انهيار نفوذ العُمد والمشايخ فى القرى.. وهل اخترق «داعش» حصون «الأشراف»؟

انهيار نفوذ العُمد والمشايخ فى القرى.. وهل اخترق «داعش» حصون «الأشراف»؟

بقلم - دندراوى الهوارى

 

أسئلة تبدو فى شكلها عادية، غير مقلقة، ولكن مضمونها، شديد الأهمية، أين العمد والمشايخ والخفراء فى القرى والنجوع بمحافظات مصر المختلفة، ولماذا اختفى دورهم وصاروا خصما من المنظومة الأمنية؟!
 
فى بداية القرن الماضى وحتى نهايته، لعب العمد ومشايخ البلد وشيوخ الخفراء، دورا جوهريا فى ضبط المنظومة الأمنية فى قراهم ونجوعهم، وطوال أكثر من مائة عام، ثم بدأ التراجع والترهل التدريجى فى دورهم مع بداية عام 2005.
 
المدهش إنه عندما كان العمد ومشايخ البلد، ركائز الأمن فى القرى والنجوع، ويتمتعون بهيبة كبيرة، لم يكن يتقاضون مليما واحدا من الدولة، وينفقون من جيوبهم الخاصة على مناصبهم، وكان قوام الاختيار، لشغل هذه المناصب، بالتعيين المجانى، تارة، وهو عامل الاختيار الذى استمر حقبة زمنية طويلة، ثم بالانتخاب، تارة ثانية، وهو العامل الذى استمر لحقبة زمنية أقل، ثم عاد الاختيار بالتعيين، مؤخرا وبمقابل مكافأة أساسية 750 جنيها شهريا، ليصير العمدة موظفا فى وزارة الداخلية.
 
والعام الماضى، أجرى مجلس النواب تعديلا جوهريا على بعض أحكام القانون، رقم 58 لسنة 1978، لاختيار العمد ومشايخ البلد ونختار المادة 17 من القانون التى تحدد مهام وظيفة العمدة وشيخ البلد، ونصها: «عمدة القرية ومشايخها مسؤولون عن حماية أمن القرية بمنع الجرائم، وضبط ما يقع منها، وإجراء المصالحات، والعمل على فض المنازعات، والتوفيق بين المتخاصمين، وكل ما من شأنه الحفاظ على الأمن العام، ويؤخذ رأيهم فى اختيار الخفراء الجدد حال تعيينهم، وكذا فى اختيار شيخ الخفر، وعليهم فى دائرة عملهم مراعاة أحكام القوانين واللوائح، وإتباع الأوامر التى تبلغ إليهم من جهات الإدارة».
 
وعليه فإن جوهر منصب العمد ومشايخ البلد والخفراء، قائم على حماية أمن القرية، كجزء مهم فى المحافظة على الأمن العام، لكن هل يؤدى العمد والمشايخ ومشايخ الخفر والخفراء دورهم الأمنى كما نص عليه القانون؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فكيف انتشر الفكر التكفيرى وأصبحت العناصر المتطرفة يزرعون بذور الأفكار التكفيرية فى ألباب الشباب، ويغرسون أنيابهم المتطرفة على جدران أفئدة الأبرياء؟
 
الإجابة الحقيقية، مزعجة وصادمة، فتستطيع أن تقولها وضميرك مستريح: «لم يعد هناك وجود حقيقى لدور العمد والمشايخ، وانهارت إمبراطورية هيبتهم»، وأصبحت معدلات الجريمة فى القرى والنجوع أعلى وأخطر من مثيلاتها حتى فى المدن الكبيرة والصاخبة مثل القاهرة، بمراحل. وتأكيدا لذلك، أن معظم التكفيريين المنفذين لعمليات التفجيرات بشكل عام، وتفجيرات كنائس البطريسية بالقاهرة والمرقسية بالإسكندرية ومارجرجس بطنطا التى حصدت العشرات من الأرواح البريئة، أبطالها من قرى ونجوع محافظة قنا.
 
التكفيريون يعملون فى العلن وتحت سمع وبصر العمد والمشايخ وأمن قنا، فردا فردا، ومع ذلك تركوا لهم الحرية الكاملة، ليتشعبوا ويتمددوا، وينثرون أفكارهم التكفيرية، ويجندون ما يشاءون، ويجرون تدريبات مسلحة فى صحراء قنا، وجميع المنظومة الأمنية بالمحافظة جعلت ودنا من طين وآخرى من عجين، لا عمدة تحرك، ولا شيخ بلد اعترض، ولا ضابط رصد، ما يدور فى محافظته من كوارث!
 
وإذا كان العمد والمشايخ قد انهار دورهم، ولم يعد لهم تأثير من أى نوع، وأصبحوا موظفين بوزارة الداخلية يتقاضون مكافأة ثابتة قدرها 750 جنيها، فإن هناك ملاحظة أخطر، وتدعو للوقوف أمامها طويلا، بالرصد والبحث والمناقشة الهادئة، لإيجاد حلول لها، وهى «هل داعش استطاعت اختراق الطرق الصوفية وفى القلب منها قبائل الأشراف؟».
 
لا يمكن أن نكتفى بالتوصل إلى أسماء أعضاء الخلية المتورطة فى تفجير الكنائس وتكفير المجتمع، دون أن نرصد الواقع الاجتماعى للأعضاء، إذا وضعنا فى الاعتبار أن أفراد الخلية ينتمون لقبيلة «الأشراف»، أعرق القبائل ليست فى الصعيد فحسب ولكن فى مصر، وذات الميول الصوفية، والزهد، والمتعارضة أفكارهم مع الأفكار الوهابية المتشددة والتكفيرية، وعلى خلاف فكرى شديد مع جماعة الإخوان الإرهابية وداعش والسلفيين وغيرهم من الجماعات الشبيهة فى الفكر والتوجه.
 
وقدرة اختراق «داعش» والتنظيمات الكفيرية لقبائل الأشراف أو الهوارة والعرب والجعافرة على سبيل المثال، وليس الحصر، إنما يمثل خطر داهم يصل إلى حد الكارثة، فمجرد اختراق هذه التنظيمات للقبائل الكبرى، تستمد قوتها ونفوذها من نفوذ القبيلة التى ينتمى لها العناصر التكفيرية، فلا يستطيع «عمدة أو شيخ بلد» الاقتراب منهم أو الإبلاغ عنهم، كما أن الأمن سيغض الطرف عنهم تحت شعار المواءمة وعدم الاصطدام بالقبيلة.
 
وبنظرة متفحصة أيضا للتركيبة السكانية فى محافظة قنا تحديدا، تفاجأ بأن أى مواطن قنائى لابد وأن يكون منتميا لأحد القبائل الثلاثة، الأشراف والهوارة والعرب، ويستمد نفوذه، وقدرة تحركاته، من نفوذ القبيلة المنتمى لها، وهنا مكمن الخطورة البالغ، لذلك على الدولة أن تنزعج من انتماء خلية تفجير الكنائس لقبيلة الأشراف، أكثر من انزعاجها كونها خلية تروج أفكارها التكفيرية بين أفراد المجتمع، لأن قبيلة الأشراف تعدادها يتجاوز المليونين نسمة، والبعض يشيع أنها تصل إلى 5 ملايين، دستورها مناصرة آل بيت رسول الله، ورفض ونبذ العنف، وكون أن أخطر الخلايا التكفيرية تنتمى للقبيلة، فهنا نسأل: «هل حطمت داعش حصون القبائل واخترقت الأشراف والصوفيين؟».
تعليقات القراء