خرافة الإعجاز العلمى بين رشاد خليفة وزغلول النجار

المقال - محمد زكى الشيمى

كيف تحكمت فينا ثقافة الفشل؟ هل تعلم أن مؤسس الإعجاز العملى مدعى نبوة؟! كيف تم دعم رشاد خليفة ثم اغتياله على يد من دعموه؟

جزء رئيسى من مكونات ثقافة الفشل هو الفهلوة والدجل، وإلقاء المسؤولية فى أى قضية على القدر بدلاً من الرجوع لأسبابها العلمية.

الدجل -إذن- واحد من المكونات الرئيسية لعقلية الأمة الفاشلة، والدجل يقوم أساسًا على مجموعة أكاذيب يتم الترويج لها بحيث تبدو مقنعة للمتلقى نتيجة تقديسه أو تعظيمه لمن يخاطبه أو نتيجة إيهامه بكون هذا الدجل حقائق علمية، لن تجد شعبًا من الشعوب الناجحة فى العالم يتصور قطاع كبير منه أن السبب الرئيسى فى مشكلته هى «عين وصابته» أو أنه كلما أنتج الإهمال كارثة يكون الرد «قضاء وقدر، أو قدّر ولطف» …إلخ.

هذه الأشياء كلها مكونات لثقافة الفشل لكن يبقى الإيمان بالخزعبلات والدجل هو علامة مميزة لمجتمعنا، ورغم أن الدجالين كانوا قديما يكتفون بخزعبلات من عينة تفسير الأحلام، وإبطال الحسد، ووقف الأعمال السفلية …إلخ، فإنهم مع انطلاق ما أُطلق عليه الصحوة الدينية مطلع السبعينيات التى كانت فى الواقع صحوة لعقلية الخرافة والدجل فإن هؤلاء الدجالين انطلقوا لاستكشاف مجالات جديدة بدأت بخرافة الاقتصاد الإسلامى ثم خرافة الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة ثم إحياء أنواع أخرى كعلاج جميع الأمراض بالسواك وحبة البركة والعسل، ثم وجود عدد كبير من المعاتيه يستخدمون أى نص دينى هنا أو هناك للتكسب منه مثل ذلك الشخص الذى قرر اختراع طريقة لعمل حمية غذائية «ريجيم» فأطلق عليها اسم نظام «اللقيمات» مستندا لنص «حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده» ليطلق قداسة على نظامه، بل بلغت به الوقاحة أن قال عنه إنه نموذج من الطب النبوى.

كل هذا الهراء هو نتيجة خرافة كبرى اسمها الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة قامت بالكامل منذ تأسيسها مطلع السبعينيات على أكتاف مجموعة من الدجالين والنصابين:

هل تعرف من الذى أطلق هذه النظرية؟ إنه شخص أمريكى من أصل مصرى هو الدكتور رشاد خليفة الذى كان عالم كيمياء حيوية هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1959 وبدأ منذ عام 1968 فى طريقة استخدام جديدة وقتها وهى الكمبيوتر لتأسيس معادلات رياضية وأكواد اعتبرها أكوادا قرآنية اعتمادا على عدد الآيات وأرقامها.

ظهر رشاد خليفة فى الدوريات المصرية فى يناير 1973 «مجلة آخر ساعة» كانت ظروف الهزيمة وعقلية الخوف والالتجاء لللخزعبلات قد بدأت ماكينتها فى الانطلاق فوجد تشجيعا وترحيبا لخزعبلاته تلك تواصل عندما استمر نشر أبحاثه والترويج لها، كانت معظم أبحاثه تدور عن شفرة سرية فى القرآن حول الرقم 19 وتدور حول أرقام وحسابات مختلفة وأصدر بها كتابه «معجزة القرآن» عام 1973 وتتابعت بعدها كتبه حيث أصدر خمسة كتب فى الثمانينيات.

