حوار مع ابن تيمية

بقلم: حاتم صادق-المقال

هل كان ابن تيمية عربيًّا؟ هل كان حاد الطبع منذ الطفولة؟ لماذا لم يتزوج ابن تيمية؟

ابن تيمية فقيه وعالم اختلف فيه الناس كثيرًا وانقسموا فيه إلى فريقَين، فريق يرى أنه شيخ الإسلام وإمام الأئمة الذى حفظ العلوم واستوعب السنن والآثار، أرسلته العناية الإلهية ليقوم بنشر السُّنة وإحياء مذهب السلف، وهناك فريق آخر يرى أن ابن تيمية ما هو إلا عبد خذله الله تعالى وأضلّه وأعماه وأصمّه.. لا يستحق الاحترام والتقدير، ولا يجب أن يُقام لكلامه وزن، فهو جاهل غالٍ، أفرط فى التشدُّد والغلو ووصل أذاه إلى كل بيت، خالف السُّنة وخرق الإجماع، كافر لا تصح الصلاة وراءه.

ربما بسبب هذا التناقض الحاد فى تقويم شخصية الرجل، شعرت برغبة عارمة فى الالتقاء به والتحاور معه مهما كان ذلك صعبًا أو مستحيلاً.

وقررت أن أفاجئه بزيارة مباغته حيث يقيم، ولما طرقت باب منزله، فتح لى الباب واستقبلنى بنفسه، وتأملت صورته فوجدته رجلاً أبيض اللون أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان. ربعة من الرجال «لا قصير ولا طويل» بعيد ما بين المنكبين، وعندما استأذنته فى الدخول قال لى: تفضّل. فكان صوته جهوريًّا بشكل واضح.

وعندما سألنى مَن أنت؟ عرَّفته بنفسى، ولما قلت له: أنا كاتب بجريدة «المقال»، نظر إلى مستغربًا: جرنال إبراهيم عيسى! ولِمَ أتيت إلى هنا؟ رددت: أريد أن أجرى معك حوارًا، وبعد تردُّد قد يكون مفهومًا، وافق الرجل على مضض، فكان هذا الحوار المفتوح، الذى خالطت العامية فيه الفصحى.
سؤال: قرأت عنك كثيرًا فلم أعرف هل أنت رجل عربى أم لا؟

ابن تيمية: من أولها كده يا بنى! شوف يا سيدى الموضوع ده شائك وفيه خلاف لدرجة إنه محيّرنى أنا شخصيًّا.

سؤال: كيف يا شيخنا؟

ابن تيمية: حتى الآن هذا الموضوع محل استفهام، فإن أحدًا ممن ترجم لى لم يذكر قبيلتى ولا منحدرى القومى، وحتى معاصرى وتلامذتى كالذهبى والصفدى وابن الوردى وابن عبد الهادى وابن كثير، لم ينسبونى إلى قبيلة من قبائل العرب ولا من غيرها.

سؤال: هل صحيح أن الوالد، رحمه الله، قد لاحظ فيك حدة الطبع منذ الطفولة؟

ابن تيمية: بالفعل هذا صحيح، فقد لاحظ أبى أن عندى حدّة عند الجدل، فنصحنى أن أتخلّص منها، فالحدة فى الجدل تولد الخصومة، وتستفز غضب المجادل وعناده وتضيع الحقيقة التى هى الهدف الأسمى لأى مناظرة أو نقاش بناء.. ولكن المشكلة هنا أنى كنت دائمًا ما أعتقد أن الحق معى ومن ثَمَّ فلا أبالى بمَن يجادلنى.

سؤال: أرجو أن تجيبنى بصراحة، لماذا لم تتزوّج؟

ابن تيمية: وما شأنك بهذا؟ هذا أمر خاص؟

سؤال: هو حضرتك فيه مشكلة أو مالكش فى الموضوع ده؟

ابن تيمية: احترم نفسك، ولا داعى للتهريج فى هذه الأمور.

المحاور: لا تغضب يا شيخنا، وبعدين الهم طايلنى وطايلك، فأنا أيضًا مثلك لم أتزوّج.

