كيف تسلل مئة وتسعون إخوانيًّا إلى قوائم العفو الرئاسى؟ لماذا تم العفو عن صبرى نخنوخ؟ هل علينا أن نتوقع عودة الإخوان قريبًا وهم يحكون بطولاتهم فى السجن أو ننتظر كتاب آيات الرحمن فى الليمان؟

المقال - طارق أبو السعد

من أيام قليلة ورحمةً بالأُسر المصرية، قام الرئيس بالتصديق على العفو الرئاسى والإفراج عن 332 محبوسًا بمناسبة حلول الشهر الفضيل، منهم قرابة مئة وتسعين من الإخوان المسلمين. للرئيس أن يعفو عمن يشاء حتى لو كان مجرمًا إرهابيًّا، وحتى لو كان بلطجيًّا عتيد الإجرام. لا قواعد ولا أسس.

كل ما نملكه هو قرار الرئيس بالعفو عن مدانين ومحكوم عليهم ومحبوسين، صحيح أن هناك لجنة لدراسة الشخصيات التى تستحق العفو، لكنى لا أظن أنهم على القدر الذى نتصوره، خصوصًا أنهم يقسمون ليل نهار أن القوائم التى يجهزونها لا تحتوى على أعضاء من الإخوان، وأنا بشكل شخصى أصدقهم وأصدق الرئاسة، وسأكذب نفسى. ولأننا فى رمضان ولأن الكذب حرام ويفسد الصيام، تعالوا نستعرض المفرج عنهم بالعفو الرئاسى، بتنشيط الذاكرة قليلًا.. لو تذكرون يوم الجمعة الموافق 16 أغسطس 2013، جرت فى ميدان رمسيس -وتحديدًا بجوار وداخل مسجد الفتح- مظاهرات مسلحة، وفيها تم رفع راية «القاعدة» و«داعش»، وظهر أشخاص ملثمون يرتدون الزى الأفغانى المشهور، وتم احتلال مسجد الفتح من المتظاهرين، واعتلى أحدهم مئذنة المسجد وكان مسلحًا، وتم إطلاق النار على قوات الشرطة، ونتج عن هذه المظاهرة مقتل 44 شخصًا، ولو تذكرون قامت «الجزيرة» بنشر صور كاذبة لجثامين أكثر من مئة قتيل فى أكفانهم، وتم استقبال مداخلة من شخص زعم أنه طبيب المستشفى الميدانى فى مسجد الفتح، وكانت خلفيته أجهزة طبية وإسعافات أولية،

وكان ينادى الناس ويصرخ بأن الناس تموت بين يديه، نظرًا لنقص الأدوية وأكياس الدم.. إلخ، ثم فى الليل تبين كذب هذه المشاهد فلا يوجد فى المسجد لا مستشفى ولا جثامين ولا يحزنون، ولم تكتفِ «الجزيرة» بذلك، بل نشرت صورة حية من داخل المسجد تفيد قيام رجال الشرطة بإطلاق قنابل غاز على المحتجزين فى المسجد، ثم تبين كذب هذا الادعاء وأن أحد الإخوان كان يقف بطفاية الحريق على باب المسجد خارج كادر التصوير، ليحدث شكل الغاز، ووقتها تم حظر التجوال وتم الإفراج عن كثير من الموجودين سواء داخل المسجد أو خارجه، وألقت الشرطة القبض على العناصر المحركة للفوضى والعنف، وقدموا للمحاكمة وتمت إدانتهم.


لو تذكرون هذه القضية البشعة، مَن هؤلاء المدانون الذين أفرج الرئيس عن 103 منهم؟ طيب، فاكرين أحداث «سيدى جابر» فى نفس اليوم، أى فى 16 أغسطس 2013، وبعد الصلاة أيضًا قامت جماعة الإخوان بحشد أنصارها، للتظاهر فى ميدان سيدى جابر، ووقعت بينهم وبين الأمن اشتباكات، وقتل 29 مواطنًا وأصيب أكثر من 30 آخرين، وعُوقب على إثرها 126 متهمًا حضوريًّا وغيابيًّا، المحكمة قضت فى أبريل بمعاقبة 126 متهمًا بالسجن المشدد عشر سنوات، وتم وضعهم عقب انتهاء العقوبة المقررة تحت المراقبة الشرطية لمدة 5 سنوات، وإلزامهم بإصلاح جميع المنشآت الحكومية والخاصة التى أتلفوها.


