اعتذار إلى عبدالناصر

اعتذار إلى عبدالناصر

بقلم/ عبد الله السناوي 

القضية ليست «جمال عبدالناصر» بقدر ما هى الخيارات الاجتماعية التى تحكم مصر الآن.
قضية مبدأ ومستقبل لا حساب رجل وتاريخ.
لم يكن هجوم وزير الصحة على الزعيم الراحل تحت قبة البرلمان تفلتا بالألفاظ بقدر ما كان تعبيرا عن خيارات تناهض أية فلسفة اجتماعية تنحاز إلى الأغلبية الساحقة من المواطنين.
بكلام مباشر، جرى التراجع عنه بادعاء تأويله، نسب إلى «عبدالناصر» مسئولية تهاوى المنظومة الصحية «عندما قال إن التعليم كالهواء والصحة مجانية لكل فرد».. فـ«راح التعليم وراحت الصحة».
فى كل حرف جهل بالتاريخ وإنكار للحقائق وتعالٍ على أية حقوق اجتماعية.
لم يكن «عبدالناصر» هو صاحب عبارة إن «التعليم كالماء والهواء».
أصغر تلميذ فى المدارس الابتدائية يعرف أن صاحبها هو عميد الأدب العربى الدكتور «طه حسين».
من أزمة إلى أخرى، ومن تفلت لآخر، يطرح سؤال: «من أين يأتون بهؤلاء الوزراء؟».
ظاهرة التفلت فى التصريحات الوزارية لافتة وتنطوى فى بعض الأحيان على قدر غير قليل من الخفة التى تفتقد أبجديات الخطاب السياسى. 
عندما تغيب السياسة فإن كل شىء فى حالة انكشاف، وبعض الانكشاف جهل صريح.
وعندما تفشل فى مهامك تبحث عن أسباب لا تعود إليك فتنسبه إلى تجربة انتهت منذ نحو نصف قرن لكنها لازالت تلهم حتى اليوم الحقوق الأساسية فى الصحة والتعليم والعمل والترقى الاجتماعى.
ما وراء الهجوم الآن على «جمال عبدالناصر» أهم وأخطر من الهجوم نفسه.
نص الهجوم تقليدى ومعتاد ممن يناهضون ثورة يوليو وخياراتها الاجتماعية، لكنه هذه المرة ــ كما لم يحدث من قبل طوال العقود التى أعقبت رحيل «عبدالناصر» ــ يصدر عن وزير مسئول وتحت قبة البرلمان.
لماذا الصمت الرسمى على الوزير المتلفت، الذى تعد تصريحاته إهانة للتاريخ الوطنى كله قبل زعيم يوليو وعميد أدبها العربى؟
هل هو قبول بالتفلت دون حساب حقيقى، أو أدنى مراجعة للخيارات الاجتماعية التى تبدو الآن على قدر من التوحش غير المسبوق؟
لا يكفى أن يتراجع الوزير عن تصريحاته واصفا «عبدالناصر» بـ«الزعيم الراحل الذى أسس المنظومة الصحية الحديثة»، أو أن يقول إنه لم يقصد تعريضا بمبدأ مجانية التعليم.
ليست تلك هى القضية وإلا تحول التاريخ إلى فلكلور والقيم الاجتماعية المنصوص عليها فى الدستور إلى موضوعات فى الإنشاء، تستخف بها ثم تتراجع وكأن شيئا لم يحدث.
أين الالتزامات الرئيسية؟
أين خطط النهوض بالتعليم والصحة وعدالة توزيع الأعباء فى الإصلاح الاقتصادى؟
بالإجمال: أين الشرعية الدستورية؟
قضية العدل الاجتماعى لم تخترعها يوليو ولا أقدمت على مشروعها فى البناء والتنمية والتحديث من فراغ.
لا يولد شىء من فراغ ولا تؤلف المشروعات الكبرى على الهوى.
بناء السد العالى وتأميم قناة السويس وإعادة توزيع الأراضى الزراعية والتصنيع الثقيل ومجانية التعليم وتوسيع الخدمة الصحية وإتاحة فرص العمل كلها توجهات طرحت قبل يوليو على المجال العام واكتسبت مشروعيتها من طموحها للبناء والتنمية والعدل الاجتماعى والالتحاق بعصر جديد يطل على العالم.
قيمة الدور الذى لعبته يوليو أنها نفذت بقدر ما تستطيع الأفكار الجديدة والطموحات الجسورة التى تولدت فى المجتمع المصرى بعد الحرب العالمية الثانية.
ولا يوجد مشروع واحد فى التاريخ له أثر يلهم مغلق على نفسه، فهو يأخذ مما قبله ويضعه فى التنفيذ، يتفاعل مع عصره وحقائقه، ويجدد زخمه بالإضافة والتفاعل والنقد.
