الدولة تريد نظام تعليم «ديمقراطى» من دون حوار «ديمقراطى» حول تفاصيله!

المقال - حسام مؤنس

هل يستطيع المعلمون أداء دورهم فى النظام التعليمى الجديد؟ لماذا ساد الكثير من التشكك والقلق لدى قطاعات واسعة من المواطنين؟ هل الوجاهة الاجتماعية وتعزيز الهوية مسائل تخص الطبقة الوسطى والفقيرة فقط؟

أثارت التصريحات المنقولة عن وزير التربية والتعليم فى مؤتمره الصحفى الأسبوع الماضى موجة واسعة من التساؤلات والانتقادات، والتى جاء جانب منها معارضا للتوجهات والقرارات التى أعلنها الوزير، لكن جانبا آخر منها بدا قلقا من فكرة التغيير فى حد ذاتها، وجانبا ثالثا بدا متشككا فى القدرة على تطبيق ما طرحه الوزير ومدى توافر إمكاناته، بينما كان جانب رابع ينتقد دون اطلاع كافٍ وقراءة مدققة لما قاله الوزير واكتفى بقراءة عناوين عامة لم تنقل مجمل ما أعلنه الوزير.ورغم التفهم الكامل للتشكك الدائم من قطاع واسع من المصريين فى أى إجراء تعلنه الحكومات المصرية المتعاقبة فى ظل تاريخ طويل من الممارسات السلبية التى تعصف دائما بالمواطن وتأخذه من سيئ إلى أسوأ، فإن مضمون التصور الذى يطرحه وزير التعليم الحالى د.طارق شوقى يبدو خطوة جادة على طريق تطوير النظام التعليمى، ومع التفهم الكامل لاختلاف البعض مع فكرة تعريب التعليم والمناهج فى المرحلة الأساسية للتعليم وهى الابتدائية، والقلق من أن يؤثر ذلك على قدرات ومهارات الطالب ومدى تأهيله فى سوق العمل، إلا أن بناء التمكن اللغوى للطلاب فى المدارس الحكومية على الأقل يبدو أمرا بالغ الأهمية، خصوصا أن ما أثير حول أن ذلك سوف يطبق على من درسوا وفقا للنظام القائم حاليا فى المدارس التجريبية أو اللغات سيتأثرون بتطبيقات النظام الجديد لم يكن دقيقا، وإنما سيطبق على الدفعات الجديدة بدءا من عام 2019، فضلا عما أعلن عن استمرار تعليم اللغة الإنجليزية فى كل المدارس الحكومية والتجريبية، والانتقال لتدريس المواد العلمية باللغة الإنجليزية بدءا من المرحلة الإعدادية.


ورغم أن هذه القضية التى أثارت الجدل الأكبر على مدى الأسبوع الماضى، بين معارضة وتخوف وتشكك وعدم فهم، فإنها تبدو واحدة من عدة نقاط أخرى تتعلق بنظام التعليم والمناهج والمضمون الذى يتم تقديمه للطلاب، ومع ذلك فإن تلك النقطة التى أثارت إزعاج كثير من الأهالى وأولياء الأمور جرى تسويقها بمنطق أن التعليم باللغات الأجنبية يبدو نوعا من الرفاهية أو الوجاهة الاجتماعية بحسب تعبيرات الوزير، الذى وصلت بعض تصريحاته لدعوة من يرغب فى ذلك فى التعليم بالخارج، والحقيقة أن تعلم اللغات وبالذات الإنجليزية صار شرطا من شروط التأهيل لسوق العمل فى العصر الحالى، وذلك واقع بغض النظر عن رضانا عنه من عدمه، وتغييره أو تعديله لا يمكن أن يتم فقط بمجرد أن نقرر التدريس باللغة العربية، فالمسألة هنا تتعلق بالتوجه نحو نهضة علمية شاملة قبل أن نقصر الأمر على الملف التعليمى، وهو ما لا يبدو أنه مطروح بالأساس على السلطة الحالية أو من وزير التعليم، على الأقل فى سياق ما نتحدث فيه، لكن الأدهى هو أن يتم ترويج فكرة إيجابية يمكن أن تجد لها مؤيدين حول تأجيل الدارسة للعلوم باللغة الأجنبية إلى المرحلة الإعدادية فى مقابل تعميم ذلك على كل المدارس الحكومية وليست التجريبية فقط، باعتبار ذلك مجرد وجاهة اجتماعية وليس رغبة فى الاستثمار فى مستقبل الأطفال والنشء وتعليمهم بطريقة تؤهلهم بالحد الأدنى الممكن لسوق العمل.. كما يبدو أيضا الحديث عن فكرة تعزيز الهوية مفرغا فى الحقيقة من مضمونه فى سياق ما طرح، فصحيح أن اللغة هى واحدة من أهم مكونات تعزيز الهوية، لكنها فى ذات الوقت ليست الجانب الوحيد، وهو أمر ينعكس على مجمل الممارسات القائمة فى الدولة بشكل عام، كما أنها لا تأتى فى مواجهة أهمية تعلم اللغات الأخرى والتمكن من دراسة العلوم باللغة والطريقة التى تؤهل الطالب فى المراحل المختلفة لتوسيع معارفه ومداركه وتمكينه من الاطلاع خارج المناهج التعليمية بحسب اهتماماته ورغباته، ثم إن المذهل أن يصبح الحديث عن تعزيز الهوية وعن الوجاهة الاجتماعية دائرا حول قطاعات من أولياء الأمور والأهالى الذين يدخلون أبناءهم لمدارس تجريبية وليست مدارس اللغات أو المدارس الدولية التى تدرس مناهج غير مصرية وبلغات غير مصرية!


