تراجـع دونالـد ترامـب العالـمى الخـطير

المقال - بريت ستيفنز

لماذا يستمر ترامب فى التراجع وخفض الوجود العسكرى فى كثير من مناطق النفوذ الأمريكى؟

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»
«يوروفايتر تايفون» هى طائرة الخطوط الأمامية المقاتلة الأولى فى ألمانيا، وقد أفادت مجلة «دير شبيجل» هذا الأسبوع أن ٤ فقط من طائرات «تايفون» الـ١٢٨ الخاصة بالقوات الجوية الألمانية جاهزة للقتال. لقد أصابت فى قراءة هذا الرقم: ٤. إضافة إلى ذلك فمن بين ٦ غواصات تمتلكها البحرية الألمانية ما من واحدة جاهزة للإبحار، و٩٥ فقط من أصل ٢٤٤ دبابة قتالية جاهزة للتشغيل. فى هذه المرحلة على الأرجح تستطيع لوكسمبرج غزو ألمانيا.هل ينبغى لأحد أن يهتم جديًّا بأن ألمانيا، برابع أقوى اقتصاد فى العالم، ستكون غير قادرة على الدفاع عن نفسها فى حالة الحرب، ناهيك بالوفاء بالالتزامات التعاهدية للناتو؟ ليس إذا كان كل ما تفكر فيه هو كيف سيتملص ترامب من كذبة يحتمل أن تدينه باختلاقه أخرى.


ولكن فلاديمير بوتين دون شك يهتم، وكذلك ترامب. إنه خليط سام.


إن ضعف ألمانيا العسكرى المتعمد والمستديم تذكير بمدى عدم جاهزية أغلب العالم للتفكك المستمر للنظام العالمى، والذى يتصف باتجاهين واضحَين: ديكتاتوريات متجرأة وديمقراطيات تتفادى المخاطر وتنظر داخليًّا.


وعن الاتجاه الأول فبشار الأسد مستمر فى التقدم ضد خصومه فى سوريا على الرغم من ضربات الولايات المتحدة الصاروخية الفارغة الشهر الماضى. وينتوى الكرملين، حسبما أفادت تقارير، تزويد الأسد بأنظمة مضادة للطائرات متطورة للدفاع ضد الهجمات الإسرائيلية. وتستعد إسرائيل للحرب مع إيران ووكلائها المسلحين فى لبنان، حتى فى ظل الهجوم عليها فى الإعلام، لدفاعها عن سياجها الحدودى مع غزة.


وفى غير ذلك من الأماكن، تجلس روسيا لا يتحرش بها أحد لغزوها أوكرانيا، وتستمر بيكين فى عسكرة جزر اصطناعية فى بحر الصين الجنوبى من خلال نشر صواريخ أرضية- جوية وصواريخ مضادة للطائرات بها حسبما أفادت التقارير، ودفعت تركيا بدباباتها فى سوريا ضد القوات الكردية الحليفة للولايات المتحدة -أولئك الذين قاموا بأغلب قتالنا ضد «داعش»- أمام احتجاج أمريكى ضئيل.


وفى مقابل ذلك يقف رئيس أمريكى غرائزه الحاكمة فى السياسة الخارجية التبجح والتراجع.


خلال الشهر الماضى أو نحو ذلك قال ترامب إنه يريد سحب القوات الأمريكية من سوريا وهى الآن الرادع الرئيسى ضد الأتراك، ولكن يبدو أن الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، قد أقنعه بأن لا يخرجها بعد. ويفرض مفاوضو الإدارة التجاريون إعادة تفاوض لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «نافتا» الأمر الذى يبدو أنه محسوب ليدعو إلى الرفض من قبَل المشرعين فى المكسيك أو كندا وربما أيضًا الكونجرس الأمريكى. وإذا قاموا بذلك قد يعلن ترامب أن الاتفاقية التجارية غير معمول بها سواء أكان هذا قانونيًّا أم لا.


