قُل الغزو العربى ولا تَقُل الفتح الإسلامى لمصر

يرحمكم الله - المقال - محمد داوود

لماذا نقول الفتح الإسلامى ولا نقول الغزو العربى لمصر؟! هل ينتشر الإسلام بالغزو والتوسع؟! كيف يتفق القول «فتح مصر» مع ما يفعله الدواعش الآن؟!

نحن نقول الفتح الإسلامى لمصر بقيادة عمرو بن العاص، وهكذا نُعلِّم أولادنا فى المدارس، ونعبِّر بأقلامنا وفى كلامنا، كما نقول فتح الأندلس ولا نقول غزو الأندلس، وما يزال المسلمون الذين تشربوا بمفاهيم الخطاب الدينى الحالى ينظرون للأندلس -أسبانيا الآن- بأسى وحزن باعتبارها مُلكًا ضائعًا، بل كحق سليب، حتى رأينا فى بعض مظاهرات «دقنجية» الثورة شعارات العودة للأندلس، مع أن تلك البلاد كانت قد غزاها العرب أصلاً بمساعدة كبيرة من الأمازيغ «البربر».
والذين يرون أنفسهم معتدلين من المسلمين، يكتفون فقط بالأسى لفشل الوجود العربى بالأندلس فى تعريب أهلها أو إدخالهم فى الإسلام، معتبرين أن التواجد العربى هناك كان مدعومًا إلهيًّا بهدف نشر الدين، متجاهلين أو غير عارفين تفاصيل تاريخية عديدة تؤكد أنه كان غزوًا، ولم يكن الدين سوى مطيَّة لتحقيق أهداف دنيوية، كفى دليلاً على ذلك الانقسامات والحروب الدموية العديدة التى جرت بين ممالك وطوائف من المسلمين، وهؤلاء تحالفوا بين حين وآخر مع ممالك وطوائف مسيحية فى البلد نفسه، ومن مدة غير طويلة قدم عمرو خالد برنامجًا رمضانيًّا حول تاريخ الأندلس، تجسدت فيه الكثير من مفاهيم الخطاب الدينى الحالى المرتبطة بالغزو والتوسع.


والغزو كلمة صريحة لوصف الاستيلاء على البلاد، لكنه فى شأن غزو العرب لمصر وكثير من البلاد كالأندلس حمل معه الإسلام، وتقليديًّا يبرع سدنة الخطاب الدينى الحالى، والمتحمسون من أتباعه فى نفى الانتشار بحد السيف عن الدين الإسلامى، ويقولون فيما يقدمون من حجج إن أجزاء كبيرة من آسيا وإفريقيا انتشر فيها الدين بالدعوة فقط، دون غزو وقتال، وهذا صحيح، وهو يؤيد وجهة نظرنا.


الدين -أىّ دين- هو أساسًا مجموعة معتقدات، الدين فكرة، ولا حاجة للقوة والقتال فى سبيل نشر الأفكار، الحاجة هنا للدعوة، القوة تفيد فى سياق معين حسب الظروف، لكن الأفكار يمكنها دائمًا الانتشار بلا قوة، والإسلام كأىِّ دين لم يكن بحاجة للقوة كى ينتشر، والآن، إن شئت فاذهب وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن جادلك أحد بأن الإسلام كان بحاجة للقوة فى وقت سابق، فذكره بانتشار المسيحية بالدعوة فى وقت أسبق حتى تغلبت بلا سلاح على الإمبراطورية الرومانية وأعلن إمبراطورها قسطنطين الأول اعتناق المسيحية، هنا اقترنت الفكرة بالقوة، لكنها انتشرت أصلاً بلا قوة، أو قل انتصرت بقوة الإقناع على اضطهاد الدولة الرومانية القوية.


وقد ترى أن رفع شعار العودة للأندلس كان نكتة «دقنجية» عابرة فى خضم أحداث ما بعد ثورة يناير، لكن ما وراء هذه «النكتة» دال على عقل الرجعية الدينية المتناقض الذى ينفى عن الإسلام الانتشار بحد السيف، ويريد العودة إلى الأندلس باعتبار أن الغزو يجب أن يحدث مرة أخرى فتحًا إسلاميًّا لنشر الدين.

الخطاب الدينى الحالى يحوِّل الدين إلى وتر حساس، ويجيد العزف عليه، بتشكيل العقول على التحيز العاطفى دون محاولة تحرى الموضوعية، خصوصًا وأن مصر من البلاد التى قبلت العروبة أيضًا مع الإسلام، هكذا نقول فتح مصر بديلاً عن حقيقة غزو القبائل العربية القادمة من شبه جزيرتها القاحلة إلى الوادى الزراعى المستقر الغنى بثرواته الحضارية، من أجل التوسع والثروة، وهذه سُنَّة تاريخية تحدث عنها ابن خلدون فى مقدمته الشهيرة، أن تطمع القبائل الرعوية القوية الخشنة الفقيرة فى الوديان المستقرة التى أصابها استرخاء التمدن وليونة الحضارة، حدث هذا من قبل فى غزو الهكسوس لمصر، وفى اجتياح المغول للعالم كله، الحال فى الإسلام أن إنشاء الدولة وتوسعها ارتبطا بالدين، وكانت راية الدين سبيلاً للحشد، وشحذ الهمم، والتوسع، كان الدين وسيلة، وكان لا بد من تسويغ ذلك بالقول إن نشره هو الغاية من التوسع.

ما أهمية ذلك الطرح؟!، نورد هذا السؤال قبل أن يلقيه أحد أنصار الرجعية الدينية هروبًا ومراوغة قائلاً إن الزمن تجاوز الأمر ولا حاجة للكلام فيه الآن، والأهمية واضحة؛ الإرهاب يؤسس وجوده على منظومة مفاهيم متكاملة، منها الخلط بين نشر الدين والحروب التوسعية المتعلقة بالصراع بين الجماعات البشرية، ولا خلاص من أذى ذلك الخطاب إلا بالكشف عن مفاهيمه وأكاذيبه التى صاغت العقول المتحيزة التى تخلط السياسة بالدين، وجعلت نشره رهنًا بالقتل والقتال كما يتوهم الدواعش، لهذا وذاك، اقطع الوتر الحساس المزروع داخلك، لا تسمح لأحد باستغلاله والعزف عليه، لا تكن ظهيرًا مساندًا لداعش بمفاهيمك، قل الغزو العربى لمصر ولا تقل الفتح الإسلامى لمصر.

تعليقات القراء