داعش يقلد كبدة البرنس !

داعش يقلد كبدة البرنس !

مصر العربية 

بقلم/ محمد هاشم عبيه 

أحب كبده البرنس، وأرى أن قصة صعود وهبوط مطعم البرنس الدرامية والتي وصلت ذروتها إلى إغلاقه لأكثر من عامين بسبب "طعام فاسد أو جرى إفساده" أو "فساد ذمم" أو "مكيدة" من منافسين كاد أن يقضي عليهم حرفيا، ثم عودته مرة أخرى من قلب الرماد أكثر توهجا وانتشارا وقوة وشعبية وتأثيرا، هي قصة نجاح مصرية بامتياز تستحق الدراسة لمعرفة أسبابها والسير على نهجها، علما أن كل ما سبق كلام جد لا هزل فيه مطلقا.
 

إذن ما العلاقة بين كبده البرنس وداعش؟

لاعلاقة مباشرة قطعا. ناصر البرنس وطني عن حق، ليس فقط لأنه يعلق لافتة ضخمة على صدر المحل يقول فيها "اللي يحب مصر ميخربش مصر" وهي عبارة يؤمن بها قولا وفعلا رغم أن آخرين من كبار الساسة والإعلاميين ابتذلوها ابتذالا، وإنما لأنه نموذج مصري بامتياز، كافح وانطلق في سنوات قليلة من رجل يبيع الكبدة على ناصية أحد شوارع إمبابة، إلى صاحب أشهر مطعم يقدم أكلات مصرية شعبية في المحروسة بأكملها، وصاحب ذلك ثراء منطقى- بالعرق والمجهود والحفاظ على أصول وشرف مهنة الطبخ وليس بالنصب أو الفهلوة أو بالأرتماء في أحضان مافيا حكومية أو قطاع خاص- جعله ينتقل للعيش في أحد كومباوندات الشيخ زايد الراقية، جارا لمشاهير المجتمع الذين يقفون بالطوابير وهم يطلبون المنيو في مطعمه الأنيق والنظيف والمبهج.
 
 لجأت داعش إلى الكذب والتلفيق بين في محاولة لإظهار قدرتها على التماسك والنزال مع جنودنا في سيناء على عكس الحقيقة.   
أما داعش، فهم قتلة ينتشرون كجراد على رمل سيناء أو يكمنون في بعض مدن الدلتا، لايفهمون شيئا في الشرف حتى ولو كان شرف الخصومة والقتال، ولايعرفون حرمة لدم، أو لدين، أو لوطن، أو لأهل، أو لإنسانية. أغلب الظن أن داعش لم تعد في حاجة إلى تفسير وتوضيح، وباتت الكلمة في حد ذاتها معادلا لكل ما هو وحشي ومنحط وغير آدمي.
 

من جديد إذن يكون السؤال كيف يلتقيان وهما على طرفي نقيض؟

الالتقاء هنا تم دون تحديد أو خطة أو ترتيب، لكن داعش ومن قبلهما البرنس، انتبها مبكرا إلى أن زمن الدعاية التقليدية قد ولى بغير رجعة، وأن تأثير الدعاية الشفهية على غرار "كبده البرنس أجمد كبده في مصر"، أو "انضم إلى داعش لتنال دستة من حور العين في الجنة"، لم يعد كافيا في زمن الصورة والفيديوهات، حتى ولو كانت مصنوعة وملفقة وغير حقيقية.
 
