هل أتاك نبأ «الدين الجديد»؟

سحر الجعارة
ربما لم يكن فى حسبان «مؤسسة الأزهر» أن السعودية ستبدأ فى تحطيم الأصنام، وتُسقط «التابوهات» التى تأسست عليها «الدولة الدينية» وعاصمتها «مشيخة الأزهر»، فجاء اختراع قائمة الـ«51 مفتياً»، وهم تشكيلة من حملة بكالوريوس التجارة والإخوان وقادة اعتصام «رابعة» المسلح ممن سماهم الأزهر «علماء» يحق لهم الفتوى فى وسائل الإعلام، ليفرض الأزهر وصايته على المجتمع، ويطيح بقوانين «الدولة المدنية»، ويخلق كياناً من «ملالى الأزهر»، يصدرون الفتاوى للناس على أنها أحكام ربانية، ويضعون صياغة لـ«دين جديد»، وفقاً لرؤية نحو 200 شخص إذا أضفنا إليهم قائمة وزارة الأوقاف!
 
«الدين الجديد» له ميليشات تشكّل ما يشبه جماعة «الأمر بالمعروف»، وله «كتائب حسبة» منظمة تتصدى لكل من يقترب من «التراث المحنط».. والأغرب أن له منابر إعلامية وعدداً من الكتّاب والإعلاميين يحاربون رموز التنوير، إنهم (شلة المنتفعين) ممن يحاربون بسيف شيخ الأزهر!
 
كنا على العشاء (فى مؤتمر الشباب بالإسماعيلية)، ووجّه الكاتب الكبير «يوسف القعيد» سؤالاً للإعلامى الدكتور «محمد سعيد محفوظ»: «أين تذهب تبرعات دولة الإمارات للأزهر؟».. فأجاب «محفوظ»: إنها مخصصة للإعلام.. وشهود الواقعة على قيد الحياة، ولا أعتقد أننى أذيع سراً، فالدكتور «محفوظ» نفسه صاحب البرامج الشهيرة لشيخ الأزهر، والتى كان آخرها «الإمام الطيب»، الذى عُرض رمضان الماضى. إذاً الأزهر «دولة موازية» تحكم مصر من الباطن، ولديها كل الإمكانيات والآليات لذلك.. لكن أسوأ تلك الآليات أن الدستور لم يفعّل منه إلا المادة التى تحصن شيخ الأزهر، فبموجب المادة السابعة من الدستور: «شيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء»!.
 
وبالتالى فهناك خلط متعمد بين «الإمام الأكبر» و«الإسلام» نفسه، لأن سطوة الدين لا يحدها سقف، بينما سلطة السياسة ينظمها الدستور والقانون.
 
لذلك قرر قادة «الدين الجديد» الانفراد بشعب مصر، وفرض أفكارهم وتفسيراتهم المتطرفة للإسلام علينا، بمرجعية واحدة تتبنى رأى «جبهة الإفتاء» وتصادر كل الآراء الفقهية الأخرى. وهكذا تصبح بعض المذاهب الإسلامية مرتدة، (الشيعة والعلويون نموذجاً)، أما «داعش» فلا يملك أحد أن يخرجها من الملة لأن الدكتور «أحمد الطيب» لا يسمح بتكفيرها!
 
ويصبح «حق الاجتهاد» هرطقة وزندقة، وقد لا يكتفى الأزهر بسجن من يتجرأ ويجتهد بل تصدر فتوى بحرقه، مثلما كانت تفعل الكنيسة فى القارة الأوروبية فى الفترة ما بين القرن 12 حتى 18 الميلادى ضدّ السحرة والمشعوذين.. وبنفس منطق الكنيسة فى عصور الظلام سوف يحتكر الأزهر «صكوك الغفران» ويوزعها كيفما يشاء.
 
لذلك ستجد على رأس لجنة الفتوى الرجل الأقوى داخل المشيخة «عباس شومان»، وكيل الأزهر، الذى وقف يوماً على المنبر يطالب بسحب صلاحيات القضاء ومنحها للمعزول «مرسى»، قائلاً إن «رئيس الدولة فى صدر الإسلام كان يتولى القضاء بنفسه إن كان يحسن القضاء»!.
 
وهو الرجل الذى يصادر «حق الاجتهاد»، ليظل «رجال الأزهر» وكلاء الله.. وسبق أن كتب مقالاً بجريدة «اليوم السابع» بعنوان «الأحكام بين التعطيل والاجتهاد»، محاولاً إخماد ثورة التجديد والاجتهاد التى تعصف بالخطاب الدينى المتحجر، وأكد الإبقاء على نصوص قرآنية بعضها عطلها سيدنا «عمر» والأخرى أُلغيت بمواثيق دولية، وهذا معناه -ببساطة- الإبقاء على الرق وملك اليمين، والإبقاء على ما يسمى تطبيق الحدود الشرعية، مهما أُلغيت بعقوبات قانونية لأنها كما قال «أحكام باقية كما وردت فى نصوصها ولا سلطة لبشر فى تغييرها أو استبدالها»!
 
إنه إذاً دين «إرهاب داعش»، وسبى النساء، وزواج القاصرات، وقتل الأقباط على الهوية (لا يُقتل مسلم بكافر)، دين لا يخجل من شبهة الفساد الإدارى: (قال «شومان»: هناك مئات من عائلتى يعملون فى الأزهر، وهو اعتراف صريح باستغلال وظيفته)، دين يعادى المرأة ويُسقط عنها حقوقها بإقرار وقوع الطلاق الشفهى.. إنه «إسلام الطيب» ورجاله وليس إسلامنا!
 
الغريب أن رئيس المجلس الأعلى للإعلام، «مكرم محمد أحمد»، قال إن القائمة تأتى لمواجهة فوضى الفتاوى، وهو يعلم جيداً أن المجلس لا يملك «أدوات مراقبة» لفتاوى الفضائيات وليس لديه «كوادر مؤهلة» لمعرفة نحو 200 مفتٍ ولو بالشكل ولا لتقييم فتاواهم، وأنه سيتم تطبيق هذا القرار بشكل «انتقائى» لاستبعاد أسماء بعينها!
 
شيخ الأزهر قرر الثأر ممن اعتبرهم «خصوماً»، لأنهم دعاة تنوير، وناصبهم العداء، ومنهم الدكاترة «سعد الدين الهلالى، أحمد كريمة، آمنة نصير»، فالهلالى سبق أن قال إن «اللوبى الإخوانى فاعل فى الأزهر»، وأكد صحة المذهب الشيعى.. فطرده الإمام الأكبر من رحمته.. و«كريمة» سافر إلى إيران فحوّله الأزهر إلى التحقيق.. أما «نصير» فتبنت مشروعاً لإلغاء مادة لازدراء الأديان، وهو ما كاد أن يُسقط الحصانة الفعلية لدولة الأزهر.. حتى مستشار رئيس الجمهورية للشئون الدينية «أسامة الأزهرى» تم استبعاده من القائمة!
 
لم يعد أمامك إلا أن تستفتى قلبك «وإن أفتاك الطيب ورجاله»!
 
تعليقات القراء