ما بعد «خدش الرونق»


نشر فى :
الأحد 14 مايو 2017 - 10:35 م
| آخر تحديث :
الأحد 14 مايو 2017 - 10:35 م

لا أوافق سيل التعليقات التى سخرت من استخدام مصطلح «خدش رونق القضاء» فى استدعاء أحد الصحفيين أمام نيابة أمن الدولة، والتحقيق معه طوال ١٥ ساعة. صحيح أن المصطلح جديد وغريب، ولا أصل له فى القانون، لكن من قال إن نصوص القانون مقدسة وهى المرجع الوحيد للغة. ولماذا يغلق باب الاجتهاد فى الصياغات القانونية؟ وإذا كنا فى مصر قد فتحنا الباب واسعا لتجديد الخطاب الدينى، على جلالة قدرة، حتى خاض فيه كل من هب ودب فأولى بنا أن نحتمل جهدا يبذل لتجديد الخطاب القانونى. ولا تنس أننا نمر بمرحلة يتم التعامل فيها مع القانون بدرجة عالية من المرونة والتسامح، حتى باتت الرياح تعصف بنصوصه وبمبادئه كل حين.

من ناحية أخرى لا يغيب عن بالك أن أجواء التفاعل الحاصل بين القضاء والسياسة تجعل من «تطوير» الصياغات القانونية أمرا مفهوما ومبررا. من ثم فلئن اعتبر مصطلح خدش رونق القضاء شاذا عند أهل القانون فلا ضير فى ألا يصبح الأمر كذلك فى عرف السياسيين، وقد أصبحوا يرون أن لهم الحق فى أن يطلقوا ما يشاءون من أوصاف على مغايريهم، خصوصا إذا كانوا هم أصحاب الكلمة الأخيرة فى البلاد.

إننى أفهم مصطلح خدش الرونق بحسبانه إشارة مهذبة إلى حالة يدوس فيها شخص على طرف لآخر، بما يعد نيلا طفيفا منه ومساسا ناعما بمكانته. والخدش المقصود فى هذه الحالة لا يرقى إلى مستوى الجرح، وهو أخف من السب والقذف الذى يجرمه القانون. لذلك فإن علاجه يكون بمجرد لفت النظر أو «شد الأذن» كما يقول التعبير الشائع. ولن تخطئ إذا قلت المساءلة فيه أقرب إلى الإنذار من جانب من يملك ما هو أكثر من ذلك.

ما يثير الانتباه أن أغلب المعلقين انشغلوا بالمصطلح بأكثر مما شغلوا بالموضوع والرسالة الكامنة فيه. وخلاصة الموضوع أن صحفيا نابها هو طارق حافظ المحرر القضائى بصحيفة «الفجر» أجرى دراسة لقائمة التعيينات الجديدة للنيابة العامة، وحين وقع على ما فيها من مجاملات ومخالفات وصلت إلى حد وضع اسم ضابط اتهم بالتعذيب بين المعينين، وحين أدى واجبه وكشف الحقيقة أمام الرأى العام تحركت أطراف مجهولة وحولت الإنجاز الصحفى إلى تهمة وصفت بأنها خدش لرونق القضاء. ووجد صاحبنا نفسه أمام نيابة أمن الدولة. وفوجئ بأنها لم تحقق معه فى شىء مما أورده فيما كتب. لأن معلوماته كانت صحيحة وموثقة. وإنما كان تركيز المحقق فى الجلسة التى استمرت نحو ١٥ ساعة استهدف التعرف على المصادر التى كشفت له عن عورات قائمة التعيينات. وهو ما رفضه الصحفى وتمسك بحقه القانونى فى عدم الكشف عن مصادره. فما كان من المحقق إلا أن صرفه بضمان مالى قدره خمسة آلاف جنيه.

لم تكن هناك قضية، لكن رسالة التحذير وجهت إلى الجميع. وخلاصتها أن ثمة دوائر ومصالح محصنة لا يسمح لأحد بأن يدوس لها على طرف، تحت أى عذر. وهناك أكثر من باب لتفعيل التحذير ومحاسبة من لا يرتدع أو يرعوى. وليس من قبيل المصادفة أن يقدم فى هذه الأجواء إلى مجلس النواب تعديل المادة ١٨٤ من القانون الجنائى بحيث تنص على أنه: يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن ٥٠ ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه.. كل من أهان أو سب: مجلس النواب أو غيره من الهيئات النظامية أو الجيش أو المحاكم أو السلطات أو المصالح العامة أو أى رمز من رموز الدولة المصرية.

إن الربط بين الحدثين يعنى أن المشكلة ليست فى مصطلح «خدش الرونق» أيا كانت ذرائعه، لأن رسالته وتداعياته هى الأهم، لأنها تنذر بما هو أبعد. ذلك أنها بمثابة دعوة لإسكات الجميع وتحذيرهم من إطلاق ألسنتهم فى أجواء التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة بعد عشرة أشهر.

تعليقات القراء