حين أصبح الإلحاق مطلبًا


نشر فى :
الأحد 19 فبراير 2017 - 11:55 م
| آخر تحديث :
الأحد 19 فبراير 2017 - 11:55 م

التراشق الحاصل الآن فى مصر حول انتخاب نقيب الصحفيين يحذر من خطرين، أولهما تدهور أوضاع المهنة، وثانيهما سيطرة فصيل واحد على مقدرات النقابة. وتلك وجهة نظر طرف واحد يريد الإطاحة بالنقيب الحالى (المرشح) وبمجلس الإدارة المتهم باختطاف النقابة. ولأننى أحد المتابعين للمعركة (من منازلهم)، فإننى أزعم أن المشكلة الحقيقية ليست فى داخل النقابة ولكنها فى خارجها، بمعنى أنها سياسية بالدرجة الأولى وليست مهنية. ولست أدعى أن النقابة ليست بلا مشاكل، ولكن لها مشاكلها التقليدية العديدة غير المثارة فى الصراع الحالى. (الأجور والخدمات وغير ذلك) كما أننى أوافق على أن الصحافة المكتوبة فى أزمة، ليس فى مصر وحدها ولكنها فى أغلب بلاد العالم. ولأن الأزمة وثيقة الصلة بمنافسة التليفزيون وبالثورة التى حدثت فى عالم الاتصال، وأدت إلى تراجع دور الإعلام الورقى والمكتوب، فإن علاجها يفوق بكثير قدرة وكفاءة أى نقيب أو مجلس إدارة فى أى مكان بالكرة الأرضية، مع ذلك فثمة عوامل تساعد على صمود الإعلام المكتوب رغم كل الظروف المعاكسة والضاغطة، وعلى رأس تلك العوامل استقلال الصحف ونزاهة وشجاعة مواقفها، لذلك أزعم أن الصحافة القوية لم تعد تستمد نفوذها من انفراداتها الإخبارية، التى باتت نادرة وحقق البث التليفزيونى سبقا فيها، وإنما باتت تعتمد فى قدرتها على ما يتسم به موقفها من نزاهة وشجاعة، الأمر الذى جعل صحافة الرأى فى موقع متقدم على صحافة الخبر، فى الوقت الراهن على الأقل.

هذه الخلفية تسلط بعض الضوء على مشكلة الصحافة فى مصر، ومشكلة النقابة بالتالى. ذلك أن أهل المهنة يعرفون جيدا أن انتعاشها أو انتكاسها مرهون بمساحة الحرية المتاحة، فهى تنتعش مع اتساع تلك المساحة وتتراجع وتنتكس تبعا لمقدار انحسارها.

للدقة فتلك ليست مشكلة نقابة الصحفيين وحدها، ولكنها مشكلة مزمنة عانت فيها كل منابر التعبير الحر عن الرأى العام، بما فى ذلك النقابات المهنية والعمالية والأحزاب والمنظمات الأهلية وغيرها، إذ فى ظل أزمة الديمقراطية فى مصر المستمرة منذ عقود، فإن السلطة ظلت ساعية طول الوقت للسيطرة على كل تلك المنابر وإلحاقها بسياساتها. ولا مفر من الاعتراف بأنها حققت نجاحات مشهودة فى ذلك اختلفت نسبتها باختلاف مساحة الحرية المتاحة فى كل مرحلة. ومنذ تأميم السياسة وإلغاء الأحزاب فى مصر، فإن النقابات المهنية واجهت ضغوطا عديدة لإخضاعها، الأمر الذى عرض بعضها للتجميد ووضع البعض الآخر تحت الحراسة (نقابة المهندسين مثلا)، لكن الأجهزة الأمنية أولت نقابتى المحامين والصحفيين اهتماما خاصا بحكم اتصالها الوثيق بالمجال العام والرأى العام. حيث لم يكن التسامح مع انتخاباتهما واردا فى أى مرحلة. وبعدما تحقق المراد وتم الإلحاق فى نقابة المحامين، فإن ترويض نقابة الصحفيين صار مطلوبا بإلحاح، خصوصا أن النظام الراهن يولى الإعلام أهمية قصوى. وإذ ضمن النجاح المنشود فى مجال الإعلام المرئى، فقد حل الدور على الإعلام المقروء، الأمر الذى عرض نقابة الصحفيين لمسلسل من الأزمات المفتعلة طوال العام الأخير، وأدى إلى صدور حكم بسجن نقيب الصحفيين واثنين من مساعديه لأول مرة فى التاريخ النقابى.

مشكلة النقابة الحالية أنها أرادت أن تكون مستقلة، ورفضت الإلحاق والاستتباع، لم تكن معارضة، وإنما حرصت على أن تظل متفهمة ومتعاونة، وبسبب استقلالها فإنها احتملت أصواتا معارضة بقدر ما اتسعت لأصوات المؤيدين. لكن ضيق الصدور رفض وجود نقابة مستقلة حتى إذا كانت مع النظام وليست ضده. وهى ذات الأزمة التى واجهت حزب «المصريين الأحرار» وأدت إلى الانقلاب الذى وقع فيه. وذلك جوهر المسعى الذى تعرضت له نقابة الصحفيين طوال العام الفائت، واشتركت فيه صحف يفترض أنها محترمة وصحفيون كبار. وكانت الذريعة التى استخدمت لطعن مجلس النقابة الحالى أن أعضاءه يمثلون اتجاها واحدا، ورغم أنى لست متأكدا من ذلك، إلا أن الأمر لا يخلو من غرابة، لأن الأهم من ذلك أنهم اختيروا من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وتلك آفة منتشرة فى جماعاتنا، إذا فاز من نحب فهو اكتساح، ولو فاز من نكره فهو اختطاف، فىحين أن احترام الممارسة الديمقراطية يقاس بمقدار احتمالك وتعايشك مع من تكره وليس من تحب.

تعليقات القراء