النقد طبيعى لأية تجربة فى التاريخ شرط أن تتوافر المعارف الأساسية بها.
أين أنجزت؟.. ولماذا نجحت؟.. وكيف انكسرت؟
أو أين مناطق القوة التى ألهمت التغيير؟.. وأين مناطق الضعف التى أودت بالتجربة كلها؟
الجهل بالتاريخ قضية أخرى.
الفلسفة الاجتماعية لثورة يوليو بخياراتها وانحيازاتها غيرت من التركيبة الطبقية للمجتمع المصرى وفتحت الأبواب المغلقة أمام أبناء الأسر المتوسطة والفقيرة فى الحصول على حقوقهم الأساسية فى الحياة دون تمييز على أساس طبقى، والوزير نفسه واحد منهم. 
وقد كان نداء الدكتور «طه حسين» ــ قبل يوليو ــ أن يكون التعليم كالماء والهواء ملهما لفتح تلك الأبواب.
رغم الأصول الاجتماعية لأغلب الوزراء الحاليين لا يتورع بعضهم عن الحديث باستعلاء عن أبسط حقوق المواطنين، كأنها لعنة من مواريث يوليو.
وزير عدل سابق قال: «إن أولاد الزبالين لا يدخلون القضاء».
وأفضى التصريح إلى إقالته من منصبه دون أن يصحب ذلك أى تعديل فى الأعراف الجارية تسمح لأبناء الطبقات الفقيرة بالالتحاق بالسلك القضائى.
كما أفضت تصريحات مماثلة إلى أزمات أخرى دون إعادة نظر فى الطريقة التى يجرى بها اختيار الوزراء، ولا فى السياسات المتبعة.
وربما عُنف وزير الصحة على تصريحه تحت قبة البرلمان فأصدر بيانا ينفى ويراوغ حتى تهدأ موجات الغضب التى اشتعلت على شبكة التواصل الاجتماعى ونالت من النظام كله.
القضية الحقيقية ليست هنا.
القضية الأولى بالاهتمام لهجة الاستعلاء على عموم المواطنين الفقراء، كأنهم لا لزوم لهم ولا حقوق يستحقونها فى تعليم وصحة منصوص عليها فى الدستور الذى أقسم الوزير على احترامه.
أرجو أن نتذكر أن إهدار الحقوق الاجتماعية الأساسية السبب الجوهرى لثورة «يناير» التى أطاحت حكم الرئيس «حسنى مبارك»، وأن رفع صور «جمال عبدالناصر» دون غيره فى ميادين الغضب والثورة يعود إلى تجربته الاجتماعية قبل أى شىء آخر، فهو «أبو الفقراء».
كأى تجربة أخرى فى التاريخ لم تكن يوليو مبرأة من الأخطاء التى تستحق النقد.
ليس من بين تلك الأخطاء الفلسفة الاجتماعية التى تبنتها وانحازت بمتقضاها إلى فقراء هذا البلد.
أفضل ما فى يوليو تجربتها الاجتماعية التى لا تضارعها تجربة أخرى فى التاريخ المصرى كله منذ فجر الضمير، بالإضافة إلى معاركها التى انحازت فيها لقضايا التحرير الوطنى باتساع العالم العربى والقارة الإفريقية والعالم الثالث بأسره.
لم تكن مصادفة أن تقويض تجربة يوليو الاجتماعية ترافق مع تراجع الدور المصرى فى محيطه وقارته وعالمه، كأنه انقلاب مزدوج.
مع سياسة الانفتاح الاقتصادى نشأت طبقة جديدة «تسمسر ولا تنتج» مثلت القاعدة الاجتماعية لسياسة التسوية مع إسرائيل والتخلى عن أى دور تحررى.
عندما جرى تجريف أية مكاسب اجتماعية وبيعت وحدات القطاع العام وأغلب المصانع بما وصف بأنه بـ«تراب الفلوس» وحصد من أطلق عليهم فى السبعينيات «القطط السمان» ثمار النصر فى أكتوبر بدأت صفحة جديدة فى التاريخ المصرى نالت من أدوارها وأوزانها بفداحة.
بوضوح كامل فإن القضية الآن ليست «جمال عبدالناصر» بقدر ما هى المستقبل المصرى نفسه.
لا مستقبل بلا عدل اجتماعى ولا استقرار ولا أمل فى استعادة مصر لأدوارها.
ذلك هو الموضوع الحقيقى للاعتذار لـ«جمال عبدالناصر»، وقبله للمصريين العاديين الذين يتطلعون لحقوق اجتماعية أهدرت عن سبق إصرار وترصد.
 
تعليقات القراء