من أرخص وسيلة نقل في القاهرة.. عزاء لركاب المترو «في الأتوبيس الأحمر»

معايشة-رنا الجميعي وشروق غنيم ودعاء الفولي:
تصوير-شروق غنيم:


في موقف نقل عام بمنطقة القلعة، استقرت بضع حافلات حمراء اللون، تذهب كلٌ منها لمنطقة مختلفة. عدد قليل من المواطنين جلس داخل وسيلة المواصلات الأرخص في القاهرة حاليا. أحاديث دارت بينهم على استحياء؛ بعضهم غاضب من ارتفاع سعر تذكرة المترو، آخرون لم يعرفوا ما حدث، فيما كانت معاناة سائقي الحافلات مضاعفة، فبينما يشكو لهم الركاب من قرار الأمس، تستمر أزماتهم الشخصية كمواطنين مع غلاء التذكرة.

 

يعيش أحمد عنتر، سائق أتوبيس النقل العام، في منطقة بشتيل، بالجيزة. يضطر الشاب المتزوج لقطع ساعتين يوميا إلى موقف القلعة ليبدأ عمله "بنزل من بيتنا 3 عشان أبدأ الشغل خمسة الصبح"، يعاني من كثرة المواصلات التي يستقلها، لذا قرر في الفترة الأخيرة العيش مع والده في منطقة المنيب، قبل أن يسمع عن ارتفاع سعر المترو.

 

 

 

أعلنت، وزارة النقل، مساء أمس الخميس، رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق، وتقسيم المحطات إلى 3 مناطق.


وشمل الحد الأدنى لتذكرة المترو 3 جنيهات للمنطقة الأولى والمحددة من "محطة إلى 9 محطات"، و5 جنيهات للمنطقتين بمجموع "16 محطة"، و7 جنيهات للثلاث مناطق والتي تبدأ من "16 محطة فيما فوق".

 

16 محطة يقطعها عنتر من المنيب إلى التحرير يومياً رفقة زوجته "كنا بنركب احنا الاتنين بأربعة جنيه دلوقتي بقينا نركب بـ10 جنيه"، يتعجب الزوج من الزيادة المفاجئة "لما يحبوا يزودوا مفروض تبقى حاجة بسيطة مش رقم كبير كده".

 

 

لا تتوقف أزمة عنتر عند غلاء تذكرة المترو فقط "خايف سواقين الميكروباصات يزودوا الأجرة ويستغلوا الفرصة"، يعرف أنه لا رقابة عليهم "خاصة إن مفيش أي بدايل غيرهم".

 

ظل عنتر يحسب المبلغ الجديد الذي سيدفعه يوميا، فيما جلس بجواره الكمسري أحمد محمد الذي شاهد حوار لا ينقطع منذ السادسة صباحا عن أسعار المترو "الناس بتتكلم ومش عارفين يعملوا ايه"، بالنسبة للكمسري فإن مساره اليومي لا يتضمن المترو "أنا باجي من المنوفية كل يوم، بخرج من بيتنا الساعة اتنين الفجر عشان أبقى في الموقف الساعة 6"، يستنكر "محمد" أسعار المترو الجديدة "طب اللي معاه عيال هيعمل ايه، هي الناس هتاكل بكام وتشرب ايه عشان تدفع المواصلات كمان".

 

 

ما إن جاءت الساعة الواحدة ظهراً، حتى بدأ محمد عمله في الحافلة التي تحركت من القلعة لشبرا الخيمة. داخلها جلست منال عائدة إلى منزلها في روض الفرج. يبدو عليها الاطمئنان قليلا "كويس إن الاتوبيس ده لسه سعره جنيه ونص زي ما هو". منذ الصباح تعلم السيدة عن الزيادة الجديدة، تشعر بحنق شديد "طب بيغلوا الموصلات يبقى يزودوا المرتبات شوية"، لا تستخدم وكيلة المدرسة المترو سوى في بعض المشاوير، إلا أنها "مبحبوش اصلا، رجلي تعبانة والسلالم أوقات بتبقى عطلانة"، لكنها أحيانًا ما تضطر إليه "هو سريع وطريقه مباشر".

 


بعد الزيادة الأخيرة، لن تستخدم "منال" المترو ثانية. وبينما تحكي عن قرارها، التقط الحديث أحد الواقفين بالأتوبيس متسائلًا "هو المترو زاد؟"، ليرد عليه شاب آخر "أيوه زاد من النهاردة". عدم التصديق كان رد فعل الرجل "أنا سامع إنهم هيزودوه على شهر سبعة"، المفاجأة التي ألجمته جعلت فتى في عمر السادسة عشر يقول "أنا بروح شغلي من شبرا للمنيب، والله ما عارف أعمل ايه، من ساعة التعويم ده واحنا اتعومنا".