ثم تأتى تصريحات الوزير أيضا حول أنه ليس هناك مجال للتظاهر فى مواجهة رؤية النظام التعليمى الجديد، باعتبارها حسب طرحه رؤية الدولة وفى هذه الحالة يكون التظاهر فى مواجهة الدولة وبالتالى يصبح المصير السجن، ليلقى بالكثير من الظلال حول مدى جدية تبنى وزير يطلق مثل تلك التصريحات لرؤية تعليمية يفترض أنها قائمة على تشجيع قيم مثل الإبداع والتشاركية والعمل الجماعى والديمقراطية، وهو ما لا يتسق أبدا مع مثل ذلك التصريح، لكنه فى الحقيقة يعكس منهجا من التفكير والممارسة التى تتمتع بها تلك السلطة فى المجمل فى الموقف من الحريات والديمقراطية وفكرة مشاركة المواطن بالرأى فى أى قضية.


ورغم أن تقدير كاتب هذه السطور حتى الآن يبدو إيجابيا إلى حد كبير تجاه ما يطرحه وزير التعليم من تصور بخصوص النظام التعليمى نفسه وطبيعة المناهج وشكل التعليم، وبالتأكيد لا يمتد ذلك إلى الطريقة والأسلوب الذى يقدم ويسوق به الوزير هذا التصور وتصريحاته التى تبدو منفلتة فى مواجهة معارضين أو حتى متسائلين حول بعض النقاط، فإن مشكلة غياب الحوار فى المجتمع وتهميش القوى الحية وضعف التمثيل المؤسسى المنظم لقطاعات عديدة من المجتمع، بما فى ذلك أولياء الأمور ونقابات المعلمين وغيرها، يبدو معضلة أساسية فى مثل هذا الملف، وهو ما يأتى نتيجة لمجمل السياسات السلطوية القائمة على مدى السنوات الماضية، لكن الأخطر هو التعامل معه بهذه الطريقة، واعتبار أن تفاصيل ملف التعليم ونظامه مجرد مسألة تقنية.


لكن يبقى مع ذلك كله وهو الأهم مدى القدرة على تطبيق الأفكار المطروحة للنظام التعليمى الجديد، ومدى تأهيل المعلمين للتمكن من أداء دورهم فى مثل هذا النظام الجديد، ومع ذلك كله مخاطر أن يتسبب النظام التعليمى الجديد فى وضع أولياء الأمور أمام أمر واقع يدفعهم اضطرارا للبحث عن فرص تعليم أبنائهم فى مدارس اللغات أو المدارس الدولية فى ظل كلفتها المرتفعة، أو استغلال مثل تلك المدارس لهذا الوضع إذا لم يتم تطبيقه بشكل صحيح وناجح ورفع تكاليف التعليم فيها، وهى كلها مسائل تستحق النقاش والحوار مع ما يسميه الوزير «رؤية دولة» فهذه الرؤية بالتأكيد ليست وحيا من السماء ولا تلك الدولة إله لا يمكن معارضته أو الاختلاف معه أو حتى النقاش لضمان تحسين نقاط الضعف أو معالجة المخاوف الواردة من النظام الجديد الذى يتم طرحه، ثم الأهم هو مدى استعداد سلطة هى بحكم تكوينها وممارساتها مستبدة إلى تطبيق نظام يفترض وفقا لما يطرح أنه يقوم على تعليم وترسيخ قيم تنتمى للفهم الحديث الذى يجعل من التعليم عملية تشاركية وتفاعلية ومفتوحة وديمقراطية.. هذه التساؤلات كلها، وغيرها من التخوفات أو الملاحظات التى تعد محل اعتبار وتقدير من خبراء ومواطنين لابد أن تؤخذ فى الاعتبار، لا أن تعتبر ترفا، ولا وجاهة اجتماعية، ولا مؤامرة فى مواجهة الدولة، خصوصا أن قضايا وملفات مثل التعليم والصحة لا يمكن تأميم الاهتمام العام بها مثلما جرى مثلا مع قضايا السياسة والحريات.

تعليقات القراء