طيار مدنى يعمل سائقًا خاصًا!

طيار مدنى يعمل سائقًا خاصًا!
بقلم/ عماد الدين حسين 
أتيلا.. شاب لم يتجاوز عمره الأربعين، ولد لأسرة رومانية، لكنه ترك بوخارست وهو فى الثامنة عشرة، بعد أن شعرت أسرته أن رومانيا سوف تحتاج وقتا طويلا حتى تضع أقدامها على أول الطريق الصحيح، عقب سقوط الديكتاتور الدموى نيكولاى تشاوسيسكو. اتجه أتيلا إلى إسبانيا، وقرر دراسة الطيران المدنى فى مدرسة متخصصة فى برشلونة.
 
وبالفعل نال شهادة معتمدة فى الطيران. ومارس عمله كطيار مدنى على طائرات هليوكوبتر صغيرة فى الاعمال التجارية أو السياحية. الاقتصاد الإسبانى ليس فى أفضل أحواله فى السنوات الأخيرة، وكاد يواجه «الأعراض اليونانية» لولا أن الحكومة تمكنت إلى حد كبير من تجاوز الأزمة نسبيا، لكن صعوبة المعيشة تركت بصماتها على الجميع. أحد هؤلاء كان أتيلا، الذى كان عمله أقرب إلى «الفريلانسر» أو بالقطعة، وحسب التساهيل كما يقولون.
 
ضاقت الأموال بأتيلا، فلم يضع يده على خده، ويقول: «أنا طيار»، بل قرر أن يبحث عن أى عمل يدر له دخلا.
 
إحدى شركات الاتصالات الدولية الكبرى نشرت إعلانا تقول فيه إنها تحتاج إلى سائق سيارة لمدة أسبوع، خلال فترة المؤتمر الدولى للموبايلات، الذى انعقد فى الفترة من ٢٦ فبراير إلى ٢ مارس الجارى، لكى يتولى العمل مع الشخصيات الإعلامية التى حضرت المؤتمر.
 
وهكذا قابلتُ اتيلا فى برشلونة وكنت أركب معه السيارة طوال ثلاثة أيام. هو إنسان مهذب، مثقف، يتابع تطورات الحياة إلى حد كبير، يجيد الرومانية والإسبانية والإنجليزية والألمانية والهنجارية والهولندية واللهجة الكتالانية الخاصة بكتالونيا. يشجع فريق ريال مدريد، رغم أنه يعيش فى برشلونة. بالطبع يحب عمله كطيار بصورة كبيرة، ويرى أن قيادة الطيران أسهل كثيرا من قيادة السيارات خصوصا فى أوقات الذروة، أو عندما تكون هناك مباراة لفريق برشلونة فى استاد «الكامب نو». ورغم ذلك، لا يشعر أن الحياة صارت سوداء وكحلى وقاتمة و«أسود من قرن الخروب»؛ لأنه يقود سيارة أجرة خاصة.
 
الذى لفت نظرى أكثر أنه طوال فترة الثلاثة أيام كان يقوم بفتح الأبواب لنا، والتصرف وكأن وظيفته الأصلية هى سائق خاص. لم يكن يتأفف أو يخبرك طوال الوقت أنه طيار وأن الزمن «مال به». كان ينتظر فى مرات كثيرة داخل السيارة اثناء تناولنا العشاء، وعندما دعوناه ذات مرة كان شديد الامتنان.
 
الذى أخبرنى بقصته كان مدير العلاقات العامة فى شركة هواوى محمود صوان، وبعدها طلبت منه أن يحكى لى عن أحواله؛ لأنى شعرت أنه إنسان محترم وقصة نجاح وقدوة حقيقية لكثيرين.
 
وجهة نظره أنه يحتاج مالا كى يعيش. وجنى المال يمكن أن يتحقق من عدة وظائف، طالما أنه كان قادرا على أدائها بإتقان.
 
الذى دفعنى للكتابة عن هذا النموذج، هو أن يبدأ ملايين المصريين العاطلين فى التصرف طبقا للطريقة التى عمل بها أتيلا.
 
لا أعرف ماذا ينتظر الشاب الذى حصل على ليسانس حقوق أو بكالوريوس تجارة أو خدمة اجتماعية او أى مؤهل آخر فى مصر ولم يجد عملا لمدة سنوات؟!.
قد لا يجد هذا العمل حتى لو انتظر ووصل إلى سن المعاش!!.
 
صار مؤكدا أن هناك تخصصات لا تجد من يشغلها، خصوصا العمالة الفنية المتخصصة.
قبل أسابيع كتبت عن المستثمر المصرى الكبير الذى أخبرنى أنه لم يجد فنيى لحام متخصصين ومؤهلين لمشروع بترولى كبير، رغم أن أجر الواحد منهم ٤٠٠ جنيه يوميا، وأنه اضطر لبحث استقدام عمالة آسيوية!.
 
مرة أخرى على الحكومة وكبار رجال الأعمال التفكير بجدية فى مشروعات تأهيلية وتحويلية للشباب، كى يتعلموا حرفة أو مهنة، لكن على هذا الشباب أن يبدأ التحرك فورًا، وأن يفكر جديًا، فى ترك القهوة والكافيتيريا، والالتحاق بأى عمل، طالما كان شريفا.
 
تعليقات القراء