لمصر لا للسيسى


نشر فى :
الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 11:45 م
| آخر تحديث :
الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 11:45 م

من عناوين جريدة الأهرام أمس (١٦/٥) ما يلى: الرئيس يطمئن من وزيرى الكهرباء والتموين على الاستعدادات لرمضان ــ التعليم والصحة والفساد أولويات السيسى ــ السيسى يؤكد أهمية ضمان وصول السلع بأسعار مناسبة لجميع المواطنين ــ والسيسى يوافق على تسوية مشكلات الفلاحين المنتفعين من الإصلاح الزراعى ــ ٨٩.٨٪ راضون عن أداء السيسى (فى أحدث استطلاع للرأى العام) ــ السيسى يقرر مد العمل بمعبر رفح اليوم وغدا ــ نقطة تقدم: حصاد عام فى حكم الرئيس السيسى.

فى اليوم ذاته نشرت جريدة «المصرى اليوم» رسالة فى الزاوية اليومية التى تحمل عنوان «وجدتها»، قال فيها صاحبها ما نصه: من يشبه السيسى بعبدالناصر فإنه فى الحقيقة يظلم الرئيس السيسى كثيرا. فالسيسى بشكل عام رجل يتسم بالعقلانية الشديدة والصوت المنخفض الذى ينم عن شخص يفكر بأكثر مما يتكلم، وهو يتناول قضية التحرر الوطنى واستقلال القرار بكل هدوء وحنكة سياسية وواقعية، مع تجريد للذات من ادعاءات البطولة الزائفة. أما عبدالناصر، ومن أجل تضخيم ذاته والتباهى بزعامته، فقد تناول القضية بكل عنجهية وصوت عال وشتائم، وبمراهقة سياسية واضحة واستخفاف غريب بمصلحة وطنه وشعبه..إلخ.

عناوين الأهرام هى التى تقلقنا، فى حين ان الرسالة التى نشرتها المصرى اليوم تعبر عن وجهة نظر شخصية وجدتها الجريدة جديرة بالنشر، ولا اعرف ما إذا كانت سترحب بنشر وجهة النظر الأخرى التى قد يرى فيها البعض ان المقارنة تظلم عبدالناصر وليس السيسى!

ذكرنى ما وقعت عليه صباح أمس بما قرأناه فى تاريخ الفراعنة، حين كان الفرعون الذى يتبوأ منصبه فيمحو تاريخ سلفه المدون على المسلات، لكى يلغى ما سبقه ويبدأ التاريخ به وحده. وكنت قد سمعت رأيا فى الموضوع من الدكتور عبدالعزيز كامل أستاذ الجغرافيا السياسية الذى شغل منصب وزير الأوقاف يوما ما خلاصته ان الأهرامات الثلاثة التى نطالعها الآن تعد رمزا لفردية الحاكم فى مصر التى تنفر من فكرة التواصل مع من سبقه أو نهج الفريق الذى يحتمل وجود آخرين إلى جواره، ذلك ان كل فرعون رفض أن يدفن إلى جوار سابقه، وأراد ان يبنى لنفسه هرمه الخاص الذى يميزه عن غيره. إذ حين يقدم بحسبانه «الملك الإله صانع المطر وحارس النماء» فإن مقامه الرفيع يقتضى ألا يكون له شريك، ويتعين دفنه فى هرم خاص به. وللدكتور جمال حمدان فى مؤلفه الكبير «شخصية مصر» تأصيل وتحليل لشخصية الفرعون ومركزيته الشديدة فى التاريخ المصرى، وفيه ربط بين طغيان الفرعون ومركزية الإدارة وبين طبيعة المجتمعات الفيضية، التى تعتمد فى مياهها على الفيضان الذى يغذى شبكات الرى التى يتحكم فيها الفرعون، ولان ذلك يمكنه من ان يحبس المياه أو يطلقها، فقد اعتبر آنذاك واهبا للحياة والموت.

مما يروى فى هذا الصدد نقلا عن رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق رفيق الحريرى انه التقى الرئيس الأسبق حسنى مبارك أثناء زيارة قام بها للقاهرة. وفى ختام الزيارة أراد ان يعبر عن تقديره وإعجابه بوزير الخارجية المصرى آنذاك السيد عمرو موسى فقال له ان أداء الرجل يشرف مصر والعرب. حينذاك استوقفه مبارك على باب غرفة الاستقبال وقال له: إذا تصورت أن عمرو موسى يتحرك بغير توجيه منى فأنت مخطئ. فى إشارة إلى أن الرجل لم يسترح لان الحريرى امتدح عمرو موسى حيث كان يفضل ان ينفرد هو بالمديح دون أحد من مساعديه.

من خبرة العمل فى الصحافة طوال نصف قرن أزعم أن وسائل الإعلام بالمديح والتلميع والأضواء والإلحاح اليومى يمكن ان تفسد أى مسئول حتى إذا كان من أولياء الله الصالحين. وأعرف ان من الرؤساء من كان يستشيط غضبا إذا لم تبرز اخباره وصوره فى الصحف كل صباح بعدما اعتاد على ذلك. وأعرف ان الأهرام فى سنوات مجده عاقب أحد رؤساء الوزراء ذات مرة بمجرد حجب اسمه عدة أيام، حتى استشاط الرجل غضبا وكاد يموت حسرة وكمدا.

حتى إذا كان تكثيف الأضواء على الرئيس فى حزمة الأخبار المنشورة مجرد مصادفة، فإن الرسالة التى يتلقاها القارئ من خلالها، ان لا شىء يتحرك فى البلد إلا بموافقة السيسى أو توجيه منه. ذلك انه بقدراته الخارقة أحاط فى يوم واحد بملفات الكهرباء والتموين والتعليم والصحة ومشكلات فلاحى الإصلاح الزراعى وقرر مد العمل بمعبر رفح ليومين آخرين. وهذه الرسالة ليست استثنائية لانها تعبر عن توجه ملحوظ فى الخطاب السياسى والإعلامى سابق على مناسبة مرور عام على انتخاب السيسى رئيسا. ذلك ان ثمة سيلا من التحليلات والبرامج التليفزيونية التى ما برحت تلح على ان مصر ولدت من جديد وأن مصيرها بات معلقا به، وان البلد بغيره ينتظره مصير أسود. إذ سيخرج من التاريخ وربما من الجغرافيا أيضا.

لا أحمل الرئيس السيسى بالمسئولية عن ذلك. لكننى لا أبرئ البطانة وإدارات التوجيه المعنوى. ولا اعرف رأيه فى ذلك الاسلوب، لكننى أعرف انه يستطيع ان يوقفه إذا أراد، مثلما أوقف بعض مظاهر النفاق الأخرى. اعرف أيضا انه بشر، يسرى عليه ما يسرى على بقية خلق الله من سمات القوة والضعف. إننا نحلم بمصر دولة المؤسسات وليس بمصر السيسى.. وإذا فعلها فإنه سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وبغير حاجة إلى تهليل الإعلام أو تدليسه.

تعليقات القراء