صلاح.. أحلام وتوقعات بلد عظيم شديد الاضطراب

المقال - نبيلة رمضانى - ترجمة: أميرة جبر عن «إنديبندنت»

كيف ظهر صلاح جريئًا ساحرًا وأكثر حكمة من سنِّه؟ كيف يحكى حذاؤه قصة أيقونة مصرية؟

  رغم نجاحه الهائل لم ينسَ صلاح أصوله، ويظل مصريًّا فخورًا للغاية.إذا كنت تريد تتبع التاريخ الحديث لأكبر بلد فى إفريقيا من حيث التعداد، فستكون قصة حياة لاعب كرة القدم المصرى محمد صلاح نقطة بداية جيدة.

وفى الوقت الذى يستعد فيه اللاعب لكأس العالم فى روسيا، فالبلد الذى تركه بينما كان لا يزال مراهقًا فى أمسّ الحاجة إلى الإحساس بالأمل والترقب الذى يقدمه له، كان قد وصل صلاح لتوّه مرحلة البلوغ عندما تفجَّرت مصر فى ما يمكن القول إنه الثورة الأكثر متابعةً فى العصر الحديث، وقد خرجت الألوف إلى شوارع القاهرة وغيرها من المدن الكبرى والبلدات فى بداية ما يسمى الربيع العربى عام ٢٠١١.

واعتقد الشباب، خصوصًا المراهقين المتحررين حديثًا مثل صلاح، أن عهدًا ديمقراطيًّا جديدًا كان حقًّا ممكنًا، واستغرق الأمر أقل من ٣ أسابيع للإطاحة بحكم ٣٠ عامًا للرئيس الديكتاتور حسنى مبارك، بينما أصبح ميدان التحرير بالقاهرة النقطة المحورية فى الانتفاضة.
كنت واحدة من بين صحفيين أجانب عديدين خاضوا بعض تلك الأيام العنيفة نتشارك فى تجربة اتسمت بكل دراما وإثارة جمهور ضخم يحتفل بانتصار رياضى.

وأظهر لى لقائى بصلاح فى حفل توزيع جوائز رابطة اللاعبين المحترفين فى لندن كيف أن هو على الأقل لم يفقد ذلك الحماس المسبب للدوار، وقال صلاح معربًا عن سعادته كونه أول مصرى يفوز بجائزة لاعب العام بعد موسم رائع فى ليفربول: «آمل أن لا أكون الأخير! إننى فخور للغاية وقد عملت بجدية شديدة».
وبدا لى صلاح، وتأثره واضح دون أية مسحة من تكبر، جريئًا ساحرًا وأكثر حكمة من سنِّه، ولم يكن نوع التهور الشرس المرتبط بشباب لاعبى كرة القدم موجودًا بينما كرَّس اهتمامه لأحد العاملين بالعمل الخيرى اسمه «معين يونس»، وهو مراهق يعانى مرضًا جلديًّا نادرًا ويلزم كرسيًّا متحركًا. و«معين» هو نوع الشخص الذى يدعمه صلاح بلا نهاية. وبابتسامته البراقة التى تنتشر كالعدوى استخدم كذلك حفل الرابطة ليشجع رفقاءه المصريين على «ملاحقة أحلامهم».

ولكن يا له من تباين بين هذا وما يحدث فعلًا فى مصر منذ تظاهرات ٢٠١١.

لقد انهارت تجربة الديمقراطية العابرة حتى صارت غبارًا، فالفقر متوطن عبر مصر بينما تزداد البطالة بشكل حلزونى، خصوصًا بين من هم تحت الـ٣٠. ودعا صندوق النقد الدولى لزيادة ضريبة القيمة المضافة وتخفيض قيمة الجنيه المصرى وتخفيضات فى دعم الوقود فى مقابل قرض طارئ بقيمة ١٢ مليار دولار.

ويتجسد اقتصاد مصر الضعيف بشكل مزمن فى كل أنواع المشكلات الاجتماعية والأمنية، خصوصًا العنف. وقد أنهى صلاح مسيرته الكروية فى مصر لاعبًا لنادى المقاولين المحلى فى وقت مبكر من عام ٢٠١٢، عقب كارثة استاد بورسعيد، فقد وقع شغب شهد مقتل ٧٤ شخصًا، إضافة إلى أكثر من ٥٠٠ إصابة خطيرة فى أثناء اشتباكات بين مشجعى المصرى والأهلى.

وقد ألغى ما تبقى من موسم الدورى، الأمر الذى ترك لصلاح الانتقال إلى بازل السويسرى ثم إلى تشيلسى وفيورنتينا وروما، والآن ليفربول.

ولكن رغم نجاحه الهائل لم ينسَ صلاح أصوله، ويظل مصريًّا فخورًا للغاية، فقد موَّل مركزًا لمعالجة المياه فى قريته نجريج على بعد نحو ٨٠ ميلًا من القاهرة فى دلتا النيل العطشانة، وفى الوقت نفسه صبّ الأموال فى مستشفيات ومدارس وخدمات الطوارئ.
ويقول عمدة نجريج، ماهر شتية: «إن محمد زائر متكرر لموطنه. إنه يحبنا هنا، ويحب مصر».

وقال لى آخرون فى نجريج إن صلاح يمول بعض المشجعين الذين من دون ذلك سيجدون مشاهدته مباشرةً فى روسيا مستحيلة تمامًا. إن الحد الأدنى للأجور فى مصر متجمّد عند ما يعادل أقل من ١٠٠ جنيه إسترلينى فى الشهر، وحتى إذا تم دعمها ستكون رحلات المشجعين شديدة الصعوبة، ولكن على الأقل سيكون لديهم رجل يلقبونه بـ«الملك» ليلهمهم، خصوصًا بعدما ضمن بروعة أولى مشاركات بلاده فى بطولة كأس العالم منذ عام ١٩٩٠.

إن تأثير صلاح الآن كبير إلى درجة أن أكثر من مليون مصوت قيل إنهم كتبوا اسمه على بطاقات اقتراع الرئيس فى انتخابات مارس التى «فاز» بها السيسى بنسبة ٩٧٪ من الأصوات.

وليس عجبًا أن الفائز بالحذاء الذهبى للدورى الممتاز -لقب أعلى هدافى إنجلترا- يجد الآن حذاءه معروضًا ضمن المجموعة المصرية فى المتحف البريطانى فى لندن.

ووَفقًا لحارس المعرض نيل سبنسر، فالحذاء «يحكى قصة أيقونة مصرية حديثة تؤدى فى المملكة المتحدة بتأثير عالمى حقيقى».

نحن نسمع الكثير عن ماضى مصر المجيد، ولكن التاريخ القديم ليس كافيًا، ومحمد صلاح كله مستقبل، وينبغى أن يشاركه أحلامه أى شخص يؤمن بموهبة وطاقة بلده الرائع.

تعليقات القراء