ابن تيمية: أنت حر.. وبعدين يخصك فى إيه زواجى من عدمه؟

المحاور: بصراحة يا مولانا، فيه آراء بتقول إن فيه رباط وثيق، بين عدم زواجك وبين موقفك وفتاويك المتشددة بشأن المرأة، يعنى باختصار بيقولوا: إن عندك عقدة.

ابن تيمية: مش صح خالص، أنا طول عمرى فى صف المرأة.

سؤال: هو مش سماحتك قلت بالحرف الواحد: إن المرأة أولى من الصبى فى الوصاية.

وأيضًا قطعت بأن المرأة أسرع الناس إلى الفواحش.

وكمان قلت: «المرأة كاللحم على وضم.. «كناية عن الغاية فى الضعف»؟

ابن تيمية: نعم قلت هذا كله وما زلت مُصرًّا عليه.

سؤال: هل تملك الجرأة أن تعلن الآن رأيك فى ما يخص رؤية المرأة لله، عز وجل، فى الجنة؟

ابن تيمية: بالطبع.. أنا قلت: إنها تراه ولكن أقل من الرجل.

تعليق المحاور: «يعنى فى كل شىء المرأة أقل من الرجل حتى فى رؤية الله»؟!

سؤال: لماذا لم تنكر على أتباعك وصفهم لك بأنك شيخ الإسلام؟

ابن تيمية: لا تعليق.

سؤال: رغم إقرارك بسماحة الإسلام، لماذا كنت قاسيًا مع الآخر الدينى؟

ابن تيمية: هذه قناعتى الشخصية، وما انتهيت إليه من آراء فى ما يخص الآخر غير المسلم، هو الصواب بعينه وهو ما فيه عزة الإسلام ورفعته.

سؤال: هل من الممكن أن تتفضل فضيلتك بتلخيص بعض فتاويك وآرائك فى هذا الشأن الخطير؟

ابن تيمية: سجّل عندك يا سيدى:

1- إذا دخل المسلم دار الحرب بغير عقد أمان، فلا عليه أن يسرق أموالهم ويستبيحها وأن يقهرهم بأى طريقة كانت، فأنفسهم وأموالهم مباحة للمسلمين.

سؤال: لكنك هنا لم تفرق بين مقاتلين وغير مقاتلين؟

ابن تيمية يواصل:

2- غير المؤمن تجب عداوته وإن أحسن إليك:

«ولتعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه».

المحاور مقاطعًا: ولكنك هنا أيضًا يا شيخ ابن تيمية بقصد أو دون قصد تعنى أنه يكفى أن يكون الإنسان غير مسلم ليوصف بأنه كافر وأنه عدو لله تعالى، وأنه عدو للمؤمنين حتى لو كان جاهلاً أو ليس من أهل الفكر والنظر والتمييز أو حتى معوقًا ذهنيًّا أو بدنيًّا، وحتى لو كان هنديًّا أو بوذيًّا أو لا منتميًا دينيًّا يعيش فى قرية نائية لا يعلم شيئًا ولا يفقه إلا ما تلقنه عن آبائه، وإلا ما يمارسه فى حياته اليومية خالى الذهن عن العداوة أصلاً وخالى الذهن عن هذه المعانى التى طرحتها فى فتواك.

ابن تيمية يواصل:

3- ولا بد من إهانة غير المسلم وإهانة مقدساته.. سواء أكانت أمكنة كالكنائس والمعابد، أو أزمنة كعيد الكريسماس أو رأس السنة، أو كانت أحجارًا أو أشجارًا كالصلبان والآثار أو أشجار عيد الميلاد مثلاً و غيرها.

4- وإياك أن تتساهل فى إذلال أهل الذمة:

«بترك إكرامهم، وإلزامهم الصغار الذى شرعه الله تعالى»، ولا تنس أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب: «أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فتجرى بينكم وبينهم المودّة، وأذلوهم ولا تظلموهم، ومروا نساء أهل الذمة أن يعقدن زناراتهن، ويرخين نواصيهن، ويرفعن عن سوقهن حتى يُعرف زيهن من المسلمات، فإن رغبن عن ذلك فليدخلن فى الإسلام طوعًا أو كرهًا».

