هل كان الوالي محمد علي باشا ينظر إلى الأشلاء تتطاير والرقاب تقطع من شرفة قصر الحريم بالقلعة.. لماذا قتل محمد علي كل هؤلاء المماليك؟

إضاءات - يمنى مدحت 

هل كان الوالي محمد علي باشا ينظر إلى الأشلاء تتطاير والرقاب تقطع من شرفة قصر الحريم بالقلعة، أم ألقى الأوامر إلى الجند بتنفيذ المذبحة ورحل إلى بعض أمره غير مكترث بطلقات الرصاص التى هزّت أسوار القاهرة لا القلعة وحدها؟.

يمكننا أن نجزم أن محمد علي لم يكن ليرحم الصيحات المتتالية ممن غُدر بهم، ولا ليرقّ قلبه إثر الصرخات التى ظلت تصدع بين أركان القلعة والقاهرة من حين لآخر في الأيام التالية من وقوع المذبحة، كان الباشا يرى نفسه مُحقًا أشد الحق في فعلته، ولم يكن لينظر إلى مذبحة القلعة التي وقعت في الأول من مارس عام 1811م وقتل فيها أكثر من 400 مملوك على أنه فعل غير أخلاقي. أما لماذا رأى محمد علي أن عليه التخلص من المماليك؟، فتتوقف الإجابة عن هذا السؤال على تصور شكل مصر التي أتى ليرث حكمها ذلك الجندي الألباني الطموح، وهو الذي تقلد مقاليدها قبل ستة أعوام من المذبحة.

كيف انفرد محمد علي بالحكم؟
كانت مصر تخضع للخلافة العثمانية منذ انتصار سليم الأول على المماليك  بالريدانية، وقد أبقى على مماليك مصر يتولون بعض المناصب العسكرية بها، واكتفى بوالٍ يحكم البلد من قبله، وظلت الأوضاع سائرة على هذه القسمة للسلطة إلى أن دك نابليون ميناء الإسكندرية بمدافعه عام 1798 م، وفي حين كانت كل مدة الحملة الفرنسية على مصر لا تتجاوز 3 أعوام ، إلا أنها غيرت كثيرًا من شكل الخريطة الاجتماعية والسلطوية في مصر؛ الأمر الذي جعل استقرار الأوضاع عقب خروج الحملة عام 1801 م أمرًا عسيرًا، فلم تشهد مصر عقب خروج الحملة إلا خمس سنوات من القلاقل بدأت بتولية السلطان العثماني لخسرو باشا واليًا على مصر ، ثم عُزل خسرو المعروف في التاريخ بمصائبه، وجاء بعده طاهر بك الذي ما لبث أن قُتل بل وقُتل خليفته الجزائري، وهكذا تتابع الولاة واحدًا خلف الآخر، دون مقدرة منهم على ضبط الأمور، حتى عُين خورشيد بك عام 1805م .

كان محمد علي قد أتى إلى مصر ضمن الأسطول الذي أرسله السلطان بالتعاون مع الإنجليز عام 1801 م لطرد الفرنسيين، وبقي محمد علي بعدها في مصر يترقى بين المناصب ومتقربًا إلى الزعامات الشعبية وسط كل هذه الفوضى التي كانت تعم البلاد، إلى أن أراد السلطان توليته على جدّة، هنا ومع قاعدة القبول التي كان قد بناها محمد علي لدى العلماء والوجهاء تدخّلوا وقلّدوه عليهم واليًا في عام 1805م.



لم يكن محمد علي بالشخص الذي يكتفي بولاية تحت سيطرة الخلافة العثمانية فحسب، فضلاً عن أن يشاركه في بسط النفوذ جماعات متصارعة داخل هذه الولاية. لقد أدرك منذ البداية أن عليه التخلص من كل أطراف المواجهة الداخلية؛ ليتفرغ إلى تنفيذ برنامجه السلطوي دون أدنى مواجهة، فإضافة للمماليك كان هناك العلماء وشيوخ الأزهر الذين كانت لهم هيمنة روحية قوية على المصريين، وكلمة عليا لا تُرد إن أمروا بشيء، وكان لهم الاستقلال المادي الذى ضمنته لهم الأوقاف؛ الأمر الذي حرّرهم من أي تبعية، ولا أدل على اتساع سلطانهم من أنهم من عيّن محمد علي واليًا!.