تم الاحتفاء بهذا الدجل بشكل كبير مع تعظيمه باعتبار صاحبه عالمًا ومتخصصًا فى الكيمياء الحيوية، وباعتباره يعيش فى الخارج، وباعتبار أنه لا يمكن إنكار أى سبيل يقود إلى الإيمان …إلخ، فتحول هذا لمحاولة إكساب هذا الهراء صفة العلم من جهة وصفة القداسة من جهة أخرى، واشترك علماء السنة فى تمجيد هذه الخزعبلات رغم علمهم أن هذا الكلام أساسه هراء لأن جمع المصحف وترتيبه عمل بشرى تم فى عهد أبى بكر، كما أن توحيد المصحف عمل بشرى أيضا تم فى عهد عثمان، وبرغم علمهم أن الكود الرقمى مبنى على طريقة العربية التى أسسها بشر بعلامات التنقيط والشد والتنوين التى وضعها بشر هم أبو الأسود الدؤلى والخليل بن أحمد الفراهيدى ثم نصر بن عاصم فى عهد الحجاج بن يوسف، وهكذا، فكيف يتفق وجود كود إلهى مع هذا كله؟! ولكنه الدجل وتجهيل الناس المعتاد.

قاد هذا الاحتفاء إلى معركة لاحقا نتيجة إنكار رشاد خليفة لحجية الأحاديث والسنة، معتبرا أن الإعجاز القرآنى يكفى مما قلب عليه أصدقاؤه القدامى الذين روّجوا له، ولكنه استخدم مسجد توسكان فى أريزونا مقرًّا لنشر أفكاره، ثم كانت القطيعة الكبرى عندما أعلن رشاد خليفة أنه رسول الله «رسول الميثاق» استنادًا للآية 81 من سورة آل عمران: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ» وبالطبع لم تتفق بعض الآيات مع الأكواد الموضوعة فى نظريته فتوصل إلى أن بعض الآيات كالآيات 128 و129 من سورة التوبة موضوعة، فكان رد من روجوا لهذا الهراء من البداية أن أصدروا فتوى بقتله، فقد أصدر القرضاوى ومن قبله عبد العزيز بن باز فتوى بقتله الذى تم فى النهاية داخل مسجده طعنًا عام 1990.

ولكن رشاد خليفة كشف لهؤلاء بابًا للدجل فقد تأسست هيئة كاملة باسم هيئة الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة، واتخذت من منهج الدجل طريقة لتثبيت المعتقدات بالدجل والزيف، وتعلموا الطريقة من رشاد خليفة، فإن هى إلا أن تجمع أرقام آيات أو تطرحها أو تقسمها أو تحول الآيات إلى حروف بكود رقمى، أو أن تُؤَوِّل أى آية بمعانٍ لا علاقة لها بالمعنى الأصلى …إلخ.

وهكذا طرحوا علينا زغلول النجار بنفس التقديمة باعتباره عالم جيولوجيا وباعتباره درس بالخارج، فكانوا يقولون بكل فخر إن زغلول النجار عمل كمدير لمعهد مارك فيلد للدراسات ببريطانيا، لكى تشعر بأنه قامة علمية عظيمة فى الجيولوجيا والعلم دون أن يخبروك أن المعهد تأسس عام 2000 وأنه تابع للمؤسسة الإسلامية فى بريطانيا التى تم تأسيسها عام 1973 للترويج للأنشطة المشابهة، وأصبح الرجل يكتب المقالات ويلقى المحاضرات ويظهر فى الحلقات التلفزيونية ليهين العلم فى كل كلمة يكتبها ويقولها دون أن يستطيع أحد أن يقول له كفى تجرؤًا على العلم، ولا استطاع أحد إلا قلة أن يخرجوا ليكشفوا أكاذيبه ودجله.

وهكذا صنعنا صنمًا جديدًا من الأصنام يضاف إلى أصنام الفقه وقواعده وإلى البخارى ومسلم، وإلى الإجماع …إلخ، وهو صنم الإعجاز العلمى، ولكن أغرب ما فى هذا الصنم أنه تم بناؤه طوبة طوبة أمام أعيننا ولم نستلمه على المفتاح لنعبده من الأجيال السابقة كغيره.

تعليقات القراء