لماذا سيتأخر الربيع الإيرانى؟

خالد منتصر - الوطن 

«الناس يتسولون، ورجال الدين يتصرفون كالآلهة»، «ليس لغزة، ليس للبنان، حياتى لإيران»، «الموت لحزب الله»، «الموت لروحانى»، «العار لعلى خامنئى»، «الموت للديكتاتور»، «غادروا سوريا، فكّروا فينا».. شعارات رُفعت وهتافات أُطلقت فى المظاهرات الإيرانية الأخيرة التى امتدت فى أكثر من عشر مدن إيرانية حتى وصلت إلى داخل قم نفسها المدينة المقدسة التى هى رمز الملالى وذراعهم الطولى للسيطرة الروحية.

وهو ما يعبر عن تزايد السخط وتصاعد الغضب، لكن السؤال: هل تلك الهتافات والشعارات التى صاحَبها تدمير لمنشآت وحرق لسيارات وتهجّم على رجال بوليس، هل ستتحول إلى ربيع إيرانى؟ وهل يكفى أن نهتف الشعب يريد إسقاط النظام ليسقط فعلاً النظام؟

المشوار فى إيران أصعب لكنه غير مستحيل، ومتوقع فى نظر خبراء كثيرين فى الشأن الإيرانى أن يتأخر هذا الربيع بل ويتوقعون أنه من الممكن أن يُجهض تماماً، يُرجعون ذلك إلى التركيبة الإيرانية المعقدة، لكنى شخصياً أجد أن من أصعب المعوقات التى ستؤجل الربيع الإيرانى تركيبة الحرس الثورى الإيرانى نفسه، الذى كان سينتقل عندنا (كوبى وبيست) لو طال زمن حكم الإخوان، فقد نجحت الفاشية الدينية هناك فى تشكيل شرطة تختلف عن الشرطة التقليدية فى أنها عقائدية وليست وظيفية، ليست مجرد تجميعة جنود أمن مركزى يتلقون الأوامر التى لا يفهمون سببها فى الغالب، لكن الحرس الثورى بداخله عقيدة راسخة بأن هؤلاء المتظاهرين مخربون ومعطلون للحلم الدينى وضد فرض دينى لا خلاف عليه وهو ولاية الفقيه، وهنا جوهر الفرق.

جندى الحرس الثورى مثله مثل ميليشيات الإخوان فى الاتحادية يضرب بمنتهى الشراسة وعن اقتناع أن تلك الشراسة هى جسره الوردى إلى الفردوس!، لكنى معترض على ما قاله البعض من أنها ستجهض مثل ثورة أو انتفاضة ٢٠٠٩ الخضراء، هناك فرق شاسع ففى الثورة الخضراء كانت الشرارة انتخابات الرئاسة وتزوير الانتخابات وفوز نجاد وخسارة موسوى، أما الآن فالغضب والثورة والغليان ضد انهيار اقتصادى وبطالة وارتفاع أسعار خاصة بعد وعود بانفراجة ما بعد رفع الحظر والاتفاق النووى، الفرق الثانى هو الفرق ما بين موقف أوباما ٢٠٠٩ وموقف ترامب ٢٠١٧، قارنوا بين موقف أوباما الذى قال: «إن المرشحين الذين غامر مئات الآلاف من المحتجين بحياتهم من أجل تأييدهم لم يُحدثوا تغييراً كبيراً»، وموقف ترامب الذى قال «الإيرانيون أخرجهم الفساد وتمويل الإرهاب»، و«على الحكومة الإيرانية احترام حقوق شعبها، بما فى ذلك حق التعبير».

وأصدرت الناطقة باسم الخارجية الأمريكية هيثر نورت بياناً مكتوباً حول الأوضاع فى إيران قالت فيه «إن الوزارة تتابع التقارير حول وجود العديد من الاحتجاجات السلمية لمواطنين إيرانيين فى مدن عدة»، مضيفة أن قادة إيران «حولوا البلاد من دولة ثرية مع تاريخ غنى وحضارة إلى دولة منهكة اقتصادياً تصدّر بشكل رئيسى العنف وسفك الدماء والفوضى»!! الفرق الثالث أن احتجاجات ٢٠٠٩ كانت موصومة بأنها احتجاجات يسار ولعبة معارضة سياسية لذلك كان حل كبت صوت موسوى أو وضعه بعدها تحت الإقامة الجبرية هو إخماد سريع للحريق وإيقاف لتوابع الزلزال، لكن الوضع هنا فى ٢٠١٧ لا نستطيع وصفه بانتفاضة يسار معارض فقد اشتركت فيه كل ألوان الطيف الاجتماعى والطبقى ولم يقتصر على حزب معين أو مدينة بعينها، وإذا اعتقلنا هل سنعتقل كل تلك الآلاف الذين بلا قائد؟!

وهنا تظل كلمة «بلا قائد» هى سر النجاح وهى أيضاً مكمن المقتل!، وآخر الفروق التى تمنح البعض التفاؤل فى طعم ثورة مختلفة ورائحة ربيع مثمر هذه المرة هو البعد الاجتماعى الذى يطل على مشهد المظاهرات والذى تظلله روح مريم ميرزاخانى المتمردة الثورية التى تقتبس المرأة الإيرانية من روحها النورانية الثورية وقصتها المدهشة الشجاعة أيقونة تحرر تكسب هذه الثورة نكهة حداثة وتمنحها عمقاً اجتماعياً رائعاً.

مريم أكبر عالمة رياضيات فى العالم حصلت على جائزة فيلدز التى توازى نوبل وتحدت السلطات الإيرانية وظهرت فى كل الصور بدون حجاب لدرجة أن الصحف الإيرانية لم تجد حلاً إلا أن تضع لها خماراً وهمياً عند نشر الخبر!

مريم تزوجت من عالم كمبيوتر تشيكى مسيحى لذلك رفضت إيران دخول ابنتها البلاد طبقاً للقانون الذى لا يعترف بابن الإيرانية المتزوجة من غير مسلم، ونهايتها الميلودرامية فى سن الأربعين بأنياب السرطان اللعين أضفى على حكايتها مسحة قصص الملاحم التى لا تموت.

تعليقات القراء