هل يقيم لنا الله حفل شواء جماعي في الآخرة؟

هل يقيم لنا الله حفل شواء جماعي في الآخرة؟

بقلم/ حسام مصطفى إبراهيم 

لو أراد الله ألا تحوي الأرض سوى مَن يُطيعه ويأنف من عصيانه، لأهبط ملائكته إليها، وانتهت القصة بتمجيد الرب في الأعالي على وقع موسيقى كونية هائلة، ورفرفة ملايين الأجنحة في المسافة بين الأراضين السبع والسموات السبع.
أما وقد منحنا فرصةَ الخلافة، وهو يعلم ضعفنا -لأنه صانعنا- فهذا يعني أنه يتقبَّل أخطاءنا، وجنوحنا، وسقوطنا في الوحل، وانهيارنا في الخطيّة، وتوتّرنا أمام الخيارات المتشعبة، ومخالفة رضاه –لا مشيئته- طوال الوقت.
إنه يريدنا أن نتعلَّم بالمحاولة والخطأ، ونرتقي بالمحنة والمنحة، ونفهم بالمعاينة والمكابدة، ولا يبحث عن نهايات سريعة ولا خلاصات جاهزة، لذا يمدّ الأجل، ويُرسل النُذر تلو النُذر، ويقبل التوبة، ويُسبغ الستر، حتى اللحظة التي تغلب فيها طبيعتُنا علينا، ونتوقف عند المحطة التي تلائم جبّلتنا أكثر من غيرها، فنُقبَض عليها، سواء كنت المعصية أو الطاعة.
ولا يوجد كتالوج مُوحَّد لنوال رضا الرب، لا توجد إجابات نموذجية، ولا حلول جامعة مانعة، كلها اجتهادات بشرية قد تصيب وقد تخطئ، وما الأديان –في إطلاقها- إلا خطوط عامة وعريضة  لما يمكن أن نسلكه ونسير على هديه، مع ترك مساحات للارتجال ووضع "التاتش" الخاص بنا، إعلاء للفردانية والاختلاف والتمايز بين البشر، وحثًا على التنافس وبذل الجهد لحيازة مراتب أعلى (وإلا لما كانت الجنة درجات).
ولا ينظر الله إلى الخطية، كنظرتنا، ولا يحكم على مُرتكبها كما نحكم، فهو وإن أفردَ الحديث عن صنوف العقاب مقابل كل مخالفة، فقد وضع استثناءات وطرقا خلفية وكفّارات لنوال التوبة ودخول الحضرة وبدء كل شيء من جديد، كأنه لا يريد أن يُطبِّق العقوبة، ولا يريد أن يكون القاهر فوق عباده، إلا عندما يرون هم أنفسهم أنهم يستحقون ذلك، وإلا لما أخطأوا كل هذه الوسائل للإفلات من الجزاء!
وسَبْقُ المعرفة الإلهية بمصائرنا، وتنبُئِها بمآلنا ليس إجبارًا لنا على المُضي في طريق بعينه.
فأنت نفسك تمارس فعل التنبّؤ عشرات المرات في يومك. ترى سيارة مسرعة وقد فقد قائدها القدرة على التحكم فيها، فتتنبأ أنها ستصطدم بغيرها، ويحدث هذا فعلا!
لكنك لم تجبره على الاصطدام.
ترى إهمال ابنك في المذاكرة، وتفننه في تضييع الوقت، فتتنبأ أنه سيرسب، ويحدث هذا فعلا!
لكنك لم تجبره على الرسوب.
ترى زوجين مختلفين ليل نهار، ولا يوجد نقاط التقاء بينهما من أي نوع، فتتنبأ أن ينفصلا، وينفصلان فعلا!
لكنك لم تجبرهما على الطلاق.
إنها قراءة موضوعية للعلامات، تجيدُها وأنت بشري محدود القدرة، فما بالك بالصانع كُلّي القدرة؟!
فسَبْقُ العلم بالحدث قبل وقوعه، لا يعني الإجبار عليه، أو الدفع إليه، إنما يعني القدرة على الرؤية أبعد وأفضل وأصوب.
ولا يمكن أن يكون الغرض النهائي من مهرجان خلق السماء والأرض والكواكب والبشر والرسل والرسالات والطيور والحيوانات والملائكة والشياطين، أن يُقيم لنا الله في النهاية حفل شواء جماعي!
