شيماء جمال تكتب: طابور الستات

مصريات - شيماء جمال 

(1)

في زيارتي الأولى للأراضي المقدسة لم يقتصر استعدادي على “مذاكرة” مناسك العمرة، بل امتد لشراء ملابس مناسبة للزيارة، فعلى الرغم من إنني “محجبة” مما يعني أنني أرتدي سلفًا زيًا “شرعيًا” إلا أن النصائح طاردتني بأن “التشدد” هو السمة السائدة في الحرمين، مما يعني أنه يفضل أن أرتدي ملابس فضفاضة من اللون الأسود حتى أندمج مع الجموع ولا يعكر صفو تجربتي الروحية تعليق من أحد القائمين على خدمة الحجيج والمعتمرين عن عدم “شرعية” ما ألبس.

نجحت الخطة ولم تُوجه لي أي تعليقات تخص ملابسي، ولا أعتقد أنه كانت لتوجه لي أي تعليقات إن لم أتبع النصيحة بإرتداء ما يرتديه الجموع، فالجموع لم تكن تحديدًا ترتدي الزي الأسود الفضفاض، إرتدت الكثيرات أزيائهن الشعبية في كرنفال مبهج من الألوان. ولكن لم تكن الجموع الملونة هي أول ما خالف توقعاتي عن الزيارة، فرغم كل استعدادي النفسي عن “فصل” النساء عن الرجال في الحرمين إلا أنني لم أتوقع أن يصل الفصل لتفاصيل صغيرة جدًا. مثلًا شبابيك مخصصة لخدمة النساء في محال الطعام، أو محال بلا بائعات (في زيارتي الأولى لم يكن هناك بائعات في المحال الأمر الذي تغير في زياراتي اللاحقة). كانت كل خطوة تحددها لافتات “مخصص للنساء”.

كانت تلك اللافتات مصدر استغراب مستمر للقادمة من مجتمع لا تسوده فكرة “الفصل الجنسي”.

(2)

كانت مدرستي مدرسة “مشتركة” قررت إدارتها يومًا أن تفصل الأولاد عن البنات في فصول المرحلة الإعدادية، لم تستمر التجربة أكثر من فصل دراسي واحد على ما أتذكر. تسبب “الفصل الجنسي” في “فلتان” الأولاد وزيادة شغبهم “ورحرحة” البنات وزيادة “فرفشتهم”. قررت المدرسة العدول عن قرار “الفصل الجنسي” وإعادة الفصول المشتركة التي ثبت بالتجربة أنها تضبط تصرفات الجنسين ومن ثم تضبط العملية التعليمية وتؤدي لنتائج أفضل.

وجدت المدرسة أن المساواة هي أقصر طريق للمنافسة العادلة. البنت زي الولد، رأس برأس، ذات المدرسين، ذات البيئة، ذات الإمتحانات.

(3)

يحدثني زميلي عن تجربته مع “عطلة” طابور الستات. في كل مصلحة حكومية يصطف المواطنيين في طابور، لسبب ما وفي المصالح التي لا تستخدم سياسة الفصل الجنسي لتقديم الخدمات يتطوع المواطنين بالفصل، تحديدًا تتطوع المواطنات بفصل أنفسهن عن الطابور القائم وتكوين “طابور ستات”.

عادة يتكون “طابور الستات” من مواطنة واحدة. تدخل المواطنة للمصلحة الحكومية مقدمة الخدمة فتجد طابورًا طويلًا من الرجال، فتتقدم الطابور وتقف بجوار أول أفراده فيقدم لها الموظف / الموظفة الخدمة – عادة موظفة – متجاهلًا “الدور” في طابور الرجال. وهكذا يستمر الوضع، قادمة جديدة تتجاهل الطابور القائم وتنشئ طابورًا جديدًا فتنجز مهمتها بنجاح في ظل سخط رجالي واضح. وإن تململ الرجال من الوضع ترد المواطنة بكارت “التحرش”، “عايزني أقف أتلزق وسطكم!”. وفي واقعة كوميدية ذات دلالة، كانت إحدى المصالح تقدم الخدمة عن طريق شباكين، فتخصص أحدهم تلقائيًا للسيدات والآخر للرجال دون أية لافتات تحدد ذلك أو حتى توجيهات شفاهية من مقدم الخدمة، ولكن على غير المعتاد كان طابور الستات طويل وطابور الرجال قصير، فما كان إلا أن قررت إثنتين تكوين “طابور ستات” بجوار طابور الرجال “لإستغلال إن طابورهم فاضي” فلما اعترض الرجال كان ردهن أنه لا يوجد ما يدل على أن هذا الشباك مخصص للرجال والآخر للنساء ومن ثم من حقهن الأصيل تكوين طابور ستات عند هذا الشباك.

لكن بكل أسف فشلت خطتهن، لأن اعترافهن بحقهن في تكوين طابور قصير موازي للنساء منح ذات الحق للرجال لتكوين طابور قصير موازي لطابور السيدات الطويل!

(4)

تطرح فكرة “طابور الستات” الكثيرمن الأسئلة حول التمييز الإيجابي والتمييز – بمفهومه السلبي – ككل. هل يعد “طابور الستات” تمييزًا إيجابيًا لتحقيق المساواة – ومن ثم عدالة المنافسة – بين الرجال والنساء. أم أن “طابور الستات” هو إعتراف بأفضلية الرجال على النساء، كمثال الفصل لأسباب دينية تتعلق بأن المرأة عورة واجب سترها/ جوهرة واجب صيانتها – على حسب زاوية رؤيتك للأشياء – مما يجعل هذا الفصل تمييزًا سلبيًا تجاه النساء لا يحقق المساواة/ المنافسة العادلة.

هل “طابور الستات” وسيلة للحرية المنشودة أم طريقة أخرى لتحسين شروط الأسر؟

تعليقات القراء