وزيرة الصحة الجديدة.. البرَكة فى العمل لا فى الأزهر ولا الكنيسة!

المقال - أحمد رمضان الديباوى

كيف كانت وزيرة الصحة الجديدة أسرع وزيرة تحصل على درع من مشيخة الأزهر؟ وما الداعى إلى زيارتها كلًّا من المشيخة والكاتدرائية؟ ولماذا لم تزُر نقابة الأطباء أو مركز البحوث أو حتى المكتب الإقليمى لمنظمة الصحة العالمية فى القاهرة؟

بعد أن تولت منصبها الجديد بنحو عشرة أيام، خرجت الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة والسكان، من مكتبها صباح يوم الرابع والعشرين من يونيو الماضى، ليس لزيارة عميد طب قصر العينى أو عميد طب عين شمس أو عميد أى كلية طب فى جامعات مصر، وليس لزيارة نقيب الأطباء أو نقيب الصيادلة أو رئيس المركز القومى للبحوث أو الشركة القابضة للأدوية، أو حتى مُمثّل منظمة الصحة العالمية فى مصر، ولكنها خرجت من مكتبها لزيارة حضرة مولانا صاحب الفضيلة شيخ الأزهر؛ لبحث تعزيز سُبل التعاون فى القطاع الطبى «..»، حسب التصريحات الصحفية التى خرجت بعد الزيارة، التى انتهت مراسمها بمشيخة الأزهر بالدرّاسة بعد أن أهدى حضرة مولانا صاحب الفضيلة درعَ المشيخة للدكتورة هالة زايد، لتكون بذلك أسرع وزير/ وزيرة -ربما فى تاريخ مصر الحديث- ينال/ تنال درعًا وتكريمًا «دينيًّا»، ولمّا تُكمل عشرة أيام فى منصبها الجديد!

لم تكتفِ الوزيرة الجديدة بزيارة مشيخة الأزهر فقط، بل قامت -جزاها الله خيرًا- بزيارة أخرى فى اليوم نفسه «24 يونيو» لحضرة قداسة البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وذلك بمقر الكاتدرائية المرقسية بالعباسية؛ لبحث سُبل التعاون بين الوزارة والكنيسة فى المجال الطبى «..»، حسب التصريحات الصحفية التى خرجت بعد الزيارة. وكما نالت الدكتورة هالة زايد درعًا من المشيخة، نالت كذلك هدية تذكارية من حضرة قداسة البابا، عبارة عن لوحة فنية منقوش عليها كلمة «الأمل»، ليكون يوم الرابع والعشرين من يونيو الماضى يومَ عيد لوزيرة الصحة والسكان، فقد نالت فيه درعًا وهدية من الهيئتين الدينيتين الرسميتين فى مصر، الأزهر والكنيسة، بل نالت فيه برَكَة الهلال والصليب معًا!


وزيرة الصحة الجديدة حرّة تمامًا فى تحديد وتنظيم جدول زياراتها، ولو كانت غير مُجدِية، فالتقارير الرقابية ورضا القيادة السياسية عنها هما الفيصل فى استمرارها على رأس وزارة الصحة من عدمه، فأن تزور حضرة مولانا صاحب الفضيلة شيخ الأزهر، ثم تثنّى بزيارة حضرة قداسة البابا، إنما هو شأنها الخاص، فلَربما تعتقد تلك الوزيرة أن برَكة الهيئات الدينية قد تحلّ على الوزارة التى ترزح تحت نِير المشكلات غير المتناهية، لكن أن يكون الادّعاء الحاضر «المعلَّب» هو أن سبب تَيْنك الزيارتَين «بحث تعزيز التعاون فى المجال الطبى!» فهذا هو الغريب فعلا، ولو أننا فرضنا جدلًا أن ثمّة تعاونًا طبيًّا سيتم فى المستقبل بين وزارة الصحة ومشيخة الأزهر، فمن باب أولى أن تكون تلك الزيارة لكلية طب الأزهر، بنين أو بنات أو هما معًا، فى مدينة نصر لا فى حديقة الخالدين بالدرّاسة حيث المشيخة، إذن سيكون لتلك الزيارة معنى وهدف واضح، لكن أن تكون الزيارة للأشياخ وذوى الهيئات الدينية، ولو كانوا فى أرفع وأعلى الدرجات الوظيفية التنفيذية، فهذا هو العجب العجاب كله!


