توجيهات الرئيس


نشر فى :
الثلاثاء 27 ديسمبر 2016 - 10:20 م
| آخر تحديث :
الثلاثاء 27 ديسمبر 2016 - 10:20 م

من عناوين الصحف المصرية التى صدرت خلال الأسبوعين الأخيرين ما يلى: أقصى درجات الاستعداد والحذر ــ الرئيس يوجه بتكثيف الوجود الأمنى بالأماكن العامة ــ مشروعات عملاقة لإنتاج السلع الغذائية بأسعار مناسبة ــ الرئيس: تسهيلات للتوسع فى صناعة الدواجن بأسعار مناسبة ــ الرئيس يوجه الحكومة بالتوسع فى شبكات الحماية الاجتماعية لمحدودى الدخل ــ الرئيس يوجه باحتواء تداعيات القرارات الاقتصادية الأخيرة وارتفاع أسعار بعض السلع ــ الرئيس يوجه بضرورة الإسراع فى إنشاء التجمعات الصناعية من أجل دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتوفير كل التراخيص اللازمة لها...إلخ.
لو أننى استرسلت فى ذكر عناوين الصفحات الأولى للصحف فإن ذلك سيملأ صفحات وصفحات تندرج كلها تحت عنوان من كلمتين هو: توجيهات الرئيس، الأمر الذى يستدعى السؤال التالى: ما الذى يمكن أن يحدث إذا انشغل الرئيس لأى سبب ولم يوجه؟.. خذ مثلا مسألة تكثيف الوجود الأمنى بالأماكن العامة. ذلك أنه فى أجواء التهديدات الإرهابية التى تلوح فى الأفق، فضلا عن المناسبات المتعددة التى تحل فى نهاية العام، سواء ما تعلق منها بأعياد المسيحيين أو باحتفالات رأس السنة، فإن من بديهيات مهام وزارة الداخلية أن تتحسب لكل ذلك. وهو ما يجعل ضرورة تكثيف الوجود الأمنى فى الأماكن العامة أمرا مفروغا منه ولا يحتاج لأى توجيه.
قل مثل ذلك بالنسبة للأمور الأخرى سواء التى تتعلق بتوفير الدواجن بأسعار مناسبة أو بحماية محدودى الدخل أو احتواء تداعيات القرارات الاقتصادية الأخيرة أو دعم المشروعات الصغيرة وتوفير التراخيص اللازمة لها...إلخ.
القاسم المشترك بين تلك العناوين وأمثالها هو أنها ــ كلها ــ تفاصيل تصنف ضمن المهام الطبيعية التى ينبغى أن تقوم بها الجهات التنفيذية باختلاف تخصصاتها. إذ كما أن وزارة الداخلية يتعين عليها أن تفتح أعينها وتكثف وجودها فى الأماكن العامة دون حاجة إلى تنبيه أو توجيه، فإن الأمور الأخرى يتطبق عليها نفس الشىء. ذلك أن بعضها يدخل ضمن مسئوليات وزارات الزراعة والصناعة والاقتصاد والضمان الاجتماعى وغيرها. وإذا ما صح ذلك فإنه يستدعى سؤلا آخر هو هل بات كل مسئول بحاجة إلى توجيه رئاسى لكى يؤدى عمله الطبيعى؟
قد يكون السؤال ظالما للبعض، لأن المشكلة ليست فى أنهم بحاجة إلى توجيهات، ولكنها تكمن فى أن الرئيس لديه اهتمام خاص بالتفاصيل كما يقول بعض المشاركين فى الاجتماعات الرئاسية. ثم إننا نستبعد أن يكون المكتب الإعلامى حريصا على تسليط الأضواء بصورة يومية على تحركات الرئيس لإثبات حضوره فى أوسع دائرة من المجال العام. ولا أستبعد أن يكون لمسئولى الصحف دورهم فى النفخ فى كل ما يقوم به الرئيس من أنشطة، حتى ما لا يعد منها أخبارا تهم الرأى العام.. لكنها مع ذلك يتم إبرازها على الصفحات الأولى، تطبيقا للمثل الذى يتردد فى أروقة المهنة، معتبرا أن «كلام الرئيس رئيس الكلام».
إذا تعمقنا فى بحث الموضوع أكثر فستكتشف أن ذلك الحضور القوى للرئيس فى المجال العام له جذوره فى دستور ٢٠١٤ الذى أضعف سلطات رئيس الوزراء ووسع كثيرا من سلطات رئيس الجمهورية. إذ كان دستور ٢٠١٢ ينص على اشتراك الحكومة مع رئيس الجمهورية فى وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها (المادة ١٦٧) وفى ظل ذلك النص لم يكن بمقدور الرئيس أن يمارس مهامه التنفيذية إلا بواسطة رئيس مجلس الوزراء. إلا أن النص ألغى فى دستور ٢٠١٤ بحيث أصبح الرئيس يمارس صلاحياته الدستورية والقانونية بمعزل عن رئيس الوزراء. لذلك ذكر المستشار الدكتور ماجد شبيطة فى مؤلفه عن «سلطات رئيس الجمهورية فى الدساتير المصرية»، أنه لم يعد لرئيس الوزراء أن يعترض أو يتبنى وجة نظر مغايرة للرئيس بعدما أطلقت يده فى قرارات السلطة التنفيذية وتعييناتها، الأمر الذى جعل الحكومة بعد التعديل الدستورى أقرب إلى سكرتارية الرئيس الملحقة بمكتبه (ص ٣٤٨). فكسب ترزية الدساتير نقطة، وخسرنا نحن كثيرا.

تعليقات القراء