أنقذوهم من الموت فى العزل


نشر فى :
السبت 6 مايو 2017 - 11:00 م
| آخر تحديث :
السبت 6 مايو 2017 - 11:00 م

أغيثونا قبل أن نموت داخل عنبر العزل بسجن العقرب. بهذه الجملة ختم أحد ضحايا العزل رسالة موجعة تم تسريبها من السجن الرهيب، ونشرت صورتها على مواقع التواصل الاجتماعى. فى الاستغاثة ذكر صاحبها ما يلى:

إن الضابط المسئول عن عنبر العزل يصر على وضع كل ثمانية أفراد فى زنزانة، رغم أنها مصممة على أن تكون «انفرادية»، بحيث لا تحتمل سوى اثنين فقط وهو ما يعرض النزلاء لحالات الاختناق الشديد.
< بين النزلاء مصابون بالربو ومعرضون للموت فى أى لحظة، وحين نقلت هذه الملاحظة إلى الضابط المسئول عن المكان، كان رده بالنص: إن ذلك هو المطلوب، وإذا مات أى شخص فإننا سنأتى بآخر ليحل محله.
< محظور إدخال العلاج لأى سجين، وممنوع تحويل أى شخص إلى عيادة السجن.
< محظور إدخال الطعام من الخارج. وطعام السجن الذى يصرف للفرد هو رغيف واحد فى اليوم مع ٥٠ جراما من الجبنة البيضاء.
< المجارى مسدودة فى السجن. ومنذ أكثر من سنة امتلأ «البدروم» تحت الزنازين بالمجارى التى ملأت المكان بالروائح الكريهة التى تزكم الأنوف، وهو ما وفر بيئة حاضنة للحشرات والأمراض والميكروبات، وخاصة الناموس حتى أصبح كالطاعون الذى يلوح طول الوقت فى العزل.
< إدارة السجن رفضت إصلاح المجارى، كما رفضت أن يتم الإصلاح على نفقة المساجين.

الرسالة بلا توقيع. وهذا أمر مفهوم، وإن كنت لا أستبعد أن يؤدى نشرها إلى مزيد من التعسف مع الضحايا، وهى تصور الحالة المزرية التى يعيشون فى ظلها وتعرضهم إلى الموت البطىء. كما أننى لا أستبعد أن يكون لهذه الحالة نظيرها فى سجون أخرى. وأهم ما فيها ليس فقط المدى الذى بلغه الإذلال والتنكيل ولكن أيضا أن الذى كتبها لم يتحدث عن مظلوميته هو وزملائه، بالتالى فإنه لم يطلب الخروج من السجن واستعادة حريته. إذ من الواضح أنه يئس من ذلك. بحيث أصبحت غاية مراده ليس أن يخرج من العزل وينضم إلى زملائه فى المقابر العادية. ولكنه بات يتمنى أن يتم تحسين أوضاع المقبرة التى وضع فيها مع زملائه. بحث يتم إصلاح المجارى ولو على نفقتهم الشخصية، وتوفير الدواء للمرضى والطعام الذى يليق بآدمية المسجونين.

فى مثل هذه الاستغاثات التى اعتدت أن أتلقاها فإن أول ما أدعو إليه هو التثبت من صحة المعلومات، ثم أسير على درب الفقهاء الذين اعتادوا أن يتلقوا أسئلة الناس فيما يستشكل فيستهلون الرد على السائل بالقول: إذا كان الأمر كما ذكرت فالحكم فى هذه الحالة كذا وكذا. لذلك فإننى أقول بأن الأمر لو كان ورد فى الشكوى. فإنه ينبغى أن يؤرق كل مواطن صاحب ضمير سواء فى مصر أو خارجها. إذ إننا لسنا بصدد تعذيب يستهدف استنطاقا واعترافا، رغم أن التعذيب فى هذه الحالة مرفوض، ولكننا إزاء حالة من التنكيل غير المبرر الذى لا تعرف دوافعه على وجه الدقة. لكن الثابت أنها ليست مبادرات فردية صادرة عن بعض المسئولين فى السجون، ولا أستطيع أن أقطع بأن ذلك التنكيل يتم بتعليمات من القيادات الأعلى، لكن ذلك لا يعفى القيادات من المسئولية. لأنها إذا لم تكن راضية عما يجرى فبوسعها أن تصدر تعليمات صريحة بوقفه واحترام كرامة المسجونين وآدميتهم.

أعرف أن المنظمات الحقوقية المستقلة التى تحارب الآن تسعى جاهدة للدفاع عن ضحايا الانتهاكات، وأعرف أيضا أن المجلس القومى الذى عينته الحكومة يواجه عنتا مشهودا فى محاولة أدائه لبعض مهامه، رغم أنه كثيرا ما يجامل الداخلية ويغطى ممارساتها غير القانونية، وللأسف فإن لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب فقدت الثقة والاعتبار منذ عين على رأسها أحد خبراء التعذيب. ثم إن موت السياسة فى مصر أفقد كثيرين أملهم فى إمكانية قيام الأحزاب بدور فى الدفاع عن المجتمع ومساندة المظلومين فيه. وحين يكون الأمر كذلك فإن الأفق يبدو مسدودا، بما لا يدع مجالا للمسجونين فى أن يعلقوا أملا أو يجدوا مخرجا. ولا أعرف المدى الذى يمكن أن تفضى إليه حالة اليأس التى يعانون منها، لكنى استغرب دهشة البعض من تحول السجون المصرية إلى بؤر للترويج لفكر التكفير وتبنى بعض الشباب آراء «داعش» ومشروعها ــ ليتنا نعطى الرشد السياسى واحترام حقوق الإنسان عشر معشار الضجيج المثار حول تجديد الخطاب الدينى.

تعليقات القراء