مصر صححت الخطأ


نشر فى :
الأحد 25 ديسمبر 2016 - 9:45 م
| آخر تحديث :
الأحد 25 ديسمبر 2016 - 9:45 م

ينبغى أن نعترف بأن تأييد مصر لقرار مجلس الأمن إدانة المستوطنات الإسرائيلية وحظرها كان تصحيحا لخطأ كبير وقعت فيه. ذلك أنها حين سحبت المشروع الذى سبق أن قدمته باسم المجموعة العربية فإن ذلك أساء إليها كثيرا، كما أنه كان بمثابة ضربة موجهة إلى القضية الفلسطينية تنسخ وتمحو كل ما قدمته مصر للقضية على مدى تاريخها. ولا مفر من الاعتراف أيضا بأن تمسك الدول الأربع غير العربية التى ساندت المشروع بالتصويت عليه كان موقفا أخلاقيا نزيها أنقذ القرار، الأمر الذى يجعله جديرا بالإكبار والتقدير، ولا نشك فى أن ذلك الموقف وضع مصر فى موقف دقيق وحرج. إذ باتت حينئذ مخيرة بين خيارات ثلاثة. إما الموافقة على القرار أو الاعتراض عليه أو الامتناع عن التصويت. والأول يصحح الخطأ بما يحفظ لمصر ماء وجهها، أما الموقفان الآخران فهما يمثلان فضيحة سياسية لها، لأن ذلك لن يفسر إلا بحسبانه تأييدا للاستيطان، الأمر الذى يشكل سبة فى جبين مصر تلاحقها إلى الأبد. أدرى أن ثمة انتقادا لمصر وغمزا فى موقفها الذى انتقل من الدعوة لتأجيل المشروع إلى الموافقة عليه، إلا أننا ينبغى أن نقدر تلك الخطوة ونشجعها، لأن تصويب الخطأ أفضل كثيرا من الاستمرار فيه.

أدرى أيضا أننا انتقلنا من التعلق بأمل تحرير فلسطين من الاحتلال، وصرنا «نجاهد» لوقف الاستيطان وكبح جماح السعى لابتلاع مزيد من الأرض والإجهاز على ما تبقى من فلسطين. إلا أن ذلك فى الأجواء الراهنة أضعف الإيمان كما يقال، وهو نوع من المقاومة السياسية التى تحاول تثبيت الحقوق، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتى لا تتحول الهزيمة إلى استسلام وانبطاح كاملين.

أدرى كذلك أن إسرائيل تمارس العربدة والغطرسة وهى مطمئنة إلى أنها فوق القانون وفوق أى حساب. فقد أعلن نتنياهو رفض قرار مجلس الأمن، وفى نفس يوم صدور القرار أقر الكنيست مبدأ تبييض المستوطنات التى بنيت فى الضفة الغربية، تمهيدا لإصدار قانون يضفى الشرعية عليها رغم أنها بنيت على أراض بدعوى أن الفلسطينيين تخلوا عنها، فى حين أن ملاكها الأصليين يطالبون بها، إلا أن أهمية قرار مجلس الأمن تكمن فى أنه يبطل كل تلك التصرفات من الناحيتين القانونية والسياسية.

ثمة رسالة أخرى لقرار مجلس الأمن، تتمثل فى أنه لفت الأنظار إلى بعض جوانب القضية الفلسطينية التى شغل العالم عنها بحيث تراجعت أولوياتها وكاد يطويها النسيان. وقد دللت على ذلك صحيفة «لوموند» الفرنسية أخيرا عندما نبهت إلى أن الرئيس أوباما حين خاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة فى عام 2010 فإنه تطرق إلى القضية الفلسطينية فى 1083 كلمة، لكنه حين خاطب الجمعية العامة فى شهر يناير عام 2016 فإنه تحدث عن الموضوع ذاته فى 31 كلمة فقط.

توقيت قرار إدانة وحظر المستوطنات الذى أصدره مجلس الأمن له أهمية خاصة. ذلك أنه صدر فى حين تسعى إسرائيل إلى ضم المنطقة «جيم» فى الضفة الغربية الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلى بالكامل، وهى تشكل 60% من أراضى الضفة وتحفل بالمناطق الزراعية والموارد الطبيعية. وقد صادر الإسرائيليون 70% من جملة أراضى المنطقة، واحتكروا استثمارها والإفادة منها وسعوا جاهدين لتغيير الحقائق على الأرض. وفى التقارير الإسرائيلية أن 650 ألف مستوطن يعيشون الآن فى الضفة الغربية الآن يمثلون 22% من سكانها، ويدعو نتنياهو إلى زيادة عددهم إلى مليون فى عام 2020، ليرسى بذلك حل دولتين فى الضفة (إلى جانب إسرائيل)، واحدة للمستوطنين وأخرى للفلسطينيين، صحيح أن قرار مجلس الأمن لن يوقف ذلك الطموح الإسرائيلى، لكنه يبطل تلك المخططات من الناحية القانونية، ويوفر سندا قويا لتجريمها أمام العدالة الدولية، إذا توفرت الإرادة العربية بطبيعة الحال.

يخطر لى أن أدعو لجنة الشئون العربية فى مجلس النواب المصرى إلى مناقشة الملف من مختلف جوانبه، بدءا من تقييم الموقف المصرى فى مجلس الأمن، وانتهاء بطموحات المخططات الإسرائيلية التى يهدد تنفيذها الأمن القومى المصرى على الأقل، لكنى استبعدت ذلك الخاطر، لأن المجلس بلجانه المختلفة أثبت أنه ليس مشتغلا بالسياسة!

تعليقات القراء