ما قاله "جوجل" عن ياسمين صبري وطريقتنا في الحياة

ما قاله "جوجل" عن ياسمين صبري وطريقتنا في الحياة

د. هشام عطية عبد المقصود يكتب:

 ليس هناك ثمة مفاجأة كبيرة أو مدهشة، حين تصبح أخبار وصور الممثلة ياسمين صبري ما يتصدر شغف المصريين ورغبتهم في المعرفة و"الشوفان" كما يُعلنها محرك البحث جوجل، سيرى البعض الموضوع من زاوية "وماله" فللناس في محبة ما يُريدون ويتابعون مذاهب وأفكار، كما أن لهم حق التسلي في مساء بهي أو حتى أكثر بهاءً على رأي عمنا زكي طليمات.

سنمضي مع القائلين بهذا، وأن من حق الناس أن تُشاهد ما يسرُّ الفؤاد بعد أن أمضوا وقتًا طويلًا في الكلام والشكوى من ارتفاع أسعار كروت شحن الموبايل، وهنا تحديدًا قد يبدو البعد الخفي لأهمية الكروت والشحن لدى المتسريين والمتسلين الذين يصنعون التفضيلات على جوجل، وبشكل كان أعلى كثيرًا من همهمات شكواهم بشأن ارتفاع أسعار الجبنة النستو وكوب الحليب.

لكن في عرف أنهم "ينبسطون" قد يظهر أيضًا سوء توزيع وعدم عدالة توجيه موارد اهتمام هذا الجمهور الكريم، حيث يتركز وينصب عند ياسمين صبري ولا يتضمن غيرها، وهذا لعمرك مما قد يصنع فتنة فنية، وبالقدر نفسه يضر بقيمة ومغزى التنوع، كما يعبر في الوقت ذاته عن سوء توزيع التغطية الصحفية والإعلامية بين مراكز الاهتمام الفنية الصاعدة منها وذات تاريخ السبق في الأقدمين، إذ إنه هنا قد يترك بلا وعي واهتمام بعض البنفسج "وهوا بيبهج" ظنًا منه أنه مجرد زهر حزين، دع عنك ما قد يُصيب المستقبل الفني لمتصدرة جوجل من "نفسنات" بعض زميلات الوسط الفني ممن اعتدن تواجدًا مؤثرًا على مواقع التواصل ومواقع الصحف، وكيف يمكن أن يضرَّ ذلك بمستقبل فني واعد ومتوعد لتلك الفنانة. هكذا وحرصًا على أن نجعل مائة زهرة تتفتح كان يجدر بالإعلام والتغطية "التقيلة" –ارتباطًا بدخول فصل الشتاء ينعاد عليكم بالخير- أن توزع اهتمامها، وقد يرى البعض من باب التعامل مع المشكلة أنه يجدر هنا إنشاء مرصد باسم نجوم الفن وزهوره يقوم بتحليل متعمق ومؤثر لمساحة ما يتم تغطيته ويخرج علينا بتقرير مفصل، يقول لنا كيف نعالج تلك القصورات في التغطية وأيّ الحلول وربما العلاجات هنا أكثر نجاعة واستمرارًا.

سيقول لنا تصدر أخبار وصور الممثلة ياسمين صبري لمحرك البحث جوجل في استخدامات المصريين شيئا آخر عن شغف وولع ينمو بالتعدي على الخصوصيات، مطاردة صورة هنا أو فيديو هناك منسوبا لها أو لفنانة أخرى صدقًا أو زورًا، ثم يتم تناقله مهما كانت عدم صحته وعدم ارتباطه بهم، لكن هكذا شاء الجمهور وقرر.

لا جديد أيضًا في تلك الحالة من الغرابة الجامحة في انتهاك خصوصيات البشر إعلامًا وجمهورًا، فالجمهور وإعلامه يتقاربان ويتوحدان، وتنتقل ثقافة وتقاليد الأداء بيسر من أحدهما للآخر، في تفاعلية حميمية مدهشة، لن يكون ذلك هو الحدث الفريد في تصدر الأخبار والصور، إذ سيتزامن معه وعلى مواقع الصحف وبواباتها في قائمة الأكثر قراءة خبر إنجاب البرلمانية السابقة شاهيناز النجار مولودها من رجل الأعمال أحمد عز، ستمضي اهتمامات الإعلام ومتابعة الجمهور متجاهلة كثيرًا من الأشياء المهمة من وجهة نظر الحياة هنا ومن حولنا بل وفي العالم والكون لتتوقف كثيرًا عند تلك المساحات التي يُغذي الإعلاميون الفضول بها بقصد أو عن عدم وعي، ثم جعلها في واجهات الحضور والأهمية.

أداء إعلامي صار لا يصنع إضافة مهنية تليق بتاريخ وإمكانيات الإعلام في مصر ولا بتراث المهنة كما صنعها روادها.

عندما يُغذي الإعلام نمط متابعة واهتمام الجمهور الذي صار يعيش سواحًا طوافًا بين كل ما يُنعش الفؤاد "ويرد الروح" هل يمكن بعد ذلك أن تكون هناك جدية أو جدوى للسؤال بشأن لماذا لا يُنتجون ولا يُبدعون ولا يتقدمون ولا يتم حل مشكلاتنا المزمنة.

أدرك تمامًا أن بعض مثل هذه المتابعات الجماهيرية الضخمة تحدث في مجتمعات ودول العالم المختلفة والمتقدم منها، لكنه وفي ذات الوقت وفي ذلك العالم تنشغل مؤسساته وأفراده برعاية النبوغ في العلم والفن الراقي معًا، فبينما تتواجد تلك التغطيات المثيرة تحصل الأفلام والموسيقى الراقية على جوائز عالمية رفيعة ويقدم المؤسسات والباحثون إنجازات تؤهل للحصول على نوبل الطب والفيزياء، ومن ثم ليس هناك مشكلة فالحياة تسير بتنوع طبيعي، حيث يصنع ذلك توازنًا بين ما يمضي به الناس وقتًا طيبًا وبين ما يفيد الناس عملًا وجهدًا وإنجازًا وتقدمًا.

أما أن يكون الحال لدينا أنه وفي كل يوم تحتشد الشاشات والمواقع بصورة نجمة على شاطئ البحر أو خبر طلاق أخرى أو إنجاب ثالثة، فهذا فوق طاقة الإقناع بجدية الانشغال بجهود تنمي وتطور وتبحث عن مكان في عالم يحتفي بما يُقدمه المجتمعات وبشرها منجزًا وحضورًا وليس هامشًا وأفولًا "مش كده ولا إيه".

تعليقات القراء