5- وبالنسبة لـ«تأجير» الذمى دارًا أو بيعه إياها، فأنا أرى: المنع من تأجير الذمى أو بيعه هذه المرافق لأنه سيدق فيها بالنواقيس وسيكفر فيها بالله، لكن للأمانة دعنى أخبرك بقصة رجل من السلف هو عبد الله بن عون الهلالى، كان لا يؤجر إلا للذميين فقط حتى «يرعبهم» بأخذ الأجرة.
سؤال: لكن فضيلتك مش شايف إن ده كلام قاسى وأبعد ما يكون عن الرحمة والتسامح؟

ابن تيمية وقد تغيّر وجهه: يعنى انت مش عارف ظروف وملابسات الزمن اللى أنا عشت فيه؟

المحاور: رغم خلافى الحاد مع كلامك بشأن الآخر غير المسلم، لكنى لا أنكر أنى متفهم إلى حد ما حقيقة أنك قد عشت فى عصر مظلم من تهديد غير العرب والمسلمين للعرب والمسلمين، وأنك لم ترَ فى نصارى الشام غير أعوان للصليبيين.

واللوم عليك أنك لم تنتبه إلى ذلك فى أى من خطبك أو كتاباتك، فصار لك أنصار متعصبون يرون ما قلته دينًا واجب التطبيق. وفى كل الأحوال أمرك وأمرهم إلى الله.

المحاور: دعنا ننتقل إلى نقطة أخرى: ما حقيقة فتواك حول شخص جهر بالنية فى الصلاة؟

هل قلت أنه يستتاب فإذا اعترف بالخطأ وتاب يطلق سبيله وإذا لم يتب يقتل؟

ابن تيمية: هذا ليس صحيحًا، أنا قلت بالحرف: «الجهر بالنية فى الصلاة من البدع السيئة وليس من البدع الحسنة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، ولم يقل أحد منهم إن الجهر بالنية مستحب ولا هو بدعة حسنة، فمن قال ذلك فقد خالف سنة رسول الله وإجماع الأئمة الأربعة وغيرهم، وقائل هذا يُستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه».

