خالد منتصر يكتب: «جمهورية كأن» كيف تكتب رواية رديئة بدون معلم؟!

الوطن - د. خالد منتصر 

العمل الفنى ليس بنبل القضية التى تتناولها ولا بأهميتها ولا بعظمتها أو فخامتها أو قوة تأثيرها، العمل الفنى لا بد وبالضرورة أن يكون فناً أولاً، بالأسلوب وبالتناول وبالسحر الداخلى والإيقاع المخبوء خلف السطور، حتى ولو كتبت عن أبسط الأشياء وأكثرها تفاهة، فليس معنى أن تكتب قصيدة عن فلسطين أنها صارت بالضرورة قصيدة جيدة، وليس معنى أن تكتب رواية عن الثورة أن يضمن لها ذلك النجاح والمصداقية، من الممكن جداً أن تكتب قصة عن دودة أو حشرة مسخ كما كتب كافكا وتخلد هذه القصة عبر التاريخ وتصبح من أيقونات الفن القصصى فى العالم كله، ولا يعنى رسمك لحذاء قديم ممزق أنك لست فناناً عظيماً فقد فعلها فان جوخ وصار أشهر الفنانين التشكيليين وصارت تلك اللوحة من ضمن الأغلى والأعلى ثمناً والأكثر قيمة مادياً وفنياً، مقدمة ضرورية حتى أتجنب التقييم الساذج لرواية الكاتب علاء الأسوانى الجديدة على أساس أنها تؤرخ لثورة يناير روائياً، وهذا يضمن لها الجودة أوتوماتيكياً، فمن الممكن أن يكون تأريخ الأسوانى فى نفس قيمة تأريخ حمادة هلال حين غنى شهداء يناير ماتوا فى أحداث يناير، وماتت الأغنية الهلالية كما ستموت الرواية الأسوانية.

فالحقيقة أن رواية «جمهورية كأن» رواية فى منتهى الرداءة والسذاجة والمباشرة الفنية أو بالأصح اللافنية، فالفرق كبير بين المقال السياسى المباشر وما بين الرواية، وما بين التأريخ الفنى ووثائق الشهر العقارى، وما بين سرد فنى لنضال سياسى وثرثرة مقاهٍ وصالونات، وما بين شهادات على شهداء وقراءة صفحة وفيات!! كنت أظن أن رواية «نادى السيارات» هى مجرد كبوة فى مسيرة علاء الأسوانى الروائية، وأنها ستكون آخر الرداءات الروائية والعبث الفنى، وكتبت محذراً من نضوب بئر الإبداع الروائى من فرط جاذبية نداهة السياسة، ولكن اتضح لى أن هذا الجفاف الإبداعى هو الأصل والتصحر الروائى هو الجذر، لدرجة أننى بدأت أشك فى أن بعض الأعمال السابقة التى أعجبتنى وكتبت عنها فى حينها ليست بقلم علاء الأسوانى، فلا يمكن ولا أستطيع استيعاب أن يكون هو نفسه كاتب تلك الهلاوس والضلالات فى روايته الأخيرة، هل التضخم الطاووسى هو الذى جعله يتخيل أن كل ما يتبوله قلمه على الورق فناً لأنه بتوقيع علاء الأسوانى؟! هل ابتعاده عن أضواء الكاميرات والاستوديوهات وغياب رنات الموبايل من معدى برامج الفضائيات هو السبب الخفى؟

هل هو انهيار أحلامه فى مناصب ما أو تلميعات ما أو لسقوطه السريع من على الحجر الإخوانى برغم المصافحات والسلامات وترويجات الفصيل الوطنى المساند فى الميدان ثم تهميشه بعد 30 يونيو هو الدافع لهذا السلق الروائى الصارخ حتى يقول أنا هنا؟

أنا غير متأكد من السبب الحقيقى ولست خبيراً بالنوايا، لكن المتأكد منه هو أننى أمام عمل ينتمى إلى الروبابيكيا القصصية والاستمناء الروائى وبامتياز، رواية مفككة زاعقة بسذاجة فنية بالغة وغشومية فكرية تثير الرثاء على من تخيلناه يوماً مفكراً كبيراً ومحللاً عتويلاً ومنظراً فلسفياً عنتيلاً، كان مقرراً علينا ليل نهار فى الفضائيات يقدمه إلينا أصدقاؤه الإعلاميون كواحد من أحفاد برتراند راسل أو فولتير، ويحاولون تسويقه على أنه كوكتيل من هيكل وأحمد بهاء الدين! الرواية لا تستطيع أن تقول عنها إنها رواية رمزية، فهناك شخصيات واضحة وضوح الشمس لا تحتاج تلك الألعاب البهلوانية الروائية لكى تتعرف على ملامحها، ويكاد الأسوانى يكتب أسماءهم صراحة لولا دواعى الحبكة الروائية، وحتى لا يكتشف القراء أنه جمع مقالاته السياسية وقام بقصها ولصقها ليتحول من روائى إلى ترزى مقالات عربى، من نوعية هلاهيل الموسكى وبالات المنطقة الحرة! وقد مارس هذا فى روايته «عمارة يعقوبيان»،

