمم من الرجال والنساء والصغار والكبار ثم يهال عليها التراب‏».

هى إذن أحداث مروعة، وهناك قراءات أسطورية وطائفية ومذهبية ونفعية كثيرة ومتضاربة لها، وكل قراءة منها تؤثر ولا شك فى طريقة فهمنا لواقعنا ومستقبلنا، ولذلك إعادة قراءة تلك الأحداث بشكل عقلانى لفهم أسبابها ودوافعها الحقيقية أمر بالغ الأهمية وليس ترفا أو فراغا فكريا؛ فهناك من الشيعة من يصور تلك الأحداث باعتبارها غضبا من الطبيعة ونتيجة جفاف مياه النيل فقط حتى يبرئون المستنصر من المسؤولية السياسية عنها، وهناك من أهل السنة من يصور تلك الأحداث باعتبارها غضبا من الله على الدولة الفاطمية الشيعية المنحرفة، وهناك من يتعامل معها باعتبارها دليلا حيا على فشل فكرة الخلافة فى عصمة المجتمعات من الهبوط والانهيار، وهو منطق شديد الأهمية فى مواجهة التيارات السياسية المتاجرة بالدين التى تخدع الناس وتحاول إقناعهم بأن سوء أحوالهم الاقتصادية والسياسية ناتج عن بعدهم عن الدين وعن عدم إقامة الخلافة، وكأن الخلافة كانت مانعا حقيقيا لسوء الأحوال السياسية والاقتصادية!

وكأن «الشدة المستنصرية» لم تكن من أحداث الخلافة، وكأن ما سبقها أو تبعها من شدائد ومجاعات اقتصادية منذ عام الرمادة سنة 18هـ فى عهد الخليفة الراشد «عمر بن الخطاب» لم يكن -مثلا- من أحداث تلك الخلافة! فمن المؤسف أن يظل منطق تلك القراءات المضللة كلها حاضرا إلى الآن فى التعامل مع واقعنا الراهن نتيجة تلك الجذور التاريخية التى يجهلها بعضنا ويحاول البعض الآخر تغييبها وعدم كشفها، ومواجهة أى قراءة عاقلة وكاشفة لأبعادها السياسية والاقتصادية الحقيقية بشتى طرق التشويش والتضليل والتزييف بهذا النوع من القراءات الأسطورية، وهذا ما كان المقريزى حريصا على مواجهته بتأكيده أن سبب تلك «الشدة المستنصرية» ليس فقط نقص النيل أو قلة المطر أو غضب الله على أهل مصر، فقال: «ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مد النيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض،.

وكان الجند عدة طوائف مختلفة الأجناس، فتغلبت (لواتة والمغاربة) على الوجه البحرى، وتغلب (العبيد السودان) على أرض الصعيد، وتغلب (الملثمة والأتراك) بمصر والقاهرة وتحاربوا‏». فالجيش الفاطمى كان يتألف من الجنود الترك الذين تحالفوا مع الجنود المغاربة لطرد الجنود السودانية من القاهرة إلى الصعيد، ثم بعد نجاحهم فى ذلك غدر الأتراك بالمغاربة وطردوهم من القاهرة إلى وجه بحرى، ونهبوا قصر الخليفة وقطعوا طرق نقل البضائع، وقد عمل الجنود السودانية -حين وصلوا إلى الصعيد- على إفساد نظام الرى لنشر القحط فى مصر أكثر، ولقد أدت تلك الحروب والصراعات العسكرية الطاحنة بين أمراء الجنود الأتراك والمغاربة والسودانيين إلى تفكك السلطة والدولة، وكان هذا أحد أهم العوامل السياسية التى أدت إلى تلك الشدة.

وهناك عامل اقتصادى آخر أيضا فى ظهورها، فقد كان من عادة إدارة شؤون البلاد أن يقوم الخليفة بشراء غلة بقيمة مئة ألف دينار سنويا ويخزنها لضمان وفرة فى الموارد والسيطرة على الأسواق وأسعار السلع ومواجهة جشع التجار بالمنافسة ومحاربة الاحتكار، وقد رأى الوزير «البازوى» أن تلك السياسة لا داعى من استمرارها ما دام الوضع الاقتصادى مستقرا، وانصاع الخليفة له، فحدث ما لم يحمد عقباه مع جفاف النيل، واشتعال الصراع بين «المغاربة» و«السودانية» و«الترك» الذين عاثوا فى الأرض فسادا، وأضافوا إلى فوضى المجاعة فوضى أمنية شاملة، مما جعل الخليفة المستنصر يستعين بأمير الجيوش فى الشام «بدر الجمالى» كى يعيد الاستقرار إلى البلاد، فالجمالى كان فى الأصل عبدا واستطاع بموهبته وقدراته إنقاذ نفسه، وتقلب فى المناصب حتى وصل إلى حكم مدينتى دمشق وعكا، ودخل مصر عام 1074م بطلب من الخليفة المستنصر، ونجح فى إنقاذ الدولة الفاطمية من المجاعة، ومن نفوذ الأتراك والمغاربة والسودانيين.

وساد النظام والأمن على يديه فى البلاد من الإسكندرية إلى أسوان، فقام بتنظيم شؤون الدولة وإنعاش اقتصادها، فشجع الفلاحين على الزراعة، ورفع جميع الأعباء المالية عنهم، وأصلح لهم الترع والجسور، وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى تنشيط حركة التجارة فى مصر مرة أخرى.

إذن، لا أتصور أن ما نمر به حاليا من سوء فى الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أسوأ مما مررنا به فى تاريخنا، وهو درس من التاريخ يؤكد لنا أن دوام الحال من المحال ما دامت كانت هناك مواجهة حقيقية وعاقلة وجادة لمواجهة الأسباب الحقيقية دون تزييف أو تخريف أو تضليل، أما غير ذلك فمن الممكن جدا أن يدوم الحال المنحدر بأمتنا أكثر من ذلك بكثير جدا!

تعليقات القراء