عبدالناصر وزمانه.. ليس المشكلة ولا الحل!

عبدالناصر وزمانه.. ليس المشكلة ولا الحل!

أكرم القصاص يكتب: 

 
هناك نوع من المناقشات البيزنطية، تدور حول الماضى، وليس فيها كاسب وخاسر. تصنع حالة «كأنها» الحوار لكنها مجرد سفسطة. لأنها تتعلق بالماضى، ولاعلاقة لها بالحاضر أو المستقبل. ثم أن بعض العبارات والقصص والأحكام تروج، بينما هى مجرد افتراض أو كلام عام.
 
ولعل ما طرحه النائب السيد موسى، وكيل لجنة الزراعة، مثال على جدل خال من المضمون، مثل افتراض أن الإصلاح الزراعى أفسد الزراعة وأدى لتفتيت الملكية الزراعية. بينما ترك الإقطاع كان سينقل الأرض إلى الشعب.
 
من يطرحون هذا يحاكمون الماضى بقواعد الحاضر. مثل مقولة إن عبدالناصر أخطأ بتأميم قناة السويس، لأن امتيازها كان ينتهى 1966، وأن التأميم صنع عداءً غير مبرر. يتجاهل من يقولون هذا أن إنجلترا وفرنسا كانتا تتجهان لإجراء توسعات والاحتفاظ بالقناة، وتروجان أن المصريين لايصلحون لإدارة ممر دولى بخطورة قناة السويس.
 
طبعًا كان الواقع الدولى تفرضه الحرب الباردة، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى قوتان تصعدان بعد الحرب العالمية الثانية، وتتراجع الدول الاستعمارية التقليدية، ونجحت مصر فى اللعب على الأقطاب.
 
وقد شهدت مصر فى نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات حملة منظمة ماتزال فى أرشيف جريدة الوفد، تعتبر السد العالى من أكبر الكوارث الاقتصادية والزراعية على مصر، ووصل الأمر وقتها بالبعض للمطالبة بهدم السد العالى، ومن بين الأسباب التى كان يسوقها أصحاب هذا الرأى أن السد حرم مصر من السردين ومنع الطمى من الترسب وهى بالفعل كانت آثارًا جانبية، لكنها لم تكن تساوى ما قدمه السد. ومن المفارقات أنه أثناء الحملة توقفت الأمطار عن السقوط فوق الهضبة، وشهدت دول حوض النيل سنوات من الجفاف والجوع والخراب تقريبًا لمدة 7 سنوات، لكن مصر لم تشعر بهذا، بسبب السد العالى ومخزون بحيرة ناصر. وبعدها كانت الفيضانات التى اجتاحت هضبة الحبشة وتسببت فى الكثير من المشكلات والدمار لدول الحوض ومرة أخرى حمى السد العالى مصر وامتلأت البحيرة، وكانت سنوات الجفاف وماتبعها من سنوات الفيضان شاهدًا للسد العالى كواحد من أهم المشروعات الهندسية.
 
الفكرة هنا ليس الدفاع عن عبدالناصر بقدر الحاجة إلى قدر من الموضوعية، فى محاكمة كل عصر بقوانينه. ولايعنى هذا أنه لم تكن هناك أخطاء أو مشكلات، لكنها كانت ابنة عصرها ووقتها ورجالها ولايمكن محاكمة الماضى بقوانين العصر. ومن المستحيل إعادة الماضى فتجربة عبدالناصر ابنة زمانها، ولايمكن محاكمتها بقوانين اليوم، وأيضًا لايمكن استنساخها أو الوقوف عندها والدعوة لتكرارها، فقد كانت فى زمان آخر له ظروفه.
 
تعليقات القراء