هل تنضم مصر إلى دول مجلس التعاون الخليجى؟

اليوم السابع - محمد حبوشه

كل الأنظار تتجه حاليا إلى ضم مصر لدول مجلس التعاون الخليجى فى المستقبل القريب، وربما كانت هذه ليست المرة الأولى التى يطرح فيها ضم دولا غير مطلة على الخليج العربى إلى مجلس التعاون، ففى أعقاب انطلاق موجة الاحتجاجات الشعبية المعروفة باسم "الربيع العربى" عام 2011، تم الإعلان عن ترحيب دول مجلس التعاون بانضمام كل من الأردن والمغرب إلى المجلس، وكان الطرح بأن يتم تشكيل مجلس أعمال خليجى أردنى وآخر مع المغرب، لكن تم التراجع عن ذلك الاقتراح.

 

ومؤخرا تحدثت مصادر خليجية عن أن دول مجلس التعاون الخليجى تدرس إعادة هيكلة المجلس لكى يسمح بانضمام دول عربية وأفريقية وبينها مصر من غير الدول المطلة على الخليج العربى، ونفت تلك المصادر أن تكون دعوة مصر للانضمام للمجلس تستهدف التأثير على محاولات التقارب بين القاهرة وطهران مستقبلا، لكن تثار تساؤلات عدة، من أبرزها ما هى إمكانية تحقيق هذه الدعوة عمليًا وواقعيًا أم إنها دعوة عاطفية؟ وهل ستلقى هذه الدعوة قبولاَ من جانب بقية الدول الأعضاء فى مجلس التعاون الخليجى؟ وما الداعى لها فى هذه المرحلة تحديدًا؟ وهل يمكن طرحها على بساط البحث خلال أعمال القمة الخليجية 2018؟، وهل يمكن أن تكون عضوية مصر فى مجلس التعاون الخليجى مقابل أمن وأمان دول الخليج فى مواجهة أى تحديات أو اعتداءات خارجية؟.

 

ربما فتحت الزيارة التاريخية والناجحة لولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، الباب من جديد إلى قرب انضمام مصر لمجلس التعاون الخليجى فى إطار تأكيد دور القاهرة فعليا فى الحفاظ على الأمن العربى حيث اعتبرت الخليج جزءا لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى والعربى، هذا وقد لاقت الزيارة ردود أفعال قوية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والترفيهية أيضاً، ومن ثم وجدت أيضاً ترحيبا واسعاً من أطراف محلية ودولية، كما تُولى واشنطن فى نفس الوقت اهتماماً كبيراً بزيارة صاحب السمو الملكى الأمير محمد بن سلمان ولى المملكة العربية السعودية للقاهرة، والتى صنفت على أنها "تاريخية" بعد أن تخطت الأهداف المنتظرة منها، حيث شهدت زيارات ميدانية لمشروعات قومية، عرض مسرحى أوبرالى، زيارة الأزهر والكنيسة، فى سابقة هى الأولى من نوعها لمسئول سعودى، فضلا عن اتفاقيات اقتصادية عدة، وهى كلها عوامل أضافت رسائل قوية للزيارة على البعدين الإقليمى والمحلى.

 

ولعل النتائج الاقتصادية هى الأبرز فى زيارة ولى العهد السعودى، حيث وقَّعت مصر والمملكة اتفاقاً لتأسيس صندوق مشترك لإقامة مشاريع فى محافظات عدة بينها جنوب سيناء وذلك ضمن خطة سعودية لبناء منطقة اقتصادية ضخمة، وأعلنت عن مشروع فى شمال غرب البلاد يشمل أراضى فى الأردن ومصر باستثمارات تبلغ أكثر من 500 مليار دولار، تحت مسمى "نيوم"، فيما تبلغ قيمة الصندوق المشترك فى الاتفاق المصرى السعودى 10 مليارات دولار، وينص الاتفاق على إقامة مشاريع فى الأراضى المصرية المشمولة بالمشروع الضخم والواقعة فى جنوب سيناء، وبحسب بيان للرئاسة المصرية فقد تم التوقيع فى إطار الزيارة على عدد من الاتفاقيات فى مجال الاستثمار وتأسيس "صندوق استثمارى مصرى - سعودى" بإجمالى مبلغ 16 مليار دولار لضخ الاستثمارات السعودية فى تلك المشروعات فى عدد من محافظات مصر، وستشارك مصر بألف كيلو متر مربع من أراضيها فى جنوب سيناء لتكون جزءاً من مشروع مدينة "نيوم" السعودية العملاقة.

