أبي نجيب محفوظ.. هدى: الجامعة الأمريكية أجرمت في حقنا.. والمنتفعون من والدي كثيرون

- كان أبًا طيبًا ولا يعاقب أبدًا بل يوجهنا بطريقة لطيفة
- كان يهوى السينما والمشى ولعب الكرة
- لم يكن عصبيًا ونادرًا ما كان يغضب
- كان يستيقظ فى موعده يوميًا دون منبه

 

تحت عنوان «باقون» صدر عدد أغسطس من مجلة «الهلال» التى يرأس تحريرها الكاتب الصحفى الزميل خالد ناجح.
أبطال العدد هم: نجيب محفوظ وصلاح عبدالصبور ويوسف إدريس وسلامة موسى ومحمود درويش وسميح القاسم، وأخيرًا جورج أمادو. جمع عدد أغسطس بين هؤلاء جميعًا على اختلاف مشاربهم، فنجيب رحل فى الثلاثين من أغسطس عام ٢٠٠٦، وصلاح عبدالصبور كتب مرثيته الأخيرة ١٤٨١٩٨١ ويوسف إدريس كانت أرخص لياليه فى ١٨١٩٩١، وسلامة موسى كان آخر أحلامه فى ٤٨١٩٥٨، ومحمود درويش وقع أدنى شهادة وفاته فى ٩٨٢٠٠٨، وسميح القاسم وقف ليسأل «إلهى إلهى.. لماذا قتلتنى؟» فى ١٩٨٢٠١٤، وأخيرًا جورج أمادو دخل «البحر الميت» فى ٦٨٢٠٠١. كما قالت «الهلال»: «لولا ما كتبوه.. ما كنا».. «الدستور» اختارت أن تحتفى بهذا العدد على نحو خاص، وهنا نعيد نشر حوار أجرته الزميلة إيمان الطيب مع السيدة هدى نجيب محفوظ، بمناسبة ذكرى رحيل «أديب نوبل» الثانية عشرة.

 

■ لماذا الاختفاء والابتعاد عن وسائل الإعلام؟
- هذه حياتنا الشخصية، ونحن من نختار كيف نعيشها، هو رحمة الله عليه كان معروفًا ومشهورًا، أما عائلته فلا تملك شهرته، نملك اسمه وانتماءنا له فقط، ولكن من حقنا أن نحيا الحياة التى نختارها نحن، لا نحب الشهرة إنها تزعجنا ونرى أنفسنا أناسًا عاديين.


■ ولكن هناك الاحتفاءات والتكريمات التى تقام لإحياء ذكرى نجيب محفوظ، لماذا اختيار عدم الذهاب إليها؟
- كنا نذهب عندما توجه إلينا الدعوة، ولكن هناك مؤسسات نقصد عدم تلبية دعوتها، لـ«نشوب مشكلات كثيرة بيننا» فالكثيرون حاولوا الاستفادة من نجيب محفوظ حتى بعد وفاته لتنفيذ أجنداتهم الخاصة.


■ ولكنك تتحملين جزءًا مما يحدث لابتعادك عن الساحة الإعلامية وعندما وجدوا صمتًا من جانبكم ازدادت الأقاويل والادعاءات؟
- تعتدل فى جلستها وتقول: تحدثنا كثيرًا عندما وجدنا اتهامات لكننا لا نحب الظهور ويسعدنى الاحتفاء به والحديث عنه، ولكن من يتحدث عن نجيب محفوظ يجب أن يتحدث بمنتهى الأمانة والصدق، فالكلمة أمانة.


■ كيف ذلك وما المشكلات التى واجهتها بعد وفاته؟
- تتناول كوب الماء الذى أمامها وتتناول رشفة منه قبل أن تكمل: هناك على سبيل المثال الجامعة الأمريكية فتوجد خلافات عديدة بيننا. فمنذ وفاته والمعاملة سيئة جدًا. لقد كانت هى المترجمة والناشرة لكل أعماله، وقام بعمل توكيل لها ليقوم المسئولون فيها بتسويق أفلامه ورواياته، ولكن قانونيًا بوفاته يجب أن يسقط هذا الحق وهذه الوكالة، ولكنهم مستمرون فى نشر أعماله حتى الآن دون الرجوع إلينا كما كانوا يفعلون فى حياته، وكلهم إصرار على أن تلك الأعمال لا تخصنا.


