التعاون الدولى حول أزمة مصر المائية.. كيف نؤسس خطة عمل طويلة الأمد مع إثيوبيا؟

المقال - طارق باقونى

كيف وافقت مصر على السد مقابل تقليل آثاره السلبية عليها؟

ترجمة: أميرة جبر عن المجلس الأوروبى للعلاقات الخارجية  اكتسب قلق مصر من سد النهضة الإثيوبى الكبير حدة جديدة. منذ إطلاقه عام ٢٠١١ أثار المشروع مزيجًا من الإنكار والمعارضة من القاهرة، على الرغم من عقد اتفاقية إدارة مائية بين مصر وإثيوبيا والسودان عام ٢٠١٥. وفى وقت مبكر من العام أفادت التقارير أن مصر درست ردًّا على سد النهضة يتضمن إما اتفاقية ثنائية مع إثيوبيا «الأمر الذى من شأنه إقصاء السودان» وإما فعلًا عسكريًّا حتى.غير أنه استنادًا إلى جهودها الدبلوماسية الأخيرة فقد قبلت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسى بناء السد، وتعمل فى المقابل على تخفيف المشكلات التى قد يخلقها السد لمصر. وتستلزم مواصلة هذا الدرب جهدًا عازمًا محليًّا، وكذلك بشكل أوسع فى المنطقة.


وكعمل هندسى فَذّ بقيمة ٤ مليارات دولار من المخطط أن ينتج ٦ آلاف ميجاوات، يشكل سد النهضة أهمية قصوى لأمن طاقة إثيوبيا ونموها الاقتصادى، وتأمل إثيوبيا أن يوسع السد -وهو الأكبر فى إفريقيا- شبكة الكهرباء على الصعيد الوطنى بحلول ٢٠٢٥، ليخدم نحو ٨٦ مليون إثيوبى يفتقدون حاليًّا الكهرباء.


عندما شرعت أديس أبابا فى هذا المشروع للمرة الأولى، اعترضت القاهرة بأن من شأنه خرق معاهدات إقليمية وقّعتها مصر والسودان عام ١٩٢٩، وعدلتها عام ١٩٥٩. واعتقدت القاهرة أن تلك الاتفاقيات، التى تخصص غالبية مياه النيل للدولتين الموقعتين، ستمثل حصنًا ضد الإجراءات الأحادية التى قلصت من حصولها على مياه النهر. ومع ذلك، وعلى الرغم من ضغط محلى حادّ لتعزيز اقتصادها، وعلمًا أن الاضطراب السياسى يهدد الاستقرار المصرى- شرعت إثيوبيا فى المشروع، وموَّلت أغلبه بنفسها.


وسيحول سد النهضة جانبًا كبيرًا من المياه التى تدفقت تاريخيًّا نحو دلتا النيل إلى مسارات أخرى. وتستطيع إثيوبيا، وقد انتهى ٦٠٪ منه، البدء فى تجميع المياه وملء أجزاء من السد فى عملية قد تستغرق ١٥ عامًا. وكعاقبة ستخفض إمدادات المياه العذبة لمصر من النيل بنسبة مقدرة بـ٢٥٪ خلال السنوات الـ٧ القادمة.


وبالنسبة للقاهرة، هذا تهديد وجودى؛ نظرًا لتوفير النيل نحو ٨٥٪ من مياه مصر العذبة، فإن مثل هذا الانخفاض قد يتسبب فى أن تعانى مصر ندرة مياه مطلقة فى المستقبل القريب، إلا إذا أصلحت سياساتها فى استخدام المياه. والآن فإن التوسع السريع فى السكان وممارسات الرى المهدِرة للمياه والمستويات العالية من تلوثها وقلة منشآت إعادة التدوير والتحلية الفعالة، قد عجّلت بصعود حاد فى عجز مصر المائى.


وللتعامل مع المشكلات المرتبطة بسد النهضة وتجنب الأزمة، بدأت مصر فى اتباع استراتيجيات محلية وإقليمية على الأرض، وبمساعدة هيئة العمل الخارجى الأوروبى أكملت البلاد خطة وطنية للموارد المائية تركز على إدارة المياه خلال العقدين القادمين. وتتضمن الخطة جهود نشر الوعى بممارسات استخدام المياه والترويج للحفاظ عليها وإصلاح القطاع المائى العام والاستثمار فى محطات التحلية وتطوير البنية التحتية للرى فى البلاد.