عودة البرنس بعد طول انتظار، لم يعرفها جمهوره بالذهاب إلى مقره في إمبابة، وإنما عبر صفحة المطعم على فيس بوك التي يتابعها حاليا نحو ربع مليون "أكيل"، والافتتاح الضخم الذي جرى إعلانا بعودة الطعم الشرقي الأصيل بعد طول غيبة، بُثت وقائعه عبر فيديو تم تصويره بطريقة سينمائية محترفة وبتقنية فنية لافتة، عبر نفس الصفحة. لم يستعن ناصر البرنس بكاميرا استديو نهاد التقليدية التي كان صاحبها يستخدمها لتصوير الأفراح في التسعينيات ثم توقف عند هذه المرحلة ولم يلاحق التطور الضخم الذي لاحق كاميرات الفيديو بعدها، وإنما لجأ البرنس إلى طاقم تصوير محترف وابن جيله وعصري ويتمتع بمهارات لافتة في التصوير المتحرك والمونتاج واستخدام المؤثرات والموسيقى التصويرية، فخرج الافتتاح جذابا ومثيرا وفاتحا للشهية.  لم يكتف البرنس بهذا الاستعراض السينمائي في الافتتاح فحسب، يمكنك أن تزور صفحته على فيس بوك لتعرف أن هذا أصبح منهجا تسويقيا أصيلا، حتى أنه لم يفوت فرصة عزومة لاعب النادي الأهلي "مؤمن زكريا" لزملائه في النادي على طواجن البرنس قبل إحدى المبارايات، فاصطحب معه فريقه السينمائي المحترف، إلى قلب النادي الأهلي، مستعينا بزاويا ولقطات تصويرية بعضها لايظهر في الأفلام السينمائية المصرية التجارية وقد تثير غيرة مخرجين عتاولة!
 
حسنا، هذا تماما فعلته داعش في حربها الدعائية على جيشنا الوطني الباسل في سيناء. مع فارق مهم هو أن البرنس لا يكذب في أفلامه الدعائية، ولا يتفاخر بالقتل طبعا. بينما تفعل ذلك داعش بكل إيمان بالوحشية.
 
الفيلم الأخير لداعش الذي تداول على نطاق واسع بين مستخدمي فيس بوك، ترك أثرا سلبيا في البداية لاسيما على أولئك الذين يتأثرون بالدعايات المباشرة، لكن الموضوع لم يستغرق سوى ساعات قليلة لتظهر الأصوات التي تفرغ الفيديو من مضمونه (من المهم الإشارة أن معظم هذه الأصوات كانت لمن هم على الضفة الأخرى من الدولة ومواقفها السياسية، في إشارة واضحة إلى أن الاختلاف في السياسة لايعني خلافا على مفهوم الوطنية)، وتظهر كيف أن داعش لجأت إلى كذب وتلفيق بين في محاولة لإظهار قدرتها على التماسك والنزال مع جنودنا في سيناء على عكس الحقيقة. هذا ليس معناه أن داعش انتهت من سيناء قطعا، لكنها تحاول أن تمنح لنفسها مساحات من القوة والعنفوان من الواضح جليا أنه لم تعد تمتلكها كما كان يحدث في السابق.
 
 هذا ما فعلته داعش في حربها الدعائية على جيشنا الوطني الباسل في سيناء. مع فارق مهم هو أن البرنس لا يكذب في أفلامه الدعائية.
  
باختصار، داعش لجأت إلى ذات منهج البرنس. تجاوزت ستديو نهاد، واستخدمت التقنيات التصويرية الحديثة التي – بالمناسبة- لم تعد سرا أو حكرا على فئة بعينها، وتطبيقاتها متاحة، ومن السهل للغاية أن تصل إليهم في سيناء طالما أن حبالهم موصولة بقيادات أخرى من داعش في دول مجاورة.
 

ما المطلوب إذن؟

علينا استلهام تجربة البرنس. الأكيد، وفقا لكثير من المعطيات – ورغم عدم انتهاء المعركة قطعا- فإن انتصارت جيشنا الوطني في سيناء على داعش تستحق الاحتفاء والإشارة ، أولا لأن هذا حق الأبطال الذين يحاربون هناك، ولأن تسجيل البطولات فرض عين للجيل الحالي وللأجيال القادمة وليس رفاهية، وثالثا لأن  جزء كبير من إدارة المعركة مع الإرهاب إجمالا يكمن في اتقان حرب الصورة. استعاد الجيش جبل الحلال في معركة شرسة وطويلة، غطى الإعلام ذلك لاحقا لكن بطريقة تقليدية، لن يطول أثرها رغم أهمية ما جرى.
فلنستعن إذن بوصفة البرنس، ولنبتعد للأبد عن ستديو نهاد.
 
تعليقات القراء