الحقيقة الوقحة في سجن النساء

الحقيقة الوقحة في سجن النساء
 
بقلم: نوال مصطفى
أوغلت أكثر وأكثر فى هذا العالم، وحياة النساء خلف القضبان كنت أعيش قصصهن وأكتبها على صفحات جريدة «الأخبار». أكتشف مع كل حكاية قضية ومأساة إنسانية تستحق أن ندافع عنها جميعا.. عندما تتعمق فى قضية إنسانية يشغفك الإبحار فى تفاصيلها أكثر وأكثر. وهذا ما حدث معى ترددت على ألسنة سجيناتى الحزينات كلمة واحدة جاءت ردا على سؤالى لكل منهن : قضيتك إيه؟
 
الإجابة جاءت واحدة من عدد كبير منهن : إيصالات أمانة. كم المبلغ الذى وقعتِ عليه؟ ألف .. أحيانا ألفين .. ثلاثة .. إلى عشرة آلاف أو أكثر قليلا. صفعتنى الحقيقة الوقحة مرة أخرى لأبدأ مشوارا آخر فى الكتابة عن هؤلاء اللاتى أطلقت عليهن «سجينات الفقر». عرف المجتمع لأول مرة بأمرهن عام 2007 .وانطلقت الشرارة الأولى بفضل الله للمشروع الرائد من عندنا بخروج « أميمة» أول سجينة فقر تخرج من سجن النساء بعد ستة شهور من دخوله .كان من المفترض أن تقضى ثلاث سنوات أخرى، لكن بفضل كتاباتى فى «الأخبار» وظهورى فى برنامج مع الإعلامية المعروفة رولا خرسا فجرت قضية «سجينات الفقر» ونشرتها على أوسع نطاق من خلال «جمعية رعاية أطفال السجينات».
 
كانت «أميمة» تبكى بحرارة مزقت قلبى عندما التقيتها فى سجن القناطر للنساء قالت لى «ابنتى سالى عندها سنتين ونص .. سبتها عند الجيران لما قبضوا على .معرفش حاجة عنها .محدش بيجيلى حتى أختى اللى اتسجنت بسببها».كانت تبكى بحرقة و تتوسل إلى أن أساعدها فى الخروج من هذا المكان لتبحث عن طفلتها سالى .
 
قصتها مؤلمة، بل قاسية . ضمنت «أميمة» والدها العامل باليومية، وقعت على إيصالات أمانة لتاجر الأثاث وإيصالات أخرى لصاحب محل أجهزة كهربائية  وذلك من أجل جهاز أختها الصغرى. لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها كارثة بموت والدها قبل أن يفى بباقى الأقساط، وأنها ستقف وجها لوجه أمام ذلك المصير الرهيب بانتزاع طفلتها من بين ذراعيها واقتيادها إلى السجن لتعثرها عن سداد الأقساط .
 
قلبت قصة «أميمة» حالى رأسا على عقب مثلما فعل بى مشهد الأطفال الصغار فى فناء السجن .كتبت قصتها بانفعال وحماس وغضب، كذلك استضافتنى رولا خرسا للتحدث عن تلك القصة فأحدث اللقاء صدى رائعا. لم تتوقف الاتصالات التليفونية يطلب أصحابها أن يشاركوا بالتبرع بالمبلغ المطلوب لتسديد الديون المستحقة على «أميمة» و كنت قد سألت بعض المحامين هل لو سددنا الدين يلغى الحكم أو يوقف .فقالوا ممكن، بعد إجراء مصالحة قانونية فى المحكمة يقر فيها الدائن بتسلم ما له عند المتهمة، وبعدها يتم الإفراج عنها.
 
كان المطلوب لـ «أميمة» ثمانية آلاف جنيه .لكن التبرعات لها فاقت بكثير المبلغ المطلوب .وصلت إلى حوالى أربعين ألفا، فقرر مجلس إدارة الجمعية وقتها، الاستعانة بباقى المبلغ فى الإفراج عن حالات مماثلة لحالة «أميمة» وهكذا دارت العجلة وولد مشروع «سجينات الفقر» الذى كان له الفضل فى خروج أكثر من ثلاثمائة سجينة عن طريق جمعيتنا حتى الآن بالإضافة إلى مئات السجينات اللاتى خرجن عن طريق دخول جمعيات أخرى لتبنى الفكرة والمساعدة فى الإفراج عن أكبر عدد من السجينات .
 
كان ذلك دافعى للتفكير فى مشروع «حياة جديدة» لدمج السجينات وأطفالهن فى المجتمع وذلك بتحسين أوضاعهن الاقتصادية وإزالة الوصمة الاجتماعية عنهن . تحمست مؤسسة دروسوس لأن تكون الشريك الرئيسى لنا فى خروج هذا المشروع الطموح إلى النور .بدأنا بالفعل خطواتنا الأولى فى المشروع الكبير بالتعاون مع مصلحة السجون فوقعنا بروتوكول تعاون بين الجمعية والمصلحة، وقمنا بتأسيس أول ورشة لتدريب وتشغيل السجينات الفقيرات اللاتى أوشكن على إنهاء مدة عقوبتهن فى السجن .وبالتوازى مع تدريبهن بواسطة مدرب محترف على حرفة الخياطة نقوم بتأهيلهن نفسيا عن طريق زيارة معالجة نفسية لهن مرة كل أسبوع . تلك هى الخطوات الأولى فى المشروع الذى سوف تواكبه حملة إعلامية مدروسة هدفها تغيير نظرة المجتمع للسجينة السابقة، خاصة اللاتى ينتمين إلى تلك الفئة التى نستهدفها واللاتى لا نعتبرهن مجرمات مذنبات بقدر ما ننظر إليهن باعتبارهن ضحايا للفقر والقهر.
 
إنه الحلم الكبير الذى أعطيته وقتى وفكرى والأهم إخلاصى للفكرة التى أصبحت قضيتى . والآن تملؤنى السعادة وأنا أراه يتحول إلى حقيقة بمساندة ودعم من قيادات مصلحة السجون ووزارة الداخلية ليخرج أخيرا إلى النور. 
تعليقات القراء