الشيخ الأطرش وفتوى بطلان صيام الإسكندرانية

بقلم: أحمد رفعت

قبل أيام حدث خطأ غير مقصود بإذاعة الإسكندرية أدى إلى إذاعة أذان المغرب قبل موعده بسبع دقائق ولما كان توقيت الإفطار في الإسكندرية يختلف عن القاهرة بعدة دقائق؛ لذا يعتمد كثيرون من أهل العاصمة الثانية على إذاعتهم للإفطار، خصوصًا أن نسبة كبيرة تفطر خارج المنزل في مدينة يزيد سكانها عن الـ6 ملايين نسمة.

سار الموضوع بعد ذلك في مسارين، الأول داخل الإذاعة حيث أحالت السيدة نادية مبروك، رئيس الإذاعة، الأمر كله إلى التحقيق العاجل، والثاني هو البحث عن فتوى لما جرى، وهل يصح صيام من أفطروا على الأذان أم عليهم القضاء أو الكفارة؟

صديقنا العزيز الإعلامي المرموق أحمد عبدون، استضاف ببرنامجه على قناة "إل تي سي" الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق، الذي أفتى ببطلان صوم كل من أفطروا على الأذان، وأن على هؤلاء القضاء بصيام يوم بدلاً من ذلك اليوم.

قال الشيخ الأطرش إن هكذا أفتى السابقون، وقال حرفيًّا إن السابقين قالوا "إنه من أكل أو شرب ظنًا بمجيء الليل ثم تبين له خلاف ذلك عليه قضاء يوم مكان اليوم".

بالطبع عرفنا رأي السابقين ولم نعرف رأي الشيخ الأطرش نفسه واجتهاده باعتباره عالمًا لا يقل عن السابقين في شيء، والمفترض أن يجتهد ويفكر مثلهم ليقدم فتوى تناسب عصره كما فعل السابقون واجتهدوا لعصرهم الذي لم تكن فيه إذاعات ولا تلفزيونات ولا حتى مكبرات صوت، وواضح من اجتهاد السابقين هو تعلم تحري الفجر، ولا يكون في الأمر استسهال، لكن التحري المقصود سيلزم أصحابه وحدهم ولا ينصرف على آخرين.

أما عندما يكون الخطأ من إذاعة فالذنب يتحمله المخطئ وحده وليس من تبعوه بغير تحرٍّ إذ اعتادوا على ذلك يوميًّا في رمضان بل وفي كل رمضان، واستقر في عقولهم على تفويض مثل هذه الجهات (الإذاعة والتليفزيون والمساجد) بالأذان نيابة عن الجميع.

الأهم على الإطلاق من كل ذلك هو حسم القرآن للأمر كله، ففيه يقول عز وجل في سورة الأحزاب: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا}، هل هناك آية أوضح من ذلك؟ وهل تعمد أحد ممن أفطروا على الأذان أن يخطئ؟ بل نعتقد أن حتى مسئولي الإذاعة لم يتعمدوا الخطأ طبعًا.

وفي القرآن أيضًا يقول رب العزة الغفور الرحيم في سورة البقرة "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به".. والآية واضحة جدًّا وهو طلب العفو عند الخطأ والنسيان ولا يطلب أنبياء الله ذلك من الله إلا أن كان بحق.

الآيات كثيرة سنكتفي بقوله "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان".. إذ لا يحاسب المؤمن إلا بما تعمده بنفسه وبعقله وبقلبه بينما يجيء الحديث الشريف ليؤكد الآيات كلها، ويقول رسول الله عليه الصلاة والسلام مرويًّا عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه) وفيما جرى فهو خطأ غير مقصود وصيام أهل الإسكندرية صحيح تمامًا.

نحتاج إلى بيان روح الإسلام العظيم وسماحته ورفقه بعباد الله، وهذا يحتاج أولاً إلى فهم الدين وليس حفظه ونقله الفتاوى عن السابقين، بل هم اجتهدوا الأحكام وفهموها واستنبطوها وفق ظروفهم وأحوالهم ومتطلبات عصرهم.. قلدوهم واتخذوهم قدوة حسنة واجتهدوا مثلهم وافهموا الأحكام واستنبطوها.. يرحمكم ويرحمنا الله.

تعليقات القراء