ولا يتوقف العجب عند ذلك، فقد كان من المدهش أن تصرّح وزيرة الصحة بأن الفترة القادمة ستشهد تعزيز سُبل التعاون بين الوزارة ومشيخة الأزهر؛ لدعم مستشفيات جامعة الأزهر وتوفير احتياجاتها الطبية كافةً، فمما هو معلوم أن للأزهر ميزانيته الخاصة التى تبلغ نحو 13 مليار جنيه، ومما هو معلوم أن مستشفيات جامعة الأزهر مستشفيات تعليمية تتبع وزارة التعليم العالى لا وزارة الصحة، فكيف يتّسق ذلك مع تصريحات الوزيرة؟! ثم كيف ساغَ للوزيرة أن تعلن صراحةً عن تنسيقها مع حضرة مولانا صاحب الفضيلة شيخ الأزهر، لزيارة محافظة الأقصر، ومركز «القَرَنة» تخصيصًا، مسقط رأس فضيلة الإمام، خلال الأيام القليلة القادمة، لتقديم الدعم الطبى للأهالى هناك؟! ألا تبدو فى الأمر شبهة مجاملة؟! خصوصًا أن الوزيرة نفسها ستكون على رأس تلك القافلة الطبية!

وأما بالنسبة إلى الكنيسة، فقد صرّح حضرة قداسة البابا أن الكنيسة تقوم بتنفيذ عدد من المشروعات الخدمية تحت مسمى أسقفية الخدمات، والتى تقدم من خلالها بعض الخدمات الطبية، ومنها التوعية بقضية ختان الإناث، وخدمات تنظيم الأسرة، فهل اتفقت كلمة أشياخ الأزهر حول تَيْنك القضيتين تحديدًا؟! بالطبع لم يتفقوا على ذلك فقهيًّا، فكعادة أولئك الأشياخ اختلفوا حول القضيتين، بل تنابذوا مذهبيًّا وسياسيًّا حولهما، ما يعنى أن الأزهر فى وادٍ، والكنيسة فى وادٍ ثانٍ، ووزارة الصحة فى وادٍ ثالث!


لقد كان من الأولى أن يكون ملف الأدوية الناقصة على رأس أولويات تلك الوزيرة، خصوصًا أن مجلس إدارة الشعبة العامة لأصحاب الصيدليات بالاتحاد العام للغرف التجارية لديه استعداد كامل للتعاون مع الوزيرة وتوفير أى بيانات قد تطلبها من أجل وضع ملف نواقص الأدوية فى أولوياتها؛ لما يمثله ذلك من أهمية مجتمعية قصوى. لكن الوزيرة لم تُبدِ حتى الآن أى نية أو عمل ملموس أو قرار سريع إزاء تلك القضية، اللهم إلا أنها أكدت أن القوات المسلحة أبدت استعدادها الكامل لمساعدة الوزارة فى توفير الأدوية الناقصة بالسوق المحلية بشكل طارئ، كأن وزارة الصحة أضحت فرعًا من فروع القوات المسلحة!


تواجه وزيرة الصحة الجديدة قضايا عديدة، أهمها تهديد الشركات برفع أسعار الدواء للمرة الثالثة خلال أقل من عامين فقط، ولا سيما بعد زيادة أسعار المواد البترولية والمحروقات ومياه الشرب والكهرباء وزيادة الضرائب، وكذلك حالة الفوضى فى تسعير الأدوية، وأيضًا القضاء على ظاهرة نقص الأدوية التى تتزايد قوائمها فى الأسواق يومًا بعد آخر، ما يشكّل خطورة بالغة على أرواح المرضى، بالإضافة إلى تجدد أزمة نقص ألبان الأطفال المدعّمَة، بخلاف أن أكثر من 80% من الأدوية المستوردة غير متوفرة حاليًّا فى الأسواق، بسبب سياسات الوزير السابق «أحمد عماد الدين» الكارثية فى ملف الدواء، التى تسبّبت فى تداول الدواء فى السوق السوداء.

الأمر الذى ضاعف من سعر الدواء، وجعل حصول المرضى عليه يتم بصعوبة بالغة وبأسعار باهظة فى ظل أزمة اقتصادية ومالية عارمة، تضرب المواطنين جميعهم. وعلى الرغم من السياسات الكارثية لوزير الصحة السابق، وهى السياسات التى فنّدناها نحن وغيرنا طوال العامين الماضيين، فإن هذا الوزير ظل على رأس الوزارة مع تكرار التعديلات الوزارية حتى استفحلت واشتدت أزمات الصحة والدواء فى مصر، وهو ما لا نرجو أن يتكرر مع تلك الوزيرة، فالعمل وحده هو الفيصل فى استمرار المسؤول فى موقعه، دون النظر إلى أى اعتبارات أخرى، لا إلى درع من المشيخة ولا إلى لوحة فنية من الكنيسة!


ويبدو بجلاء أن الوزيرة الجديدة تمارس ما مارسه سلفها الوزير السابق، فاكتفَتْ بإطلاق التصريحات الإعلامية والوعود غير المنطقية، ولم تأخذ على عاتقها دعوة نقابة الأطباء والصيادلة ومنظمات المجتمع المدنى لمناقشة وتداول الحلول كافةً لمواجهة قضايا الدواء وأسعاره ومشكلاته، فلم تلتفت إلى ذلك كله وظنّت أن فى المشيخة والكنيسة بُغيتها، فكانت زيارتها إليهما بدلًا من أن تكون إلى النقابات الطبية أو شعبة الأدوية أو مركز البحوث!

تعليقات القراء