 

وبحسب المسئولين فى كلا البلدين سيتم تفعيل هذا الصندوق بعد إتمام كل الإجراءات الدستورية اللازمة، كما هو متبع فى جميع الاتفاقيات الدولية التى يتم إبرامها لتمويل المشروعات التنموية فى مصر، وسوف يتشكل مجلس إدارة مشترك من الجانبين المصرى والسعودى يتولى وضع الخطط الاستراتيجية ومتابعة تنفيذ المشروعات بشكل يعمل على زيادة فعالية الأدوات الاستثمارية للصندوق، بهدف تبادل فرص الأعمال والاستثمار لزيادة الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، لتسهيل التعاون فى مجال الاستثمار وتبادل القوانين والتشريعات واللوائح وكل التطورات المتعلقة بمناخ الاستثمار فى كلا البلدين، وعقد منتديات وورش عمل ولقاءات مشتركة عن الاستثمار وتبادل بعثات الأعمال بين الطرفين لتشجيع الاستثمار وتنظيم اللقاءات التوافقية بين رجال الأعمال والشركات فى البلدين، والعمل على إزالة الصعوبات التى قد تعوق تنفيذ الاستثمارات التى ينفذها مستثمرى أى من الجانبين لدى الجانب الآخر ، ليبقى الهدف الأسمى لكل ذلك هو تحقيق التكامل الاقتصادى والاستثمارى على المستوى الثنائى بين البلدين بما يحقق مصالحهما المشتركة ويعود بالخير على شعبى البلدين، وكذلك على مستوى المنطقة لخلق تكامل إقليمى تنموى.

 

جدير بالذكر أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز كان قد شهد توقيع اتفاق لتأسيس "صندوق سعودى – مصرى" للاستثمار برأسمال 16 مليار دولار عندما زار مصر فى 2016، وذلك فى إطار إنجاز مشروع "نيوم"، الذى أعلن عنه ولى العهد السعودى العام الماضى، والذى يتطلب استثمارات قيمتها 500 مليار دولار وسيقام على 26.500 كيلو متر مربع فى شمال غرب السعودية على البحر الأحمر، ويتضمن كذلك أراض فى الجهة المقابلة فى مصر والأردن، الأمر الذى جعل زيارة ولى العهد للقاهرة تعكس وبقوة توجهات المملكة خلال المرحلة المقبلة، حيث اشتمل برنامج الزيارة المتنوع على العديد من المفاجآت، ما جعل الزيارة - كما يراها محللون - تحمل رسالة انفتاح ثقافى واجتماعى، وتفتح المجال للحوار مع الآخر وهو ما اتضح فى زيارة الكنيسة.

 

وعلى الصعيد السياسى تحمل زيارة محمد بن سلمان العديد من الرسائل كدعم التوجه الاقتصادى الجديد فى مصر بزيارة المنشآت والمشاريع الضخمة والقوية فى ظل الحقائق التى تجرى على الأرض ومنها: أن الاستثمارات السعودية الموجودة فى مصر تمثل 27% من إجمالى الاستثمارات العربية فى مصر ، والتى تبلغ 20 مليار دولار، فضلا عن أن حجم التبادل التجارى بين البلدين يصل إلى 6.3 مليار دولار، وتبلغ حجم الصادرات المصرية إلى السعودية2.3 مليار دولار، مقابل 4 مليارات دولار حجم الصادرات السعودية إلى مصر، إضافة إلى وجود 500 ألف سعودى يقيمون فى مصر، و2.3 مليون مصرى يعملون فى السعودية.

 

ومما يزيد من احتمالية انضمام مصر لدول مجلس التعاون الخليجى برأيى أن تلك الزيارة قد جاءت قبيل ثلاثة أسابيع من انتخابات الرئاسة المصرية، والتى ستُجرى من 26 إلى 28 مارس الجارى، ويبدو أن فوز السيسى بها شبه محسوم فى ظل عدم وجود أى منافس حقيقى، لكن توقيت الزيارة يدعم السيسى على الصعيدين المحلى والدولى قبيل الانتخابات المقبلة، ما يعكس اختيار مصر لتكون الوجهة الأولى لولى العهد مدى أهمية مصر للمملكة، ويدعم الاتفاق والتوافق الدائم بين البلدين تجاه عديد القضايا الإقليمية، ولقد فرضت الأزمة مع قطر نفسها على أجواء الزيارة، فى أعقاب اجتماعات جنيف، حيث أصدرت الفيدرالية العربية لحقوق الإنسان، أو "الاتحاد العربى لحقوق الإنسان"، المعروف اختصارا باسم AFHR  تقريرا خاصا عن "لجنة حقوق الإنسان الوطنية فى قطر" للرد على ما جاء فى تقارير اللجنة القطرية بشأن نتائج ما تسميه بـ"الحصار" من جانب السعودية والإمارات والبحرين ومصر على الدوحة، إذ يدحض التقرير ادعاءات قطر، ويبرهن على أن اللجنة القطرية تٌستغل سياسيا من جانب السلطات القطرية، ولا تقوم بدورها التى التزامت بها وفقا للاتفاقيات والقوانين الدولية فى دعم حقوق الإنسان بعيدا عن السياسة.