■ هل قمتم برفع قضايا للمطالبة بتلك الحقوق؟
- نعم وأول مرة قمنا برفع قضية ربحناها، ولكنهم قاموا بفعل شىء غريب، حيث حولوا القضية إلى ميراث وأخرجوا والدتى منها، ولم نكتشف ذلك إلا بالصدفة بعد عام من وفاتها، وظلوا يتعاملون مع أعمال نجيب محفوظ كما هو دون الرجوع إلى المحكمة وما زالوا متمسكين بالوكالة لأعمال نجيب محفوظ بالرغم من وفاته.. نحن ما زلنا نعانى من مشكلات كثيرة منذ وفاته مع الناشرين عمومًا، ولكن الجامعة الأمريكية هى الأسوأ. فقد تصالحنا مع العديد من دور النشر، لكن تبقى معاملة الجامعة الأمريكية هى التى لا أرضى بها من عقود ظالمة وترجمة رديئة لأعمال نجيب محفوظ، ويدعون أنهم أصحاب الفضل على نجيب محفوظ، ولكن هناك مراسلات نشرتها من قبل تثبت أن هناك دورًا أخرى تترجم له منذ الستينيات، والغرب كان مهتمًا بترجمة أعماله قبل الجامعة الأمريكية، وهناك التحويلات البنكية كلها مباشرة بينها وبين والدى. تكمل هدى نجيب محفوظ بنفس الوتيرة الهادئة، ولكن تكسوها هذه المرة لمحة غضب: إن الفرنسية أول لغة ترجمت بها الثلاثية، وحققت نجاحًا كبيرًا فى فرنسا، حتى إنهم أخبروه وقتها أن الطبعة الثالثة قد نفدت، وكان سعيدًا ومندهشًا جدًا من تحقيق كل ذلك النجاح للثلاثية الاجتماعية «بين القصرين- قصر الشوق - السكرية»، وذلك ليس له علاقة بالجامعة الأمريكية، ورواية «زقاق المدق» أيضًا ترجمت إلى عدة لغات منها الألمانية والسويدية والإنجليزية، حيث إن أول تعاقد لنشرها كان بينه وبين دار نشر لبنانية فى أواخر الستينيات، وعند الإعلان عن فوزه بـ«جائزة نوبل» أشارت اللجنة فى كلمتها إلى الثلاثية وزقاق المدق ضمن مجمل أعماله التى تسلم عنها الجائزة. وأتذكر أن جاكلين كينيدى كانت تعمل فى آخر عقدين من حياتها مع دار نشر كبرى كمراجع كتب، فقرأتها بالفرنسية وبعد تسلمه جائزة نوبل، أرسلت خطابًا لتأتى للتعاقد معه لترجمتها إلى الإنجليزية، وهنا الجامعة الأمريكية ترجمتها إلى الإنجليزية، وبدأت فى التعاقد مع دور نشر كبرى، بسبب أعمال نجيب محفوظ، حيث كانت تمتلك من قبل دارًا صغيرة فى مكتب صغير فى أحد مبانيها بميدان التحرير، أنا لا أحقد عليها، ولكنى أقول الحقيقة، لأنها متمسكة بأحقيتها فى الوكالة عن نشر أعماله، وصاحب الوكالة قد رحل وحتى إيميلاتى واتصالاتى لا يتم الرد عليها.


■ ذلك أيضًا يزيل الاتهامات التى دائما تثار وتوجه عن كونه حصل على جائزة نوبل عن رواية «أولاد حارتنا» فقط؟
- تجيب وهى تتذكر تلك اللحظات: هو حصل على جائزة نوبل عن مجمل أعماله وليس عن عمل محدد، ولكن اللجنة التى سلمته الجائزة أشارت فى توجيه كلمتها له إلى أمثلة ونماذج من أعماله مثل «أولاد حارتنا -الثلاثية- زقاق المدق- الحب فوق هضبة الهرم- المرايا».


■ هذا العام تمر الذكرى الثلاثون لحصوله على جائزة نوبل، أخبرينا عن تلك اللحظات وكيف عرف بالخبر؟
- لقد بدأت الإشارة إلى ذلك قبلها بعدة سنوات، وتردد الحديث عن حصوله عليها فى الصحف وكانت والدتى دائمًا تخبره بأنه سوف يحصل عليها، وعندما تم إبلاغه بخبر فوزه بالجائزة كان ذلك يوم خميس، وذلك اليوم هو موعد ذهابه الأسبوعى للقاء الحرافيش، وتلقت والدتى مكالمة هاتفية من الأهرام تخبرها بفوزه بـ«نوبل» فأيقظته من النوم لتخبره لكنه لم يصدق حتى جاء البيت السفير السويدى ليبلغه بنفسه.


هنا تبتسم ابتسامة تحمل كل معانى الحنين لابنة مفتقدة وجود والدها وهى تقول: «أكمل يومه عادى جدًا بعد رحيل السفير السويدى وانتهاء المقابلة معه، حيث ذهب للقاء الحرافيش وكأنه يوم طبيعى جدًا لم يحدث فيه شىء جديد، ولكن الأهرام أعطته مكتب توفيق الحكيم لاستقبال الضيوف والمهنئين هناك».