أمام هاتين القوتين، وإرادة محمد علي الانفراد بالسلطة، فقد بدأ بالقضاء على سلطة شيوخ وعلماء الأزهر، فبدأ بإثارة الشقاق بينهم والقضاء على استقلالهم المادي بسحب الأوقاف وضمها لسلطته عام 1808 م، وبعد أن أضعف شوكتهم نفى من بقي منهم، حتى نفى نقيب الأشراف عمر مكرم إلى دمياط، وكان صاحب الفضل الأول في تعيين محمد علي واليًا على مصر، هكذا تخلص الوالي الجديد من قطب السلطة الروحية والفكرية والثقافية، وبقي أن يتخلص من قطب السلطة العسكرية؛ لينفرد تمامًا بالسيطرة، فكانت مذبحة القلعة.

عصا المماليك التي لا تُشق!
لنفهم موقعة المذبحة تلك على حقيقتها علينا أن نعرف مماليك مصر، ومدى سلطتهم، فالمماليك هم العبيد من ذوي البشرة البيضاء، وقد تواجدوا في الدولة الإسلامية مع ظهور الدولة العباسية، لما أراد العباسيون اتخاذ حامية موالية لهم من غير العرب، فتخيروا الفتيان الشداد من البلاد الأعجمية الواقعة تحت سلطانهم في وسط آسيا، ودربوهم وأسسوهم على نظام عسكري صارم؛ ليكونوا حرس وقوام دولتهم، لكن هذا النظام لم يكن متفشيًا بصورة واسعة في مقر العباسيين في العراق بقدر انتشاره في الدول المستقلة عنهم، وفي مصر كان ظهورهم على يد الأيوبيين، فقد حفّ صلاحُ الدين نفسه بحامية مملوكية، تلقاء خوفه من غدرات المصريين، لكن التوسع في جلب واستخدام المماليك كان  في عصر السلطان الصالح نجم الدين أيوب آخر سلاطين بني أيوب في مصر، فقد وصل بهم الحال إلى أن قلدهم المناصب العليا بالجيش والدولة، وملّكهم البيوت، وأقطعهم الأراضي حتى صاروا يتملكون عبيدًا ومماليك غيرهم، فيصير كل مملوك كبير أميرًا تنتمي إليه طائفة من المماليك الصغار، وكانت مكانتهم السياسية والعسكرية في الدولة تعود نسبتهم إلى السلاطين والملوك ممن اشتروهم. لقد ظلت أوضاعهم تتقلب من طور إلى آخر حتى وفاة السلطان الصالح نجم الدين أيوب، وأدرات زوجه وجاريته شجر الدر الحُكم، وما كان بعدها من توالي الأحداث حتى استولى المماليك على السلطنة وبدأوا عهدًا جديدًا في الحكم.

ولكي نفهم حجم الشرف والمكانة التي اكتسبها المماليك في المجتمع علينا أن ننظر إلى ملمح أشار إليه الجبرتى؛ فقد ذكر أن نساء مصر كُنّ يرفضن الزواج من غير المملوكي، فإذا أتاها المصري رفضت وتمنعت، حتى يأتيها المملوكي فتزف إليه، فكنّ يأنفن من غير المماليك لشدة التباين بين طبقتهم وغيرهم من عامة الشعب، فقد كانوا يملكون المال والسلطة والغلبة العسكرية.