ووقع القراء فى فخ من هو فلان الوزير ومن هو علان الصحفى..إلخ وأخذتهم نشوة الفوازير عن الانتباه إلى البناء غير المتماسك نفسه، فليس صعباً أن نخمن من هو علوانى رئيس الجهاز، ومن هو شنوانى تاجر السيراميك وصاحب القناة الموالية للدولة الكارهة للثورة..إلخ، لكن هذا التشابه ليس هو سبب الرداءة، فمن الممكن الإيحاء والرمز والاستلهام، لكنها الفجاجة فى العرض هى المشكلة، ومحاولة الصراخ «خدوا بالكم ده فلان» هى التى تجعل بين القارئ والرواية سداً من الادعاء والكذب واستعراض العضلات الروائية المحقونة بهرمونات الغل والسواد، حتى الألفاظ الجنسية الصريحة ليست هى الصادمة، لأنها غير موظفة فنياً على الإطلاق، لا فرق بين كاتب الرواية فى استخدام الألفاظ ورداحة حوش بردق، فليست الواقعية الفنية أن تصور بكاميرا شخصاً فى التواليت مثلاً أثناء قضاء الحاجة وتطلق على هذا المشهد واقعية فنية.

وكذلك الجنس الذى قرأناه فى يوسف إدريس ونجيب محفوظ وواسينى الأعرج والغيطانى.. إلخ، كان الجنس يقدم فى إطار فنى يختلف تماماً عما قدمه علاء الأسوانى، الذى قدم لنا فيلم بورنو وكمان بورنو ممل تفوح منه رائحة مراهقة برايز وزملائه أبطال فيلم ثقافى، الباحثين عن الريسيفر لاختلاس نظرة إلى ورك أو نهد فى غرزة مع الدخان الأزرق، إنها الكتابة السرية الشبيهة بالعادة السرية التى هى ليست جنساً وإنما هى كأن!! كذلك ما كتبه الأسوانى عن الجنس ليس فناً وإنما هو كأن! الفن الروائى هو أن تخلق أشخاصاً هم أبطال لرواياتك وليسوا شماعات لأفكارك، أبطال وشخصيات الرواية لا بد أن يكونوا متعددى الأبعاد، بنى آدمين، تحس معهم بوهج الحياة ولفحة النفس ونبض الشريان المتوتر، لكن شخصيات وأبطال علاء الأسوانى فى منتهى التسطيح، شخصيات كارتونية مثل كفار قريش ومسلمى زمن الهجرة فى أفلامنا الدينية، أبيض وأسود، عبدالرحمن على فى مقابل عدلى كاسب! شخصيات تذكرك بالسينما الهندية فى زمن سانجام وماسح الأحذية والفيل صديقى، بعد واحد ساذج، روبوتات يكسوها الجلد، يدوس عليها المؤلف بالأزرار ويشغلها بالزمبلك لكى تريحه من فكرته المزنوقة المحزوقة! الشخصية لا تنمو فى الرواية بل هى ساق نبات مبتورة من أرض جدباء لا خضرة إبداعية فيها ولا ماء فن يرويها، على سبيل المثال اللواء علوانى رئيس الجهاز -وهو طبعاً لا يقصد الجهاز الهضمى- وطبعاً الكل سيفهم من أول لحظة من هو رئيس الجهاز الذى كان موجوداً وقت الثورة والذى هو بشهادة الجميع كان رجلاً وطنياً شريفاً رغماً عن أنف الروائى المحترم، ولأنها رواية تلسين وليست رواية فن فأنت حتماً ستحتار هل تقرأها كرواية منزوعة الدسم الروائى أم تقرأها كوثيقة تأريخ لثورة يناير التى احتكر الوطنية فيها علاء الأسوانى وألتراسه، ولذلك فنحن مضطرون لقراءتها «دبل فيس» على الوجهين، مثل بلاطى البالة المستعملة، التى تباع فى سوق الكانتو الروائى.

هذا العلوانى الذى سنتغافل عن شخصيته الحقيقية فى الواقع ونفترض حسن نية الكاتب ونتخيل أننا أمام رواية فنية بجد ولسنا أمام مقالات مملة مللاً زائداً عن الحد، اللواء علوانى هو كمال الشناوى فى الكرنك بصورة رديئة وساذجة، كوبى بيست، وكأنك أمام عملية استنساخ روائى لكنه استنساخ لا يتم إجراؤه فى معمل ولكن فى مسمط! اللواء متعلق بابنته دانية طالبة الطب التى تحب زميلها خالد ابن السائق وليس ابن الجناينى كما فى رد قلبى، وهذا استنساخ ردىء آخر لا يرضاه السبكى ذات نفسه، كيف يخلق المؤلف الروائى الجهبذ صراعاً هندياً له مسحة مسرحيات جورج أبيض وبكائيات حسين رياض، دانية بنت رئيس أخطر جهاز فى مصر هى التى تخرج فى مظاهرات يناير وتقودها مع زميلها خالد الذى يموت برصاصة أمام عينيها، وبالطبع القاتل الحقيقى الذى من خلف الستار هو والدها سيادة اللواء! إذا سامحنا المؤلف الجهبذ العظيم على هذا الهجص الروائى فكيف نسامحه على هذا التدليس السياسى المتعمد؟ هل رئيس الجهاز يا حضرة الروائى الكبير هو الذى وافق وتآمر مع وزير الداخلية على فتح السجون وتعيين ضباط على علاقة به لفتح الزنازين بل والأدهى لديهم أوامر منه شخصياً بقتل أى ضابط من ضباط السجن يعترض على تهريب المساجين؟! أى عقل وأى منطق؟

تعليقات القراء