■ حصل الأديب نجيب محفوظ على قلادة النيل وهى أرفع الأوسمة فى مصر، حيث يسلمها رئيس الجمهورية بنفسه والمعروف أنها تزن ٤٨٨ جرامًا من الذهب عيار ١٨ محلاة بالياقوت الأحمر والفيروز الأزرق.. ولكنكِ فجرت مفاجأة فى وسائل الإعلام عن كونها «مغشوشة» ومن الفضة كما قلت، كيف اكتشفتم ذلك؟
- عندما رأتها والدتى على الفور أخبرت والدى وقالت له إنها مطفية، ولا يمكن أن تكون من الذهب وبالفعل ذهبت إلى الجواهرجى، وتأكدت من ذلك حيث أخبرها بأنها من الفضة، ولم يتحدث والدى مطلقًا فى ذلك الموضوع ولم يخبر أحدًا حتى رحيله وأنا لم أذكر الموضوع إلا قريبًا. ولكنى علمت بعد ذلك من مصادر وأقارب لى أنه فى الفترة التى حصل والدى على القلادة، كانت قد صدرت تعليمات جديدة بصنع القلادة من الفضة وليس من الذهب نتيجة للظروف الاقتصادية التى تمر بها مصر، وأصبحت منذ ذلك الوقت تسلم فضة وليست ذهبًا، واستمر ذلك التقليد مع كل الشخصيات التى حصلت على القلادة لاحقًا ولكن كان يجب إخباره بذلك على الأقل، فقيمتها المادية لا تعنى له شيئًا، وهى حاليًا لدى وزارة الثقافة ولكن المعنى الأدبى هو الأهم.


■ كيف كان نجيب محفوظ الأب؟
- كان أبًا طيبًا، ولا يعاقب أبدًا، بل على العكس كان يوجهنا بطريقة لطيفة تجعلنا نضحك من عيوبنا ونخجل من خطئنا، ونفهم أنه يقصد التوجيه والتربية فقط، كان لطيفًا جدًا الله يرحمه، وقد كان عادلًا جدًا بينى وبين أختى.


■ هل كان يتابع بنفسه دراستكما أو يوجهكما لاختيار تخصص أو دراسة محددة؟
- كان يتابع دراستنا بصفة مستمرة، دون إجبارنا على شىء، ولكن كانت إحدى أمنياته أن يرى واحدة منا تمتلك موهبة الكتابة مثله، أنا كان لى بعض المحاولات فى الكتابة والرسم ولكنى لم أكمل، وحاول مساعدتنا كى نحاول السير على نفس خطاه، ولكنها ظلت مجرد هوايات حتى الرسم لم أفكر فى العمل به.


■ نجيب محفوظ كان يمتلك طقوسًا وعادات ثابتة لا تتغير فيما يخص حياته المهنية ككاتب وروائى، حدثينا عن تلك الطقوس؟
- لم تكن لديه تلك الطقوس التى تتملك الأديب، وتجعله ينعزل عن المحيطين به ويغلق على نفسه كى يستطيع التركيز، ولكنه كان يجلس بيننا ونحن نذاكر دروسنا ويكتب ويقرأ ونحن لا نسبب له أدنى إزعاج، لا أتذكر سوى مرة واحدة كنا بنتخانق أنا وأختى فقال لنا اطلعوا بره بغضب فقط ولم يرتفع صوته فقط، كان هادئ الطباع مسالمًا، لم يكن عصبيًا ونادرًا ما كان يغضب.


■ هو أكثر كاتب حولت أعماله إلى نصوص درامية.. فما أحب الأعمال إليك والتى حولت إلى نصوص درامية؟
- أنا أحب جدًا الثلاثية والحرافيش والمرايا، وعلى المستوى الدرامى هناك أهل القمة وميرامار وثرثرة فوق النيل، ولكنى أحب بصفة خاصة كل أعمال محسن زايد، هو يفهمه ويجيد تقديمه مثل الثلاثية وحديث الصباح والمساء وقلب الليل.


■ ما هوايات نجيب محفوظ الأخرى؟
- هواياته كلها خارج المنزل. كان يهوى السينما والمشى طبعًا ولعب الكرة، والفن التشكيلى وهذا جعل من حياته روتينية. فكان يقول دائمًا إنه يحب أشياء كثيرة وإذا لم ينظم حياته فلن يستطيع أن يفعل كل ما يحبه. فقد كان صارمًا فى روتينه وتنسيق الوقت فكان يستيقظ دون منبه فى موعده يوميًا. وعن أهم من كان يقرأ لهم نجيب محفوظ، تخبرنا هدى أنه كان يقرأ لتوفيق الحكيم وجيمس جويس والشاعر الهندى طاغور، فكان دائمًا أمامه عمل لطاغور يقرأه.
وأخيرًا أختم الحوار بجزء من الكلمة التى قيلت عنه فى مراسم فوزه بجائزة نوبل فى ستوكهولم عام ١٩٨٨ «ظلت مصر وطنه الذى لم يغادره أبدًا إلا فى المناسبات النادرة فوهبته القاهرة وحى الزمان والمكان لرواياته ومسرحياته وقصصه القصيرة».

تعليقات القراء