لا يمكن أن تكون كل هذه النِعَم قد خلقت من أجل إغرائنا وفتنتنا فتكون مصيدتنا لدخول النار!
الأمر أكثر تعقيدا من كل هذا.
والغرض الأساسي -من وجهة نظري- أن ترى وتكتشف وتعرف إلى أي درجة تتجلى فيك صفات خالقك. فمثلما تريد أن ترى ابنك مثلك، يريد اللهُ أن يرى خليفته مثله، أو أقرب ما يكون إليه، لذا نفخ فيه من روحه.
فإن مِلت، وزِغت، وشُغلت بالظاهر عن الباطن، والجزئي عن الكلي، والعابر عن الأبدي، سلَّط عليك الدنيا، وابتلاك بالمحن والمصائب، حتى تنتبه، وتثوب إلى رشدك، وترجع إلى حلبة السباق الحقيقية.
فعذابك آخر ما يريد، وإدخالك النار آخر حلقة في سلم طويل من الخيارات.
وإن أضاء قلبك وعقلك وفهمت ما لك وما عليك، أمِنت الزلل، ووقيت الخلل، وامتلأت حياتك بالوسائل المساعدة على الوصول، وطريقك بالعلامات الدالة على الاتجاه الصحيح.
حتى إذا نزل الستار وحقَّ عليك العذاب، أو وجبت لك الجنة، لم يكن الأمر مفاجئًا لك، فأنت تدرك طوال الوقت ما تفعله وتقترفه، ولديك تصور -بشكل أو بآخر- عن عاقبته وما سيقودك إليه.
ولا مصادفة في أي شيء، لا في الخير ولا في الشر، لا المحنة ولا في المنحة، لا في الوصول ولا في الضلال، لا في المنح ولا في المنع، لا في الذين تقابلهم ولا في الذين تفارقهم، كل شيء محسوب بدقة، ومخطط له بعناية، من أجل أن تتبين حقيقة نفسك، ومرتبتك، ودرجتك، ومقامك، وترى أين تقف، وما ينبغي لك فعله.
لكن.. ليس كل ما ينبغي لنا فعله.. نفعله، وليس كل ما يجب علينا اتباعه.. نتبعه.
وهذا جوهر المحنة!
فنحن نرى ولا نبصر، نفهم ولا ندرك، ونسير –كالمنومين- نحو مصائر وأقدار وخيارات، نعلم يقينًا أن فيها هلاكنا، وضياع وقتنا ومشاعرنا وحياتنا، ثم لا نزال على إصرارنا حتى نحترق، ثم نكابر فنلوم غيرنا: الله والظروف والدنيا، بدل أن نفهم الرسالة الأهم من كل ما يجري لنا وعلينا وفينا: ألَّا دائم إلا وجهه، وكل ما عداه ظلال لا حقائق، فروع لا أصول.
لكن الضمانة الوحيدة وسط كل هذا الضباب أن الله ليس بشريًا ليقف لك "على الواحدة" وينتظر أن تخطئ فيخسف بك الأرض ويرسل عليك طيرًا أبابيل.
ليس مديرًا ينتظرك ممسكًا ساعته على باب الشركة ليخصم لك إذا تأخَّرت.
ليس موظفًا في شركة الكهرباء يترقب تعثّرك في السداد، ليقطع عنك النور ويُقيمك في الظلام.
ليس محاسبًا في بنك يُغريك بميزات  القروض، ثم ينتهز أول تقصير منك ليخرب بيتك.
اللهُ أكرمُ مما نتجرَّأُ به عليه، ومما نُفرِّط فيه من حقه، ومما نُعطي لأنفسنا من أَرْيَحية في عصيانه، ومما ننافقه به، ومما نبخل به عليه، وممن يستغلُّون اسمه، ومَن يُنصِّبون أنفسهم مكانه، من ضعفنا وجبننا واستسهالنا وبشريِّتنا ووحلنا، من تخيلاتنا عنه، وآمالنا فيه، وتصورنا له، من تأخّرنا في الرجوع، وإسرافنا في النوال، وبخلنا في الوداد. 
الله –ببساطة- هو الله.
 
تعليقات القراء