درس فى الشفافية!


نشر فى :
الثلاثاء 3 يناير 2017 - 9:05 م
| آخر تحديث :
الثلاثاء 3 يناير 2017 - 9:05 م

ماذا يفعل القارئ حين يطالع خبرا على الصفحة الأولى للجريدة، ثم يجد نفيا وتكذيبا له على الصفحة الأخيرة؟ ــ حدث ذلك معى يوم الإثنين الماضى (2 يناير) حين قرأت على الصفحة الأولى لجريدة «المصرى اليوم» خبرا ذكر أن الإعلامى إبراهيم عيسى «قرر الاعتذار عن عدم الاستمرار فى تقديم برنامجه»، للتفرغ والتركيز على مشروعاته الكتابية والإبداعية فى الفترة المقبلة. وهو موقف مقدر ومفهوم، يحدث فى أوساط أكبر العائلات الإعلامية، إلا أن الحيرة أطلت برأسها حين وصلت إلى الصفحة الأخيرة من الجريدة، حيث وجدت رسما كاريكاتوريا للزميل عمرو سليم ظهر فيه رأس إبراهيم عيسى طائرا فى الهواء فى حين جلس صحفى معارض إلى مكتبه ينظر إليه ذاهلا. وفى جانب من الصورة ظهر خبر إيقاف برنامج إبراهيم عيسى. لم يكن الرسم مجرد صياغة أخرى للخبر وإنما كان محملا برسالة لكل أصحاب الرأى الآخر حتى إذا كانوا يؤدون مهمتهم من داخل النظام وليس من خارجه. علما بأن الرجل لم يكن معارضا ولكنه كان ناقدا. والأول يرفض كل شىء، أما الثانى فإنه يشجع ما هو إيجابى وينتقد ما هو سلبى، كما أنه لم يكن دائما صاحب رأى آخر، لكنه كان دائما ضد سياسة الرأى الواحد. لذلك فإن الإجراء الذى اتخذ بحقه يبدو مفاجئا وعميق الدلالة. وقبل أن استطرد فى شرح هذا المنطوق فإننى أزعم أن الذى كتب عن سبب اختفائه مختلف عما كتبه هو. فبيان القناة التى كانت تقدم برنامجه جاء ركيكا ومرتبكا. ذلك أنها اعتبرت ما أصدرته من قبيل الحرص على مبادئ الشفافية والمصارحة والمهنية فى حين أن البيان كان نموذجا لعدم الشفافية، كما أن المدير التنفيذى لغرفة الإعلام المرئى والمسموع ذكر أن القناة هى التى أوقفت البرنامج، بما يعنى أن الأمر لم يكن تطوعا واختيارا لإبراهيم عيسى. وهو ما عبر عنه عنوان الخبر المنشور، الذى تحدث عن وقف البرنامج وليس اعتذار صاحبه. الطريف فى الأمر أن تصريح مدير غرفة الإعلام ذكر أن وقف البرنامج شأن داخلى للقناة يخصها وحدها، إذ هى أدرى بسياستها التحريرية وما يحقق المصلحة العامة ومصلحتها. وكانت تلك حدود «الشفافية» التى عبر عنها، ومن المفارقات أن صاحبنا صرح لصحيفة «المصرى اليوم» بأنهم حصلوا على تأكيدات واضحة بعدم المساس بحرية الإعلام، وعدم التدخل فى وقف برنامج أو إغلاق قنوات. كما أن لديهم تأكيدات واضحة من مجلس النواب بأنه ليس طرفا فيما جرى، الأمر الذى كان إشارة غير مباشرة إلى أن الأمر له علاقة بحرية التعبير.

بيان إبراهيم عيسى جاء أكثر وضوحا، «ذلك أنه تحدث عن أن برنامجه ألقى عليه الأعباء وتعرض معه لأنواء وأحيط بالضغوط. ففى الوقت الذى ساهم فيه فى اتساع عقول، فإنه تسبب أيضا فى ضيق صدور» ثم تحدث فى بيان عن اعتزازه «برأى من وضع البرنامج موضع التقدير»، وعن «تفهمه لمن أثقل البرنامج قلبه بالغضب والكراهية».

لا تدع تلك الخلفية مجالا للشك فى أن جهة ما خارج القناة وخارج غرفة الإعلام المرئى هى التى قررت وقف البرنامج وإقصاء إبراهيم عيسى. وتلك الجهة لها من النفوذ ما يمكنها من أن تسكت أى صوت بجرة قلم. ورغم أننا لا نعرف شيئا عنها إلا أن ذلك ينبغى أن يقلقنا. ليس فقط للغموض الذى يكتنف جهة القرار، وإنما أيضا للمدى الذى بلغه ضيق الصدر بحيث شمل الأعوان أيضا، فضلا عن مضمون الرسالة التى يوجهها القرار إلى جميع الإعلاميين وغيرهم من نشطاء المجال العام. لكى لا يتوقعوا انفراجا أو يرفعوا سقف توقعاتهم. وإنما عليهم أن يلتزموا جانب الحذر، وأن يتحسس كل منهم رقبته فى العام الجديد. ورأس إبراهيم عيسى التى وضعها رسام الجريدة طائرة فى الهواء عبرة لمن لا يعتبر.

لقد قرأت فى صحف الثلاثاء تقريظا مستحقا وتضامنا واسعا مع المجنى عليه فى القضية، لكن أحدا لم يتطرق إلى الجانى الذى تم تجاهله فلم ينل ما يستحقه.

تعليقات القراء