أعصابنا التى احترقت


نشر فى :
السبت 24 ديسمبر 2016 - 9:35 م
| آخر تحديث :
السبت 24 ديسمبر 2016 - 9:35 م

احترقت أعصابنا فى مصر مرتين ونحن نتابع عملية التصويت ضد الاستيطان فى مجلس الأمن. الأولى بسبب صدمة يوم الخميس، والثانية بسبب الخزى والحرج الذى استشعرناه يوم الجمعة. يوم الخميس 22/12 كان الموعد الذى حددته مصر لعرض المشروع الذى قدمته باسم المجموعة العربية لوقف تغول الاستيطان الإسرائيلى، كانت الولايات المتحدة قد أشهرت سلاح «الفيتو» لمنع إصدار قرار بهذا المعنى فى عام 2011 بحجة أنه يشكل عقبة أمام مفاوضات السلام. لكن الموقف اختلف الآن من نواح عديدة. الأمر الذى شجع الإدارة الأمريكية على حجب «الفيتو» وعدم الاعتراض على القرار الذى عرض مع نهاية ولاية الرئيس أوباما. كما أن الرباعية الأوروبية وروسيا أعلنتا تأييدهما للقرار. فى الوقت ذاته فإن مشروع القرار يلقى تأييدا من دول عدة أعضاء فى مجلس الأمن ولها تعاطفها مع القضية الفلسطينية، الخلاصة أن كل الظروف كانت مهيأة لتمرير القرار الذى يشكل صفعة لإسرائيل، ويعد سابقة تفتح الباب لتوقيع العقوبات الدولية عليها إذا ما استمرت فى توسعاتها الاستيطانية.

كان موعد جلسة مجلس الأمن فى الساعة الثالثة بعد ظهر الخميس (العاشرة مساء بتوقيت القاهرة). ولأننى كنت متابعا للحدث، فإننى لم أطمئن إلى عقد الجلسة إلا بعدما أعلن رياض المالكى وزير الخارجية الفلسطينى أن المشاورات مع الدول الأعضاء فى مجلس الأمن جرى استكمالها، وأن المشروع جرى إيداعه باللون الأزرق لدى رئاسة مجلس الأمن التى تتولاها إسبانيا.

ما حدث بعد ذلك لم يخطر على بال أحد، ذلك أن وكالات الأنباء دقت أجراسها مشيرة إلى خبر عاجل خلاصته أن مصر التى قدمت المشروع سحبته وطلبت إرجاءه إلى موعد غير محدد، وقالت بعض الوكالات إنها قررت إلغاء الطلب. كان للخبر وقع الصاعقة، لأنه كان يعنى تفويت فرصة تاريخية لإعلان التوافق الدولى لأول مرة على إدانة الاستيطان ويفترض أن تكبح جماح التوحش الإسرائيلى فى ابتلاع الأراضى الفلسطينية. فيما وراء حدود عام 1967. وأثار الدهشة فى هذا السياق أن وزير الخارجية الفلسطينى أعلن أن مصر التى قدمت المشروع نيابة عن المجموعة العربية لم تتشاور مع الفلسطينيين فى سحبه.

المفاجأة الصادمة استدعت سؤالا كبيرا حول السبب الذى أدى إلى سحب القرار. وأجمعت أغلب الآراء على أن ذلك تم بعدما تعرضت القاهرة لضغوط إسرائيلية وأمريكية. وهو ما لم تختلف عليه الصحف الغربية والإسرائيلية التى صدر بعضها بعناوين مختلفة عبرت عن الشكر للقيادة المصرية.

استهولت الخبر الذى أصبانى بالغم والنكد، حتى أننى رفضت الرد على الاتصالات الهاتفية التى تلقيتها من بعض الصحفيين الفلسطينيين فى الضفة وغزة. إذ عقدت الدهشة لسانى ولم يكن لدى ما أقوله. خصوصا أن المتحدث باسم الخارجية المصرية برر ما جرى بكلام غير مقنع حين صرح بأن لجنة إنهاء الاحتلال بالجامعة العربية كانت قد قررت قبل ثلاثة أيام معاودة تقييم الموقف بشأن مشروع القرار.

(السبت) ذكرت صحيفة «الأهرام» وبقية الصحف المصرية سببا آخر خلاصته أن اتصالا جرى بين الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب والرئيس السيسى تطرق إلى مشروع القرار المعروض على مجلس الأمن بخصوص الاستيطان وتم الاتفاق فيه على أهمية إتاحة الفرصة للإدارة الأمريكية الجديدة للتعامل بشكل متكامل مع جميع أبعاد القضية الفلسطينية. وأشارت صراحة إلى أن الاتصال تم فى ليلة التصويت المفترض (الأربعاء 21/22).

شاء ربك أن يتبنى القرار أربع دول غير عربية أكثر إنصافا وشجاعة (ماليزيا والسنغال ونيوزيلندا وفنزويلا). إذ طلبت من مجلس الأمن مناقشته، وحدث ما كان متوقعا، حيث وافقت عليه 14 دولة من 15 (واشنطن لم تعارضه وامتنعت عن التصويت). وكان لما جرى صداه القوى فى أوساط الوطنيين المصريين (لا تسأل عن الصدى فى العالم العربى) ونقلت «المصرى اليوم»، السبت، آراء بعضهم، فعبر أحدهم عن «صدمته» إزاء موقف مصر، ووصف آخر الموقف بأنه «مخز ومهين إلى حد العار» وذلك توصيف دقيق وصادق أضم صوتى إليه، وأزعم أنه يتحدث عن مصر أخرى غير التى نعتز بها ونعرفها.

تعليقات القراء