 

وهو ما اتضح من خلال تصريحات "محمد بن سلمان" على هامش الزيارة، والتى أكد فيها أن هناك عُقداً نفسية تحرك حكام قطر تجاه الدول العربية ، مشيراً إلى أن الطريقة الوحيدة لحل الأزمة مع قطر تكون على طريقة تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع كوبا عام 1959، عندما تدهورت العلاقات "الأمريكية – الكوبية" بشكل كبير بعد الثورة الكوبية المناهضة لسياسات واشنطن، وهو ما أدى إلى قطع الولايات المتحدة علاقتها مع كوبا وفرضت حظراً اقتصادياً عليها ، بدأ فى أكتوبر 1960، ولم يتم تخفيف سوى عدد من القيود خلال فترة الرئاسة الأولى لأوباما.

 

وينظر المحللون السياسيون بعين الاعتبار إلى أهمية توقيع ثلاث اتفاقيات ومذكرة تفاهم استثمارية بين البلدين فى مجالات عدة، حيث وقَّع الطرفان على اتفاقية تعاون فى مجال حماية البيئة والحد من التلوث بين وزارة البيئة فى جمهورية مصر العربية ، ووزارة البيئة والمياه والزراعة فى المملكة العربية السعودية ، كما تمّ الاتفاق على إنشاء صندوق سعودى مصرى للاستثمار بين صندوق الاستثمارات العامة فى المملكة العربية السعودية ، ووزارة الاستثمار والتعاون الدولى فى جمهورية مصر العربية، بجانب توقيع مذكرة تفاهم حول تفعيل الصندوق السعودى المصرى للاستثمار بين صندوق الاستثمارات العامة فى المملكة العربية السعودية، ووزارة الاستثمار والتعاون الدولى فى جمهورية مصر العربية، وكذا الاتفاق حول إنشاء برنامج تنفيذى للتعاون المشترك لتشجيع الاستثمار بين الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة فى جمهورية مصر العربية، والهيئة العامة للاستثمار فى المملكة العربية السعودية.

 

وبموجب الاتفاقات التى تمت فى أثناء زيارة ولى العهد السعودى للقاهرة فإن تم خلق ثلاث وجهات سياحية بين جزر وشواطئ تشمل 15 وجهة بحرية ومئات المنتجعات، وستركز مصر على نقطتى جذب هما شرم الشيخ والغردقة، أما من الجانب الأردنى فسيركز على تطوير مدينة "العقبة" ضمن استثمارات أردنية سعودية، وستعمل السعودية بالتعاون مع مصر والأردن على استقطاب شركات الملاحة والسياحة الأوروبية العاملة فى البحر المتوسط خلال فصل الصيف للعمل بعد الصيف فى البحر الأحمر، حيث تتفاوض السعودية الآن مع أكثر من سبع شركات سياحية لتنشيط الملاحة البحرية فى المنطقة ، وبحسب الدراسات ، يتدنى الطلب على الرحلات لمعظم شركات الملاحة والسياحة الملاحية العاملة فى البحر المتوسط بعد الصيف ، ويغلق بعضها إلى الصيف المقبل، أو ينتقل بعضها للعمل فى الكاريبى والمحيط الهندي، لكنهم يواجهون منافسة حادة وتباعد فى نقاط الجذب فى المحيط الهندي، ووفق الخطط، فالمسافة فى النقاط الجاذبة فى البحر الأحمر لن تزيد أكثر من ثلاث ساعات، فى أجواء ممتازة خلال الشتاء، وضمن الخطط أيضا اجتذاب سوق إبحار اليخوت وإنشاء المارينا المتخصصة فى المنتجعات الجديدة فى البحر الأحمر، وهو الأمر الذى سينعكس بالضرورة على تنشيط السياحة السعودية والخليجية لتكون مصر قبلتهم المفضلة فى المستقبل المنظور.

 

وتأكيدا على أهمية التوجه السعودى الجديد نحو مصر، فقد وصفت بعض الصحف العالمية الزيارة بالتحالف الاستراتيجى بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبد الفتاح السيسى، حيث وصفته أبرز الصحف البريطانية "بالحليف الإقليمى الرئيسى"، فبحسب الـ"ديلى ميل" فإن الاتفاق الاستثمارى يؤكد العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسعودية، مشيرة إلى أن المملكة العربية السعودية تعتبر مصر حجر الزاوية فى الاستقرار الإقليمى، أما صحيفة "الجارديان" البريطانية فعلقت على زيارة ولى العهد السعودى قائلة:"زيارة ولى العهد الأمير البالغ من العمر 32 عامًا، تعد فى فترة استثنائية فى التاريخ الحديث للبلاد ، وهو وقت إصلاحات فى الداخل واضطرابات فى المنطقة"، وفى النهاية أعود وأكرر: إن كل ما مضى يعد مؤشرا إيجابيا يدل على سعى السعودية إلى تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية مع مصر فى هذه اللحظة الفاصلة ، ما يوحى بقرب ضم مصر إلى دول مجلس التعاون الخليجى فى المستقبل المنظور .

تعليقات القراء