أولاد حارتنا لـ «نجيب محفوظ» ميلاد الجبلاوى أم نهايته؟ .. متى سيأتى الزمن الذى سيتندر فيه أولاد حارتنا على أساطير الأديان؟

المقال - كتب - عصام الزهيري

لماذا قتل عرفة الجبلاوى ولماذا صار خاتم الأنبياء؟ كيف داعبت أصابع الروائى الخبير بمهارة فنية الفكرة الطفولية عن الله باعتباره شبيه الأب؟ متى سيأتى الزمن الذى سيتندر فيه أولاد حارتنا على أساطير الأديان؟

السبب الأهم الذى جعل «أولاد حارتنا»، رواية «محفوظ» الإشكالية، تحظى بكل هذه الأهمية الاستثنائية هو أنها تناولت قصة الخليقة وولادة العالم وظهور واطراد الكون الإنسانى. وحدث ذلك فى إطار ثقافة كانت هى الرائدة للأساطير والعقائد التى تخلقت وأنتجت منذ أقدم الأزمنة فى هذا المضمار الكونى.

ثم جاءت الرواية المحفوظية لقصة الخليقة، أو إعادة إنتاجها روائيا بقلمه، بعد رسوخها بآلاف السنين كعقائد مدونة فى كتب سماوية ثلاثة مقدسة خرجت جميعا من منطقتنا. كما أتت هذه الرواية فى قالب فنى وثقافى مستحدث مستنبت كان لا يزال يحاول تثبيت جذوره فى تربة ثقافتنا. قالب فنى تميز بأنه حقق انتشارا عالميا غير مسبوق، غزا به كل الثقافات الإنسانية حول الأرض.

إذن رواية «أولاد حارتنا» تلامس –ربما لأول مرة فى تاريخ الجنس الروائى العربى- قلب الخيال وجوهر الثقافة وأساس العقيدة والإيمان فى مجتمعنا المصرى ومجتمعاتنا العربية فى لحظتها الثقافية الراهنة والمستقبلية ولمدى زمنى ممتد كذلك. وعلى ذلك فإن الموقف منها يكون على صلة قوية دائما بما تحققه ثقافتنا من درجات الوعى وطفرات الخيال والتقدم الفكرى والارتقاء الثقافى.لذلك، فلم تكن مشكلة هؤلاء الذين كفرّوا «محفوظ» مع رواية «أولاد حارتنا» مشكلة دينية الطابع فقط، بل إنها فى جوهرها أزمة قدرة واستعداد محدودين على استيعاب طبيعة وأدوات الخلق الإبداعى فى جنس فنى وأدبى عصرى وجديد، أصبح علامة من علامات ثقافة العصر وطبيعة ومحتوى وسائله الإدراكية والتواصلية، هو الجنس الروائى.


تنطلق رواية «أولاد حارتنا» من هذه اللحظة المغرقة فى رمزيتها الدينية: «.. يوما دعا الواقف «الجبلاوى» أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتانى المتصل بسلاملك الحديقة. وجاء الأبناء جميعا، إدريس وعباس ورضوان وجليل وأدهم فى جلابيبهم الحريرية فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لا يكادون ينظرون نحوه إلاّ خِلسةً.. وهو يبدو بطوله وعرضه خلقا فوق الآدميين كأنما من كوكب هبط..وما يقلقهم إلا أنه جبار فى البيت كما هو جبار فى الخلاء.. وقال بصوت خشن عميق: أرى من المستحسن أن يقوم غيرى بإدارة الوقف.. وقد وقع اختيارى على أخيكم أدهم ليدير الوقف تحت إشرافى.. فغضوا الأبصار حذرا من أن يقرأَ ما فى نفوسهم إلا إدريس فقد قال بإصرار: ولكننى الأخ الأكبر. فقال الجبلاوى مستاء: أظن أننى أعلم ذلك، فأنا الذى أنجبتك».


ولا يستطيع قارئ «أولاد حارتنا» أن يتجنب المماثلة الرمزية مع الرواية الدينية لقصة الخلق الكامنة بتسلسلها فى عالم الرواية السردى، بدءًا من لحظة تكليف أدهم «آدم» فى المشهد السابق الذى يتضمن كذلك اعتراض إدريس «إبليس»، وصولا إلى طرد أدهم على يديه، والصراع بينهما على الأرض «فى الحارة»، وقتل قدرى لهمام «قابيل وهابيل»، ثم رسائل الجبلاوى إلى أبنائه التى كلف بها جبل ورفاعة وقاسم «موسى وعيسى ومحمد».