ثم هناك كوريا الجنوبية، فقد روى مارك لاندر من جريدة «نيويورك تايمز» الأخبار المذهلة غير المستغربة تمامًا بأن ترامب قد أمر البنتاجون بتحضير اختيارات لسحب على الأقل بعض من الـ٢٨،٥٠٠ من القوات الأمريكية من شبه الجزيرة.


لماذا الآن؟ جزء من الرد هو أن ترامب يحاول إرغام سول على دفع فاتورة الوجود العسكرى الأمريكى. ولكن سول أصلًا تدفع نصف التكاليف الأمريكية وتمتلك واحدًا من أكبر الجيوش فى العالم. فعلى عكس ألمانيا ليست متسكعة عسكريًّا.


وهناك إجابة أرجح وهى أن ترامب يرى الانسحاب الأمريكى كإنجاز فى حد ذاته ويأمل أن تكون بطاقته اتفاقية سلام مع الشمال.


هذا هو نوع الخطأ الدبلوماسى الكلاسيكى الذى إذا كان قد ارتكبه رئيس ديمقراطى لكان قد أنتج إدانات رعدية من أشخاص مثل جون بولتون ومايك بومبيو. فها نحن أمام إدارة تضغط على حليف قريب وترسل شروطنا للتفاوض عبر برقيات لعدو قاتل. وتوقعوا أن تطالب بيونج يانج بانسحابات أمريكية كبرى ثمنًا لها نظير الوعود بالسلام ونزع السلاح النووى. وستشعر بيكين، التى لطالما استهدفت دفع الولايات المتحدة خارج شرق آسيا، بسعادة غامرة.


إن السردية المضادة الخاصة بالحزب الجمهورى هى أن ترامب قد روع كيم بالعقوبات والتهديدات العسكرية. أرجوكم: كيم يقوم بنفس اللعبة التى قام بها والده وجده. والرئيس ببساطة ليس ليبراليًّا دوليًّا من طراز هارى ترومان تشغله رفاهية العالم الحر. إنه تاجر وطنى يؤمن بـ«نصيبنا إيه؟» أو بمعنى أدق «نصيبى إيه؟». تلك قناعته الرئيسية على الأقل لمدة ٣٠ عامًا إن لم تكن طيلة حياته.


ودعونا نختتم ببعض الأسئلة لمؤيدى الرئيس من اليمين.


هل لدى ترامب أى هدف فى كوريا أكبر من إيجاد حجة لخروج عسكرى واكتساب لحظة مجد فى السكة؟


هل لديه استراتيجية مفصلة تجاه إيران غير التخلى عن الاتفاق النووى وتمنى شروط أفضل؟


هل الخطة فى سوريا السماح للأسد -ورعاته الإيرانيين والروس- بالفوز وترك الإسرائيليين وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين ليتعاملوا مع التداعيات؟


هل ثمة تصور لنظام تجارة أمريكى شمالى فى حال انهيار «نافتا»؟


لقد تعلم العالم يوم ١ سبتمبر عام ١٩٣٩ إلى أين تقود عقلية «كل بلد من أجل نفسه». ويقودنا رئيسنا العنيد والمجروح سياسيًّا إلى هناك مجددًا. تحذير للبلاد التى اعتمد طويلًا وبتكاسل على وعود «السلام الأمريكى»: لقد غادر الشرطى. أنتم وحدكم مجددًا....


بريت ستيفنز
صحفى ومحرر ومعلق سياسى أمريكى، يكتب عمودين أسبوعيًّا فى جريدة «نيويورك تايمز»، كما يشارك بالتعليق فى قناة «إن بى سى نيوز»، وسبق له العمل كنائب محرر صفحة الآراء بجريدة «وول ستريت جورنال»، ورأس تحرير جريدة «جيروسالم بوست» الإسرائيلية بين ٢٠٠٢ و٢٠٠٤، وفاز بجائزة «بوليتزر» للتعليق عام ٢٠١٣.

تعليقات القراء