المحاور معلقًا: أى عقوبة هنا يا شيخنا، ومن الذى أوجب هذه العقوبة؟ حتى لو خالف المسلم الإجماع هنا وتلفظ بالنية، فَلِمَ نعطى الموضوع أكبر من حجمه؟!.
سؤال: هل صحيح أن لك فتاوى يناقض بعضها بعضًا؟
ابن تيمية: أتحداك أن تأتى لى بمثال على كلامك هذا؟
المحاور: لا داعى للتحدى يا مولانا، وعامة تفضل هذه:
قرأت لك فى مجموع فتاويك رسالتين متناقضتين، حول الخضر عليه السلام الرسالة الأولى: [وسُئل رحمه الله، عن الخضر وإلياس، هل هما معمران، بينوا لنا رحمكم الله تعالى. فأجاب: إنهما ليسا فى الأحياء، ولا معمران...] هذه واحدة.
أما الرسالة الثانية: [سُئل الشيخ رحمه الله: هل كان الخضر عليه السلام، نبيًّا أو وليًّا؟ وهل هو حىٌّ إلى الآن؟ وإن كان حيًّا، فما تقولون فى ما رُوى عن النبى -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «...لو كان حيًّا لزارنى» هل هذا الحديث صحيح أم لا؟  فأجاب... وأما حياته: فهو حى، والحديث المذكور لا أصل له، ولا يُعرف له إسناد... ومن احتج على وفاته بقول النبى صلى الله عليه سلم: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مئة سنة، لا يبقى على وجه الأرض، ممن هو عليها اليوم أحد» فلا حجة فيه، فإنه يمكن أن لا يكون الخضر إذ ذاك على وجه الأرض].
سؤال: لماذا أيّدت قتل الحلاج، وما رأيك فيمن استنكر ذلك؟
ابن تيمية: «الحلاج قتل على الزندقة، التى ثبتت عليه بإقراره وبغير إقراره، والأمر الذى ثبت عليه مما يوجب القتل باتفاق المسلمين، ومن قال: إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد، وإما جاهل ضال».
سؤال: هل تذكر فتواك عن الجنى الذى كان يتمثل فى صورتك؟
ابن تيمية: نعم، وقد قلت بإمكان تمثل الجن فى صورة الإنس: «وتارة يأتون إلى من هو خالٍ فى البرية وقد يكون ملكًا أو أميرًا كبيرًا ويكون كافرًا، وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت، فيأتيه فى صورة إنسى ويسقيه ويدعوه إلى الإسلام ويتوبه، فيسلم على يديه ويتوبه ويطعمه ويدله على الطريق، ويقول: من أنت؟ فيقول: أنا فلان. ويكون من مؤمنى الجن.
كما جرى مثل هذا لى، كنت فى مصر فى قلعتها، وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق، وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية؛ فلم يشك ذلك الأمير أنى أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولاً وكنت فى الحبس، فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنيًّا يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاؤوا إلى دمشق: كنت أدعوهم إلى الإسلام، فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر، فعمل معهم مثل ما كنت أعمل، وأراد بذلك إكرامى ليظن ذاك أنى أنا الذى فعلت ذلك. قال لى طائفة من الناس: فلِمَ لا يجوز أن يكون ملكًا؟ قلت: لا، إن الملك لا يكـذب، وهذا قد قال: أنا ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب فى ذلك».
سؤال: ما رأيك فى حديث أسماء الله الحسنى؟
ابن تيمية:
بالنسبة لحديث «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مئة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة» فلم يرد فى تعيينها حديث صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذى الذى رواه الوليد بن مسلم، وحفاظ أهل الحديث يقولون هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث، أى أن هذه الزيادة من كلام بعض السلف، وليست من كلام النبى صلى الله عليه وسلم.
سؤال: كلامك بخصوص الشخص الأمرد، بصراحة مستفز للغاية؟
ابن تيمية: لا يهمنى أن يستفز كلامى أحدًا، المهم أن تعلم أنت وغيرك أنه:
- لا يجوز النظر إلى المرد تحاشيًا للفتنة.
- ومن كرر النظر إلى الأمرد، ونحوه أو أدامه، وقال: إنى لا أنظر لشهوة كذب فى ذلك.
- و المردان الحسان لا يصلح أن يخرجوا فى الأمكنة والأزقة التى يُخاف فيها الفتنة إلا بقدر الحاجة. ولا من الجلوس فى الحمام بين الأجانب، ولا من رقصه بين الرجال ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس والنظر إليه كذلك.
- الصبى الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية فى كثير من الأمور، ولا يجوز تقبيله على وجه اللذة بل لا يقبله إلا من يؤمن عليه كالأب، والإخوة، ولا يجوز النظر إليه على هذا الوجه باتفاق الناس بل يحرم عند جمهورهم النظر إليه عند خوف ذلك، وإنما ينظر إليه لحاجة بلا ريبة مثل معاملته والشهادة عليه، ونحو ذلك كما ينظر إلى المرأة للحاجة.
سؤال: هل صحيح أنك حرمت دراسة الكيمياء؟
ابن تيمية: نعم أنا قلت:
١- أهل الكيمياء من أعظم الناس غشًّا!
٢- هم أهل ذلة وصغار!
٣- الكيمياء محرمة باطلة!
4- والكيمياء أشدّ تحريمًا من الربا!
ودليلى على بطلانها أنه: «لم يكن فى أهل الكيمياء أحد من الأنبياء ولا من علماء الدين ولا الصحابة ولا التابعين» وأن جابر بن حيان: «مجهول لا يعرف! وليس له ذكر بين أهل العلم والدين»!
وأيضًا «الكيمياء لم يعملها رجل فى الأمة له لسان صدق ولا عالم متبع ولا شيخ ولا ملك عادل ولا وزير ناصح، إنما يفعلها شيخ ضال مبطل»!.
إلى هنا، أشكرك فضيلة الشيخ أن أتحت لى وقتك، وسمحت لى بهذا الحوار وبالدخول فى عالم فكرك وفتاويك، المحيرة والعجيبة، وأستأذنك فى الانصراف.
ابن تيمية: لا داعى للشكر، وتفضل يابنى، وسلم لى على إبراهيم عيسى وشوية العلمانيين بتوع جريدة المقال.

تعليقات القراء