عالم سردى ذو طابع «أليجوري» ومواز بتعبير النقد الأدبى، والأليجوريا كما تعنى فى النقد، هى حكاية ذات طابع رمزى أو تلميحى تقوم على تسلسل أعمال وتعرض شخصيات تكون لصفاتها وأعمالها وأسمائها قيمة العلامات، وتتحرك هذه الشخصيات فى مكان وزمان لهما بدورهما طابع رمزى، وتضم دوما مظهرين: مظهرًا مباشرًا حرفيًّا ومظهرًا ثانيا يتمثل فى الدلالة الأخلاقية أو النفسية أو الدينية.لكن ما لم يلتفت إليه من صدمهم عالم الرواية الرمزى هو أن المزج غير المسبوق الذى أجراه الروائى بين ما ينتمى لقصة الخلق الدينية وما ينتمى للقصة الفنية، جرى طيلة الرواية على أرضية رمزية مثالية فلسفيا، بمعنى أنها أرضية فكرية معادية للفلسفة المادية فى الأساس، بقدر ما أنها روحانية الطابع فى قراءتها لقصة الخلق ومجمل المسيرة الإنسانية.


فى هذا المزج الروائى الفريد تحولت تجربة «عرفة»، وهو الرمز الأليجورى للمعرفة الحديثة التى تختزل روح العلم فى قوانينه وتجربته ونسبيته وتطوره، من تجربة مادية تصطدم بالواقع إلى تجربة روحية، وتحول «عرفة» بذاته إلى نبى خامس، نبى اقتضت تجربته النبوية «البشرية» الشائكة أن يبدأ بحثه المحموم ووفاءه لهذا البحث بقتل الإله «الجبلاوى»، وأن يختبر بنفسه، ومعه كل سكان الحارة، ما أدى إليه موت الجد من وضع كل خيوط القوة والسلطة فى يد حاكم الحارة الظالم «ناظر الوقف»، لتنقلب تجربته إلى بحث جديد عن الخلاص بالعدل والحرية، وهما ميزان الحلم النبوى عند كل الأنبياء السابقين، عن طريق البحث عن وسائل إعادة الجبلاوى للحياة من جديد.


قتل الجبلاوى على يد «عرفة»، الذى تقدمه الرواية باعتباره «جدنا الذى انحدرنا منه»، حمل شحنة رمزية عالية وخصبة، فهو من وجهة نفسية يوازى عملية قتل الأب، التى يقول علم النفس إنها الآلية النفسية المعبرة فى حياة كل إنسان عن نضج شخصيته، وكما يعنى قتل الأب فى علم نفس مجرد عملية نفسية رمزية تشير إلى نضج الإنسان فى مرحلة عمرية محددة، يشير قتل الجبلاوى رمزيا إلى بلوغ الجماعة الإنسانية والمجتمعات البشرية حالة من النضج العقلى والروحى الجمعى فى مرحلة ما من مراحل نضجها الاجتماعى، وهو ما يوازى بدوره التعبير الدينى الإسلامى عن ختم الرسالات، فكما كان ختمها بالإسلام إشارة علوية إلى قدرة الاستغناء الذى بلغه العقل البشرى فى نضجه التاريخى والمجتمعى عن الاتصال المباشر بوحى السماء، كان قتل الجبلاوى فى الرواية إشارة إلى هذا التحقق الإنسانى الذى دخلت معه الإنسانية، والرواية، مرحلة مفتوحة من البحث بأدوات المعرفة التجريبية الجديدة الناضجة ومناهجها العلمية عن حلم العدل والحرية وتحقيقهما لكل إنسان فى الحارة «الكون»، وبالتالى البحث عن سبل ووسائل إعادة إحياء وتجسيد الجبلاوى.


جناية أخرى مهمة وممتعة من جنايات الفن الخالدة ارتكبها «محفوظ» فى تحفته الروائية، وهى أنه داعب بأصابع الفنان الخبير، وبحدة متعمدة، الفكرة الطفولية عن الله باعتباره شبيها بالأب «الجد الجبلاوى»، وهى الفكرة التى عرفتها البشرية فى بداية اعتناقها لعقيدة الألوهية. وهنا كان مصدر فزع سببته الرواية لهؤلاء الذين يعتنقون نفس التصورات عن الله بطريقة أصولية، وهى تصورات تقترب فى طبيعتها وفى زمانها التاريخى من طبيعة وزمن التصور الوثنى لله، بقدر ما تنأى بعصور متطاولة من النضج عن طبيعة زمن وتجربة «عرفة» الذى أصبحت كراسته الضائعة فى رواية «أولاد حارتنا» رمزا مستقبليا لما يمكن أن تحققه صيغ المعرفة العلمية ومناهجها من أحلام العدل والحرية النبوية، وهو ما يفتح الطريق واسعا لآمال الخلاص عبر تجسيد جديد حى وخلاق للجبلاوى.

تعليقات القراء