فلما ظهرت الدولة العثمانية وتمكنت من فرض نفوذها على الأقطار العربية، تحولت إلى مصر لاقتلاعها من سيطرة المماليك، ثم لما كانت سياسة العثمانيين الاكتفاء بالسيادة العليا على الأقطار، والإبقاء على السلطة المحلية بالبلاد التابعة لها؛ فقد أبقى العثمانيون على المماليك في مصر، واكتفوا بإرسال والٍ أو نائب عثماني يحكم البلاد، ويجبي الضرائب، وحتى بعد الحملة الفرنسية التي قد أضعفت الكثير من شوكة المماليك، ومحاولات الباب العالي إضعاف قوتهم بإصدار قرار منعهم من تجنيد مماليك آخرين، لم  يكن كل ذلك كافيًا للقضاء على نفوذهم، بل إنهم عمدوا إلى تجنيد البدو!.

المذبحة
كان السلطان العثماني محمود الثاني (1808- 1839م) قد طالب محمد علي بإرسال حملة عسكرية لمواجهة التمرد الوهّابي ببلاد الحجاز، فوجد محمد علي أن في الأمر فرصة سانحة لدعوة المماليك إلى مأدبة بالقلعة للاحتفال بتنصيب ابنه على رأس الجيش الخارج للحجاز، ثم تدبير المكيدة والتخلص منهم في غضون ذلك. وفي الأول من مارس 1811م الموافق الأول من صفر 1236هـ أرسل محمد علي في دعوة المماليك لحضور حفلة بالقلعة، ونادى المنادي في شوارع القاهرة بالأمر، فصعد كبار الأمراء المماليك، وقد استقبلوا بحفاوة وتقدير بالغين، وحين بدأوا بالمغادرة، كان تحركهم معًا من قبة العزَب في الطريق المؤدية للباب الخارجي. ولما كانت هذه الطريق ضيقة منحدرة ومتعرجة، ولا تتسع إلا لثلاثة فرسان متجاورين، وفي وضع يستحيل معه العودة للخلف، وما إن تكامل نظم صفوف المماليك بين الباب الداخلي والخارجي، وأصبح الحصار محكمًا بإغلاق البابين، بدأ الجند من أعلى الأسوار بإطلاق الرصاص والسهام على المماليك من الخلف والأمام، فلم يقدر أحد منهم على الهرب أو العودة إلا البعض ممن عاد لساحة القلعة، مثل الأمير المملوكي الكبير شاهين بك، الذي تصيّده الجُند الألبان، وقطعوا رأسه، وأرسلوها من توهم لمحمد علي، أما بقية الجند فقُتلوا واحدًا تلو الآخر، ونُقل المصابون إلى سجن القلعة وقضوا نحبهم عُقيب ذلك!.

راح ضحية هذه المذبحة ما بين 400 إلى 500 أمير مملوك، سالت دماؤهم بغزارة إلى أسوار القلعة، حتى حين شاهدها بعض الجند على أبواب القلعة تملكهم الخوف فولّوا هاربين، ولقد سمع دوي الرصاص أهل المحروسة، فهرعوا إلى إغلاق حوانيتهم، ولم يترك محمد علي بقية المماليك دون تعقب، فأمر جنده الألبان بتعقبهم في بيوتهم وقتلهم، فقتل في الأيام التالية للمذبحة حوالى 1000 مملوك آخر، بل أرسل حملة عسكرية بقيادة ابنه إبراهيم باشا إلى الصعيد لمطاردة فلول المماليك ممن نجا من المذابح السابقة، وأسفرت هذه الحملة عن قتل عدد آخر منهم.



أما المصريون فيبدو أن تعظيمهم للمماليك كان عن خوف وكره، فما إن عرفوا ما حدث لهم حتى أخذوا في نهب بيوتهم وسبي نسائهم، ويشير المؤرخ خالد فهمي إلى أن الذي حرك التمرد والتخريب ضد المماليك هم الجند الألبان، وبهذا قضى محمد علي على العنصر المملوكي الذي ظل يحكم مصر أكثر من 600 عام، في مذبحة إجرامية مروّعة!.

تعليقات القراء