فاكرين هذه الجريمة؟ الرئيس أفرج عن 23 متهمًا فى هذه القضية.. طيب فاكرين قضية مجمع المحاكم فى الإسماعيلية؟ طبعًا مش فاكرين، لأن هذه الجريمة تمت يوم فض «رابعة» و«النهضة»، حيث كان الإخوان متمركزين فى كل محافظات مصر تقريبًا، والموجودون فى «رابعة» كانوا قلة من المتعاطفين ومستعدين لتنفيذ تعليمات القيادة الإخوانية بحرق مصر من أجل عودة مرسى، وقتها تجمع الإخوان من محافظة الإسماعيلية والمدن المجاورة والتابعة للمحافظة من الإخوان ومن مؤيديهم من صباح يوم الأربعاء الموافق 14 أغسطس 2013، وفى لحظة فض اعتصامَى «رابعة» و«النهضة» اقتحم العشرات مبنى مجمع محاكم الإسماعيلية وأضرموا النار فى مبنى المحكمة الابتدائية ومبنى النيابات بالمجمع، وشهد محيط مجمع المحاكم اشتباكات بين أنصار المعزول محمد مرسى وقتها وبين قوات الجيش والشرطة،

أسفرت عن مقتل نحو 10 مواطنين وإصابة العشرات، وتمت إدانة العشرات منهم بتهم القتل واقتحام منشأة عامة والتحريض على العنف والشغب ومقاومة رجال الشرطة والجيش والتخريب.

قضية خطيرة تم تحويلها عسكريًّا، لكن الرئيس رأى أن يعفو عن 18 متهمًا، ليس هذا فقط بل شمل عفو الرئيس قرابة الستين شخصًا من المحالين إلى قضايا عسكرية بسبب أعمال العنف والإرهاب فى أسيوط والمنيا، كما شملت قائمة المعفو عنهم صبرى نخنوخ أشهر زعيم عصابة يقود تشكيلًا بلطجيًّا مخالفًا للقانون، وجرائم نخنوخ مثبتة وليس فيها أى لبس، ولا شبهة عمل سياسى ولا شبهة خداع أيديولوجى بلطجى.. يعنى أنه بلطجى بحكم المحكمة وليس بادعائى، الآن نحتاج إلى فك هذا اللوغاريتم والوصول إلى النقطة المضيئة التى رآها أعضاء لجنة العفو الرئياسى ولم أتمكن أن أصل إليها، هل يا ترى الإفراج بالعفو بهذه الأعداد يدل على خطأ قانونى أو ظلم واقع على أبرياء فقرر الرئيس جبر هؤلاء المظلومين، أم أن هناك مَن يدير عملية الإفراج وَفق معطيات غائبة عن المجتمع وعن الإعلام وعن اللجنة نفسها؟! لأن من حق الشعب الذى أدان الإخوان قبل إدانة الرئيس السيسى وقبل القضاء أن يعرف لماذا سيخرج هؤلاء إلى المجتمع، لأنهم أول مَن سيكتوى بنار الإرهابى والبلطجى، ولو تحجج أحد بأن هؤلاء ربما تابوا وأنابوا، فليس لدينا أى دليل على توبتهم، بل على العكس التائبون فعلًا فى سجن الفيوم والذين أداروا مراجعات مكتوبة وأسماؤهم معروفة لم يشملهم العفو؟!

التناقض سيد الموقف والتخبط واضح، والأزمة قادمة، ما دام مَن يدير ملف العفو الرئاسى وملف الإخوان مُصرًّا على إدارته أمنيًّا وسياسيًّا لا فكريًّا، فنحن معرضون لعمليات إرهابية قادمة، ومعرضون لهجمات فكرية تخلخل السلام الاجتماعى، فالمجتمع المصرى متفق ومتسق مع نفسه فى رفضه للجماعات الإسلاموية، وأغلبية حقيقية تؤيد الرئيس لا طمعًا فى تنمية ولا حبًّا فى السياسة ولكن طلبًا للأمان الاجتماعى ومحاربة الإرهاب.. هؤلاء سيكفرون بالدوة والشعبية والسلام الاجتماعى عندما يقابلون هؤلاء المدانين فى مسجد الحى، والناس تستمع إلى بطولاتهم فى السجن، وكيف كان يأتى العشرة من زبانية السيسى وينهالون على أحدهم ضربًا وكل أمله أن يصرخ أو يبكى، وهو صامد كالجبل الأشم، لماذا؟ لأنه مؤمن والعقيدة هى التى تحركه وأنه لم يدخل السجن، لأنه مرتشٍ أو مغتصب، بل لأنه رفض الظلم ورفض الانقلاب.. انتظروا كتاب الإخوان الجديد آيات الرحمن فى اللومان، أقسم بالله سيحدث هذا وأكثر، وسيرون حكايات خيالية كاذبة عن المعجزات الإلهية التى وقعت لهم والتى يشهد لها سيادة النقيب فلان الفلانى والعقيد علان العلانى، والمسجون الجنائى أبصر إيه!

أنتم تمهدون الطريق للحكايات المكذوبة للإخوان، أنتم تمهدون لعودة الإخوان، فالمرشد لن يخرج إلا بعد أن يمهد مثل هؤلاء له الطريق.. اللهم إنى صائم.

تعليقات القراء