عنتيل الإعلام

بقلم: سيد على
 
فجأة اختفى الكبار من الحياة المصرية في كل المجالات، غير أن مهنة الإعلام تعتمد بالأساس على نجومية الإعلاميين سواء في الصحافة أو التليفزيون أو الراديو، بدليل أن القنوات الخاصة قامت بغير رشد بالاستعانة بنجوم الفن والرياضة ظنًا منها أن لديهم القدرة على جذب الجمهور، وبالتالي جذب الإعلانات، وإذا كان القطاع الخاص قد فطن تلك البديهية فإن مؤسسات الشعب والدولة من صحف قومية وماسبيرو لها وجهة نظر أخرى معاكسة، فقامت بإزاحة كل الأسماء الكبيرة "البياعة"؛ لأن القائمين على أمور تلك المؤسسات وصلوا إليها في غفلة من زمن التردي المهني، وكانت كل مؤهلاتهم رضاء الأجهزة الأمنية عنهم، وفي نفس الوقت خرج كل مبدع ومفكر من مؤسسات الدولة لأن بعض الأجهزة لا تريد أكفاء ومهنيين بقدر حاجتها لغلمان وصبيان يدينون بالسمع والطاعة فقط.. 
 
ولم يكن غريبًا مثلا استضافة أهالي الجناة في كارثة تفجيرات الكنائس في أكثر من برنامج جماهيري، ولم يكن الأمر توارد خواطر، ولم يعبأ من بيده الأمر بأهمية الرأي العام، ولكن كان هدف الرسالة أنه لم يتم تعذيبهم أو إرغامهم على الاعترافات، وربما كان ذلك مطلوبًا ومحمودًا ولكن الأداء افتقر للمهنية، وكانت المبالغة في الحنية رسالة سلبية بشكل عام.. ومرة أخرى يتم اختزال الاعلام كله في هؤلا، حتى إذا ما فشلت السياسة تسارع برمي بلاها على الإعلام، وبعدما أصبحت المسألة معلومة للجميع بالضرورة فقد دخل "الكاحول" عالم الإعلام بعد أن أدى مهمته بامتياز في دنيا المقاولات.. 
 
فهو "الدوبلير" أو "الوكيل" الذي يتحمل المسئولية الرسمية وغير الرسمية نيابة عن الشخص الحقيقي، لخلق إعلام موازٍ على مقاس السلطة ممن لم يعرف عنهم يومًا أي علاقة بالمهنة، وذلك بشراء قنوات ومواقع وصحف ووكالات إعلانية بأموال مجهولة الهوية والمصدر، وفِي عملية احتكارية مع سبق الإصرار وبالمخالفة لأي أعراف أو قوانين للإعلام، حتى بدا بعض هؤلاء ضمن ظاهرة (العنتيل) التي ظهرت ببشاعة في أيام يناير باغتصاب حقوق وشرعية الآخرين، لدرجة أن التوحش وصل مداه بإنشاء ما يسمى "غرفة صناعة الإعلام" دون أي نصوص في الدستور أو القانون، وليتها كانت لرفع مستوى الصناعة، ولكنها سارعت بالتدخل في المحتوى الإعلامي وفرض أجندتها على الفضائيات بالموافقة وحظر من يختلف مع سياستها، وسوف يتم الحكم على هيئات الإعلام الثلاث من رد فعلها على هذا الكيان غير الشرعي الذي يعتبر تجمع للمحتكرين.. 
 
ولابد من الإجابة عن السؤال المحوري من أين لهم هذا؟ 
 
ومع التوسع في إنشاء تلك القنوات مجهولة المصدر لم تلتزم واحدة منها بالتأمين الصحي أو الاجتماعي على العاملين بل ومعظمها لا يدفع الضرائب، وبعضها تم تمويله بقروض بنوك لأغراض أخرى غير إنشاء فضائيات ومواقع وصحف، وكل ذلك يتم بغض الطرف من الدولة والأجهزة في عملية تدمير ممنهجة لإعلام الدولة والشعب، ونفس ما حدث من تدمير لصناعات الأسمنت والنسيج والاتصالات بعد احتكار الشركات الأجنبية لها يتم ذلك للإعلام.. 
 
عملية خصخصة ناعمة والغريب أن الدولة التي تتشدد في اختيار الضباط والقضاة تركت الحبل على الغارب لأي عابر سبيل أو مقامر في إنشاء وتملك وإدارة الفضائيات والمواقع الإلكترونية، ليبث فيها ما يشاء بفلوسه ويوظف فيها ما يشاء، حتى بدا الأمر في بعض منها أقرب إلى عمليات غسيل الأموال.. 
 
تلك القنوات لا تستطيع تحقيق مكاسب أو اكتفاء ذاتي إلا بعد فترة زمنية وغالبا لا تستطيع في ظل المنافسة الشرسة على الإعلانات التي كادت أن تنقرض للوضع الاقتصادي المتردي، والأمر هكذا فقد باتت بعضها مصدر حصانة ووجاهه لملاكها، وهناك عشرات الحكايات في كواليس تلك المؤسسات الإعلامية، من تبدل المواقف وتحولها واستغلالها في تمرير الصفقات والعلاقات، فظهر بعض الجهال والرويبضة الذين يخاطبون الناس في علب الليل المسماة برامج التوك شو، وأصبح كل منهم عنتيلا يمارس فعل الاغتصاب الليلي للحقيقة مع التشويه وتصفية الحسابات لحساب صاحب المحل.. 
 
ونسي الجميع كيف كانوا مطية لسلطة ما قبل يناير وما بعدها والانبطاح للإخوان، بل أحدهم كان شبه المتحدث الرسمي للجماعة وفيما بعد أصبح كوبري الوصل بين حركة تمرد وفلول الإخوان، وفي النهاية أصبح هؤلاء كائتلاف للدببة تخصم من رصيد السلطة والمصداقية وقوة مصر الناعمة، وتعطي الفرصة لإعلام الإخوان البذيء لكي يستمر في التطاول على إشراف مصر، ولأن الزمار يعزف لمن يدفع له فنحن نعرف من يدفع لمهرجي قنوات تركيا إلا أننا لا نعرف من يدفع لعناتيـــل الداخل.
تعليقات القراء