محمد علي.. باشا مصر

لا أحد ينكر فضله على مصر، صانع نهضتها العلمية والعسكرية الحديثة، فبفضل عبقريته ودهائه وقدرته على الإدارة استطاع أن يمسك بزمام الأمور ويعيد مصر إلى موقعها الطبيعي بين بلدان العالم كدولة عظمى منذ قدم التاريخ، مستعينًا بذلك على عزيمة شباب مصر الطامح إلى تقديم كل ما لديه من جهد ووقت لتطوير ودعم بلاده رغم ما مرت به من نكبات استمرت إلى مئات الأعوام قبل توليه حكمها، فسماه البعض يوسف مصر الحديثة، نسبة إلى ما عاشته مصر من سنوات رخاء في عهد نبي الله يوسف، إنه محمد على باشا مؤسس الدولة المصرية الحديثة.


ولد محمد على في مدينة قَـوَلة الساحلية في جنوب مقدونيا عام 1769، ما لبث أن توفى إبراهيم أغا والد محمد على ثم عمه طوسون أغا وهو لا يزال قاصرا ولم يتركا له ما يأويه فكفله حاكم قولة صديق أسرتهم، وربى محمد على فقيرا يتيما، غير أن قوة عزيمته وسعة حيلته جعلاه منذ حداثته من المتفوقين على أقرانه، كما أن مربيه زوجه من إحدى قريباته، وكانت سيدة ميسورة الحال فمكنته من التجارة في الدخان، ولقي في عمله هذا مساعدة من أحد التجار الفرنسيين ربما كان لها شىء من التأثير في ميوله نحو أبناء الشعب الفرنسي.


جاء محمد على إلى مصر ضابطًا صغيرًا في الحملة العثمانية التي دفعتها تركيا لإخراج الفرنسيين من البلاد، وشهد انتهاء عهد الحملة الفرنسية، ولمح من خلال الأفق ما تتمخض عنه الأمة المصرية من نزوع إلى الحرية، وما يجيش في صدرها من آمال كبار، وما تشعر به من سخط على نظام الحكم القديم، فماشاها في ميولها وسايرها في آمالها، ورسم لنفسه خطة الوصول إلى عرش مصر عن طريق إرادة الشعب، وهي فكرة مبتكرة بالقياس إلى ذلك العصر تدل على ذكاء محمد على ودهائه وبعد نظره.


عندما تطلع محمد على لتولي سلطان مصر كان أمامه عدوان يهدف إلى التخلص منهما وهما المماليك حكام البلد الأقدمين، وسلطة الوالي التركي الذي كان يمثل حكومة الأستانة، وكانت هذه الحكومة تعمل على أن تكون لها الكلمة العليا في البلاد بعد أن احتلتها بجيوشها، ثم كانت أمامه عقبة أخرى وهي سلطة الجند الارناؤود والدلاة وغيرهم من أخلاط السلطنة العثمانية، فاستطاع محمد على بدهائه وصبره وذكائه أن يضرب كل سلطة بالأخرى، وأن يشق لنفسه طريق النجاح والوصول إلى الغاية التي يطمح إليها.


بعد سقوط دولة المماليك عُين خورشيد باشا واليا لمصر، وبقى محمد على في صف الشعب يدافع عن مطالبه ويتودد إلى زعمائه، فلما ساءت سيرة خورشد وكثرة مظالمه ثار عليه الشعب وخلعه، وهناك طلب الزعماء من محمد على أن يقبل منصب الولاية وألحوا عليه في أن يجيب طلبهم، فقبل ما عرضوه عليه وصار الوالي المختار من الشعب.


واستطاع بذكائه وصدق نظره في الأمور وسعة حيلته أن يذلل العقبات التي اعترضته في السنوات الأولى من حكمه، فتغلب على دسائس الأتراك والإنجليز ومساعي المماليك، كل ذلك يدلل على مقدرته بل على عبقريته، وخاصة أنه إلى ذلك الحين كان أميا، إذ من المعروف أنه لم يبدأ في تعلم القراءة والكتابة إلا بعد أن تجاوز الأربعين وبعد أن تبوأ عرش مصر وتخطى العقبات الأولى في حكمه.


تمكن محمد على أن يبني في مصر دولة عصرية على النسق الأوروبي، واستعان في مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين، ومنهم بصفة خاصة السان سيمونيون الفرنسيون، الذين أمضوا في مصر بضع سنوات في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، وكانوا يدعون إلى إقامة مجتمع نموذجي على أساس الصناعة المعتمدة على العلم الحديث.


كان محمد على طموحًا بمصر ومحدّثًا لها ومحققا لوحدتها الكيانية وجاعلا المصريين بشتى طوائفهم مشاركين في تحديثها والنهوض بها معتمدا على الخبراء الفرنسيين. وكان واقعيا عندما أرسل البعثات لفرنسا واستعان بها وبخبراتها التي اكتسبتها من حروب نابليون، ولم يغلق أبواب مصر بل فتحها على مصراعيها لكل وافد، وانفتح على العالم ليجلب خبراته لتطوير مصر، ولأول مرة يصبح التعليم منهجيًا، فأنشأ المدارس التقنية ليلتحق خريجوها بالجيش.


وأوجد زراعات جديدة كالقطن وبني المصانع واعتنى بالري وشيد القناطر الخيرية على النيل عند فرعي دمياط ورشيد، ولما استطاع محمد على القضاء على المماليك ربط القاهرة بالأقاليم ووضع سياسة تصنيعية وزراعية موسعة، وضبط المعاملات المالية والتجارية والإدارية والزراعية لأول مرة في تاريخ مصر، ورحل مؤسس مصر الحديثة عن عالمنا في مثل هذا اليوم الثاني من أغسطس من عام 1849.

تعليقات القراء