«الخوص والنور والنسيم..وربك رب قلوب»

«الخوص والنور والنسيم..وربك رب قلوب»

بقلم/ أكرم القصاص 

أجيال متعددة كانت ولاتزال تكتحل فى سبت النور، وقبلها تحتفل فى حد السعف أو حد الخوص، وتلون البيض فى شم النسيم، ويتبركون بالأولياء والعدرا والحسين وآل البيت، يفعلون كل هذا لأنهم يرونه شأنا مصريا، أما الشعائر والطقوس فمحفوظة، لم ينقص إسلام المسلمين ولا مسيحية الأقباط، نقول هذا بمناسبة عيد القيامة وما قبله وما بعده وختامه شم النسيم، باعتبارها أعياد مصرية وليست فقط مسيحية.
 
آلاف الحكايات والمشاهد حفظتها أجيال حتى عقود قريبة، كان حد الخوص احتفالا مصريا يحمل الأطفال مسلمون ومسيحيون الخوص من جريد النخل ويلبسون منها خواتم وعقودا ويتم تجديد الأدوات المصنوعة من الزعف.
 
كان المصريون يحزنون فى الجمعة الحزينة، بمفهوم المشاركة، وسبت النور كان المصريون يكتحلون فى هذا اليوم وتختتم الاحتفالات بشم النسيم والنيل والورد، والبيض الملون والسمك والفسيخ وخلافه.
 
كل هذا ممتد من آلاف السنين «احتفال وعيد مصرى خالص»، كان المصريون يحتفلون به معا، مثلما كان العيد الكبير احتفالا عاما، وكل هذا لم يكن يؤثر من قريب أو بعيد على عقائد المسلمين والمسيحيين. مثل زيارة الأولياء. وقتها كانت صلاة الجمعة وصلاة الجماعة للأطفال والمراهقين نوعا من الترويح والمتعة والفرح وسط ناس مبتسمين ضاحكين. كان التحريم أقل والتسامح أكبر، حتى بدأ فى السبعينيات غزو التجهم والمظهرية، تضاعف التحريم وتكاثر الحرام.
 
وما نشاهده اليوم وخلال السنوات الماضية من ضجيج يصدر من متكلمين يتاجرون بالكلام يحرمون التنفس والتنزه والزهور والأكل والشرب والحياة، يوسعون الشكل ويتقلص المضمون، ويصل الأمر أن شخصا من هؤلاء يظهر فى الفيديو ليحرض على حبس المرأة ومنع الاحتفال والابتسام والخروج والدخول ويسمى نفسه عالما، بينما هو واحد من تجار الصنف الذين يمارسون دعاية مضادة للحياة، ونشر الكراهية والضجيج وتحليل ما يناسب مصالحهم وغرائزهم.
 
كل من عاش حتى القرن الماضى بانصاف يعرف أن الناس كانوا أكثر تقوى وأكثر إيمانا وتسامحا، المسلمون والمسيحيون يفرحون لبعضهم ويتركون ما لله لله، كانوا ومازالوا يعرفون أن المسيح لجأ إلى مصر من البطش، ويتبركون بالعدرا والحسين. ويعرفون أن أرواح هؤلاء هى التى صنعت الروح المتميزة، ولم يتوقفوا ليسألوا مصدر الاحتفالات، فرعونية مسيحية فاطمية سنية، ويعرفون أن الدين المعاملة، وليس التخويف والكراهية.
 
وما زالت هناك أغلبية تحتفل معا، وكل منهم يذهب إلى عقيدته، من دون أن يضطر للكراهية والشك، كانت مصر أجمل وأكثر أيمانا ونورا. تحرسها أرواح الأنبياء والأولياء، وحتى الفلاحون كانوا ومازالوا يزرعون ويحصدون حسب الشهور القبطية، لأنها أكثر دقة، يعملون بالحكمة «ربك رب قلوب». 
 
تعليقات القراء