 

 

يأتي قرار زيادة أسعار التذاكر في إطار خطة حكومية سبق الإعلان عنها -دون التقيّد بموعد لتطبيقها- وشملت تركيب ماكينات تذاكر جديدة، لتفعيل تقسيم محطات المترو إلى عدة مناطق.


وأرجعت وزارة النقل إقرار تلك الزيادة إلى "تطبيق العدالة الاجتماعية، والحد من الخسائر المتراكمة لمرفق مترو الأنفاق".

 

بجانب محطة مترو محمد نجيب، انتظر مجموعة من المواطنين مرور الحافلة المتجهة لمنطقة بولاق الدكرور، مرورا بمحطتي الإسعاف والتحرير. داخلها لم تكن سيرة ما حدث في المترو غائبة. يسأل بعض المواطنين الكمسري عما إذا كان الخبر أكيد؛ فيقول: "أه طبعا، دول عملوها فئات كمان وكل ما تزود محطات تدفع أكتر"، يرد أحدهم بغضب "لو الناس كلها قررت متروحش الشغل هيرجعوها رخيصة.. احنا اللي بنسكت"، يقاطعه آخر "بس هما بيعملوا بالفلوس دي خط جديد"، فيما يعلق الكُمسري "احنا مش معترضين، بس مفروض يراعوا الناس برضو".

 

 

تتأرجّح الحافلة بينما يخترق السائق الشارع الهادئ نسبيا، لكن داخل العربة يعلو الضجيج، يتمايل الرُكاب كحديثهم عن المستقبل بعد ارتفاع الأسعار، ينفعل شخص حاكياً عن تضاعف مصروفات المواصلات بعدما أصبحت تذكرة المترو بسبعة جنيهات، ويحتدم النقاش، حين يُباغته أحدهم بترحيبه بالقرار.

 

ينخرط أكثر من شخص في الحديث، يكُر الكلام الأحوال المعيشية لكن يبقى المترو مركز النقاش "ما هما لسة مغليينه من فترة، كانوا استنوا ولا غلوها حاجة بسيطة مش فجأة ادفع سبعة جنيه في مشوار واحد"، يشرد بعض الرُكاب، يتابعون باستسلام ما يُقال، لكن يعود انتباههم حين يصيح أول شخص قائلا "ده الواحد يموت نفسه أحسن يا جدعان".

 

 

وأشار المهندس خالد صبره، العضو المنتدب للتشغيل والصيانة بالشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق، إلى أن الزيادة الجديدة راعت البعد الاجتماعي، مُوضحا أن هذه الزيادة موجهة للمواطنين الذين يستخدمون المترو بشكل غير يومي، لأن من يستخدمه بشكل يومي الأفضل له عمل اشتراك ربع سنوي، إذ يبلغ سعر تذكرة المنطقة الأولى في الاشتراك جنيهين بدلا من 3 جنيهات، وفي المنطقة الثانية 2 جنيه و50 قرشا بدلا من 5 جنيهات، وفي المنطقة الثالثة 3 جنيهات و90 قرشا بدلا من 7 جنيهات.

 

بنفس الوقت الذي يبدأ فيه مترو الأنفاق بالعمل، في الخامسة صباحا، تتحرك عجلات الأتوبيسات الكائنة بموقف عبد المنعم رياض، حسبما يروي محمد عبدالفتاح، مدير محطة عبد المنعم رياض. لم تظهر آثار قرار الأمس بعد أمام الموظف الخمسيني "يوم الاتنين هنشوف إذا الناس هتركب أتوبيس بنسبة أكبر ولا لأ".

 

 

يتدخل محمد عبدالجواد، العامل بالهيئة في الحديث "الناس ملهاش سيرة غير حكاية المترو"، يُرثي حاله كموظف في الهيئة "بضطر أركب المترو لو عندي مأمورية، ومفيش أي استثناء ليا عشان موظف هيئة، وإحنا أصلًا مرتباتنا مش مستحملة"، يحصل الأب الخمسيني على 1100 جنيه شهريا، يتفهم غضب المواطنين "ونفسي المسئولين يبقى عندهم شوية رأفة بالناس".

تعليقات القراء