وجميع هذه الإجراءات ذات أهمية حيوية لأمن مصر المائى المصرى، وعليه يجب أن تنفذها الحكومة بشكل مستدام. وأعلنت الهيئات الحكومية أنها ستنفذ مشروعات موروثة واسعة النطاق مثل العديد من محطات التحلية، غير أنه بنفس القدر من الأهمية -إن لم يكن أهم- أن تعالج الأمور المتوطنة التى قوضت أمن مصر المائى، بما فى ذلك عدم فاعلية البنية التحتية للرى.


غير أن التحسينات الهامة فى هذا المجال وحدها لن تعوّض تأثير سد النهضة، ناهيك بمشكلات إمدادات المياه الأوسع التى تواجهها مصر، وتحتاج القاهرة أيضًا إلى أن تنخرط فى الدبلوماسية الإقليمية.


وهناك إشارات إلى أن مصر قد قررت (بحكمة) تركيز استراتيجيتها للمفوضات الدبلوماسية على الفترة التى ستستغرقها إثيوبيا لملء خزان السد. ومن مصلحة مصر أن تستغرق أديس أبابا أطول ما يمكن فى هذه العملية، فتكسب وقتًا لتنفيذ إصلاحات محلية ولتشغيل محطات تحلية ومعالجة جديدة.
وفى هذا الشأن ستضطر مصر للتعامل مع الضغط لجَنى ثمار السد من داخل إثيوبيا. ودور السودان عامل آخر يُعقّد الاستراتيجية، فعلى الرغم من استفادة البلاد من تدفق النيل فى اتجاه مجرى النهر «وفقًا لاتفاقية ١٩٥٩» فقد دعمت إنشاء سد النهضة، بينما فزعت مصر. وقد يعيق صعود حديث فى التوتر حول قضايا أخرى بين مصر والسودان، بما فى ذلك النزاع الإقليمى فى مثلث حلايب، جهود القاهرة للحصول على دعم من الخرطوم.


ومع ذلك فمن الضرورى أن تحافظ مصر على زخمها الدبلوماسى الحالى بالدفع نحو ترتيب إدارة مياه متعددة الأطراف مع السودان وإثيوبيا. وتقدم الاتفاقيات الموقعة فى مايو ٢٠١٨ بين الدول الثلاث، التى تبنى على صفقة ٢٠١٥ الثلاثية، أساسًا للتعاون الأوسع، خصوصًا فى مناداتها بصناديق استثمار للبنية التحتية الإقليمية. وفى الوقت الذى تواجه فيه الدول الكثير من نفس المشكلات، قد يكون التعامل الإقليمى المشترك فى مكافحة ندرة المياه وعدم الاستقرار الذى تخلقه مفيدًا للأطراف الثلاثة.


وينبغى أن تسعى مصر لنزع فتيل أى نزاع ينشأ فى المفاوضات حول هذه التحديات؛ لأنها معرضة لأكبر كمّ من الخسارة. إضافةً إلى ذلك، ينبغى أن تفكر فى طرق لتجاوز رد الفعل الفورى على سد النهضة، وتؤسس إطار عمل للتعاون طويل الأمد. وهنا تستطيع أن تأتى مشاركة الاتحاد الأوروبى الأقيم بتقديم الوساطة المباشرة والدعم التقنى غير المباشر والمراقبة المحايدة لالتزام الدول بالاتفاقيات. كما يقدم درب مصر الدبلوماسى الحالى فرصة لإعادة العمل على المعاهدات القديمة وإنشاء إطار إقليمى أقوى يستطيع أن يواجه تحديات الأمن المائى المستقبلية. ونظرًا للتهديد الذى تواجهه الآن يجب أن تقود البلاد مثل تلك الجهود.  ...

طارق باقونى

زميل السياسات ببرنامج الشرق الأوسط وإفريقيا بالمجلس الأوروبى للعلاقات الخارجية، يركز على سياسات الموارد الطبيعية فى المنطقة، وعمل فى مشروعات بحثية ذات صلة بالجيوسياسة المعاصرة للمنطقة، خصوصًا إسرائيل/ فلسطين، والحركات الإسلامية. أحدث مؤلفاته «احتواء حماس.. صعود وتسكين المقاومة الفلسطينية».

تعليقات القراء