فى مفهوم التنمية الإنسانيــة

عبد المجيد راشد

يقوم مفهوم التنمية الإنسانية الذى يتبناه برنامج الأمم المتحدة للإنماء على أن "البشر هم الثروة الحقيقية للأمم" وأن التنمية الإنسانية هى "عملية توسيع خيارات البشر". و"الخيارات" تعبير عن مفهوم أرقى، هو "الاستحقاقات". ويعبر عن حق البشر الجوهرى فى هذه "الخيارات". ومن حيث المبدأ، فإن استحقاقات البشر يمكن أن تكون غير محدودة، وتتغير مع الزمن. ولكن عند أىٍ من مستويات التنمية، فإن الاستحقاقات الثلاثة الأساسية هى "العيش حياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة، وتوافر الموارد اللازمة لمستوى معيشى لائق". ولكن مفهوم التنمية الإنسانية لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى استحقاقات إضافية أخرى، تشمل "الحرية السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتوافر الفرص للإنتاج والإبداع، والاستمتاع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان".

والنظر إلى التنمية من منظور التنمية الإنسانية ليس بجديد، ففكرة أنه ينبغى الحكم على الترتيبات الاجتماعية بمدى تعزيزها للمنافع الإنسانية، فكرة تعود على الأقل إلى عهد أرسطو الذى قال: "من الواضح أن الثروة ليست هى المنفعة التى نسعى لتحقيقها، فهى مفيدة فحسب بهدف الحصول على شىء آخر".  وقد دعا إلى التمييز بين الترتيب السياسى الخيّر و الترتيب السياسى السيىء على أساس النجاح أو الفشل فى تسهيل قدرات الناس على أن يعيشوا حياة مزدهرة . ففكرة الحياة الإنسانية الأفضل كهدف حقيقى لكل الأنشطة الإنسانية كانت موضوعاً متكرراً فى كتابات معظم الفلاسفة الأوائل .

وفى تراثنا العربى خصص ابن خلدون فصلاً كاملاً فى مقدمته لبيان حقيقة الرزق  الكسب وشرحهما وأن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية. واعتبر أن مكاسب الإنسان المتأتية عن عمله و سعيه تكون له معاشاً إن كانت بمقدار الضرورة و الحاجة، أما إن زادت عن الضرورة و الحاجة فتعتبر رياشاً و متمولاً. كذلك ميز ابن خلدون بين الكسب الذى تعود منفعته على الإنسان و بين الكسب الذى لا يحصل به منتفع. أما الأول فهو ما ينفق فى مصالح الإنسان وحاجاته و يسميه الرزق مقتدياً بحديث نبوى شريف "إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت". و مقتبساً فلسفة المعتزلة الذين اشترطوا فى تسمية الكسب رزقاً أن يكون مكتسباً بصورة شرعية، و لذلك أخرجوا الغصوبات والحرام كله عن أن يسمى شيء منه رزقاً.وربط ابن خلدون الرزق بالعمل الإنساني وأنه لا بد من الأعمال الإنسانية فى كل مكسوب و متمول. بل ربط التقدم الحضارى (العمران) بأسره بالأعمال الإنسانية .

ونجد كذلك نفس الانشغال فى كتابات الرواد الأوائل عن القياس الكمى فى الإقتصاد  ويليام بيتى و غريغورى كينج و فرانسوا كويستى و أنطوان لافواسير و جوزيف لاكرانج، و هو من مؤسسى استخدام و حساب الناتج القومى الإجمالى و الناتج المحلى الإجمالى،  وهى أيضاً واضحة فى كتابات رواد الاقتصاد السياسى: آدم سميث و ديفيد ريكاردو و روبرت مالتس و كارل ماركس و جون ستيوارت ميل .

   ومفهوم التنمية الإنسانية أوسع من مفاهيم التنمية حتى تلك التى ترتكز على الإنسان . فتنمية الموارد البشرية تؤكد على رأس المال البشرى فقط و تعامل الناس كمدخل من مدخلات عملية التنمية، و لكن ليس كمنتفعين منها. و يركز نهج الحاجات الأساسية على متطلبات الناس و ليس على خياراتهم. وينظر نهج رفاه الإنسان  إلى الناس كمنتفعين ولكن ليس كمشاركين فعالين فى العمليات التى تشكل حياتهم .

 أما التنمية الإنسانية فهى باشتمالها على جميع هذه الجوانب، تمثل نهجاً أكثر شمولاً تجاه التنمية .

تعليقات القراء