عن مذبحة المقاهى

كم مصريا ينبغى أن يقتل لكى تفيق أجهزة الإدارة وتؤدى ما عليها فى حماية المجتمع؟.. السؤال من وحى الحادث المفجع الذى وقع فى أحد مقاهى القاهرة يوم الأحد الماضى (٥/٢) وأدى إلى قتل أحد الشبان بسبب مشادة مع المسئولين عن المقهى بسبب حساب «الفُرجة» على مباراة نهائى كأس أفريقيا. إذ تبين أن المقهى يستأجر بلطجية لترهيب الزبائن، وقد طعن أحدهم الشاب بسكين أرداه بسببها قتيلا. القصة هزت المجتمع المصرى خصوصا حين علم الناس أن الشاب وحيد أبويه، وأنه تخرج لتوه من الجامعة البريطانية، وكان على موعد للسفر لتسلم عمل بالكويت فى اليوم التالى. وأنه اصطحب خطيبته لمشاهدة المباراة ليلة السفر فى أحد المقاهى المتميزة بمصر الجديدة، لكنه خرج منها جثة هامدة.

فضلا عن أنها فاجعة إنسانية، فإن الحادث نبه المسئولين إلى كارثة المقاهى التى أصبحت بمثابة وباء انتشر بشكل مؤرق فى مختلف الأحياء الهادئة، وتحول إلى ظاهرة سلبية ومصدر للعبث وتداول المخدرات، ناهيك عما سببته من أرق وإزعاج للسكان.
الصدمة أحدثت صداها لدى المسئولين، فصدرت التعليمات خلال ٢٤ ساعة بتحطيم واجهات جميع تلك المقاهى بدعوى أنها غير مرخصة. وكانت النتيجة أن غارة شنت على تلك المحلات وحطمت واجهاتها وديكوراتها، كما صادرت الطاولات والمقاعد، ولم ينته النهار إلا وتحولت تلك المحلات الباذخة إلى ركام وأنقاض، كأن زلزالا ضربها وأتى على ما فيها. حتى بدا وكأن الغارة كانت انتقاما غاضبا وثأرا للشاب الذى قتله البلطجية.

لأننى من سكان مصر الجديدة، وأحد الذين اشتكوا من استفحال الظاهرة كتابة وشفاهة، فقد أتيح لى أن أطالع مشهد الغارة ونتائجها المدمرة. وأحصيت فى محيط سكنى عشرة مقاهٍ لحقها التدمير، وقرأت على مواقع التواصل الاجتماعى أن ٧٠ مقهى حطمت واجهاتها فى مصر الجديدة ومدينة نصر (الأهرام تحدثت عن ٥٧ مقهى فقط)، وهذه كلها كانت تعمل لسنوات بدون ترخيص، كما قرأت تعليقات وتغريدات كررت الشكوى من سكان أحياء أخرى فى القاهرة، وسكان مدينة المعادى المجاورة، وكما حدث معنا فى مصر الجديدة، فإن السكان ظلوا يجأرون بالشكوى، دون أن تتحرك أجهزة البلدية المعنية، إلى أن وقعت الواقعة فى أعقاب مباراة كأس أفريقيا، فشمرت الأجهزة عن سواعدها، وشنت غارتها على مقاهى الحى على النحو الذى ذكرت.

إذ يثير انتباهنا اكتشاف أن ذلك العدد الكبير من المقاهى يعمل بدون ترخيص، فإن ذلك يدعونا إلى البحث عن تفسير لاستمرارها فى العمل بصورة غير مشروعة وسكوت البلدية عليها لعدة سنوات. هناك حديث متواتر وقديم عن فساد المحليات والرشاوى التى تدفع لإنجاز أى معاملة غير مشروعة. فى الوقت ذاته ثمة همس مسموع الصوت يتحدث عن أن بين أصحاب المقاهى غير المرخصة عدد غير قليل من «الباشوات» ذوى النفوذ الذين لا يرد لهم طلب.

الملاحظة الأخرى تتعلق بحجم الغارة التى وقعت. ذلك أن موضوع المقاهى كان قد أثير إعلاميا فى العام الماضى، فقام حى مصر الجديدة بحملة محدودة استهدفت عددا من المقاهى لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، لكن تلك المقاهى «وفقت أوضاعها» وعادت إلى العمل مرة أخرى خلال أسابيع محدودة، ثم شملتها الغارة الأخيرة. وهو ما يعنى أمرين، الأول أن فساد المحليات قادر على الالتفاف على القرارات الإدارية. الثانى أن شدة الحملة الأخيرة واتساع نطاقها يدل على أن التعليمات الخاصة بها صادرة من جهات أعلى من الباشوات الذين يملكون المقاهى أو يحمون أصحابها. وهو ما لا يطمئن كثيرا لأن ذلك لم يقع إلا بعد الدوى الذى أحدثه قتل الشاب مساء يوم الأحد. وحينما تهدأ الموجة فلا غرابة أن تعود ريمة إلى عادتها القديمة، كما يقال. الأمر الذى يجعل السؤال الذى بدأت به الكلام واردا وملحا.

تعليقات القراء