يوميات نائب في الأرياف.. “ما أنت إلا نافذة مفتوحة أطلق منها حريتي في ساعات الضيق!.”

يوميات نائب في الأرياف.. “ما أنت إلا نافذة مفتوحة أطلق منها حريتي في ساعات الضيق!.”

 

الرواية: يوميات نائب في الأرياف

الكاتب: توفيق الحكيم

الناشر: دار الشروق

 
“ما أنت إلا نافذة مفتوحة أطلق منها حريتي في ساعات الضيق!.”
 
بتلك العبارة في أول صفحات الرواية, يشرح توفيق الحكيم لماذا يدون يومياته والتي أستمرت من11 أكتوبر حتي 22 أكتوبر وتظهر حكمته وبعد نظره في عدم ذكره للسنة ولا القرية مكان حدوث المذكرات.
 
الحكيم أستخدم أسلوب السرد الشخصي الشائع استخدامه في اليوميات ,ومحور الرواية حول حادثة قتل في قرية بالوجه القبلي يحقق فيها الحكيم بإعتباره وكيل النيابه, وللحكيم عين ثاقبة في نقد المجتمع بأسلوب ساخر.. ففي أول الرواية يفسر لنا طبيعة الشخصية المصرية الصعيدية في التمسك بالتار وعدم اقتناعه بعدالة القانون "فقلت في نفسي : لا بأس ,تلك حادثة بسيطة تستغرق مني على الأكثر ساعتين, فالضارب مجهول, والمضروب لا يتكلم ولا يثرثر, والشهود ولا ريب: الخفير النظامي الذي سمع صوت العيار فذهب اليه خائفاً متباطئاً, فلم يجد بالطبع أحد بانتظاره غير الجثة الطريحة, والعمدة الذي سيزعم لي حالفاً بالطلاق أن الجاني ليس من أهل الناحية, ثم أهل المجني عليه الذين سيكتمون عني كل شئ ليثأروا لأنفسهم بأيدهم,”
 
الحكيم أجٌبر علي دخوله لكليه الحقوق وبنفس الطريقة أجبر على سفره لفرنسا في بعثة حكومية لنيل الماجستير والدكتوراة ,لكنة أمضي سنوات البعثة الثلاث (1925-1928) في دراسة الأدب والفن, أما بالنسبة لمجال القانون ففشل في الحصول علي الشهاده, وتلك الفترة من أهم فترات التكوين الأدبي للحكيم ففيها تعلم الرمزية والعبثية من الأدب الفرنسي, تحديدا من المسرح الفرنسي, وتلك الرمزية ما يميز أدب الحكيم عموما ومسرحياته التي كان معظمها للقراءه فقط ولا تصلح للتمثيل المسرحي, فهو لقبه رائد المسرح الذهني ,ومعظم أعماله مستمدة من التراث المصري,القبطي,الإسلامي ,الفرعوني.
 

والنص ملئ بالدلائل الرمزية

 

منها وصفه لحال القرية المصرية:

- هذه الجحور المسقفة بحطب القطن والدرة يأوي إليها الفلاحين ..إنها في لونها الأغبر الأسمر لون الطين والسماد وفضلات من البهائم, وفي تكدسها وتجمعها “كفوراً”و “عزباً” مبعثرة علي بسيط المزارع , لكأنها هي نفسها قطعان من البيوت التي تعيش في بطونها ديدان من الفلاحين المساكين, كرسام موهوب يصف الحكيم القرى ,حتي أنه لم يغفل اللون ,الحيوانات,والامراض المعوية المستوطنة بطون الفلاحين ,,
 
ومره أخرى يقول:
- ” الواقع أنها بلاد قريبة من الفطره والوحشية ! هذا الوجه القبلي من مصر شي مخيف …
 

وعندما تحدث عن الفلاح المصري:-

- ظهر إنه ملي بالعيوب والتشوهات النفسية التي أوجدتها الحكومات المتعاقبة بالإهمال و تعمد إنتشار الأمية ,حتى تضمن استكانته وبقاءه مهزوم لا يطالب بحقه, فحياة المواطن المصري كما يراها الحكيم ذل وعبوديه دائمة للأرض والسيد: قلة مقدرة وضعف ثقة بالنفس بسبب أشتغاله بأعمال العبيد من قديم في الأرض والزراعة وترك الفروسية والجندية للمغيرين أقربهم بنا عهد الأعراب و عهد الأتراك..
 
 وقوه ملاحظة الحكيم تبهرك في ذكره للتفاصيل التي تخفى عن الجميع ففي وصفه عن شخص متهم بعدم تطعيم كلبه!, يقول: فظهر رجل كهل من المزارعين يبدو من زرقة (شال ) عمامته (المزهرة) ومن جلبابه الكشمير وعباءته الجوخ “الأمبريال” وحذائه “اللستيك”الفاقع في صفرته, أنه علي جانب من اليسار و استواء الحال. وتظهر الخلفيه الارستقراطية للحكيم في معرفته بماركات الملابس “الأمبريال” والحذاء” اللستيك فهو ذو أصول شركسيه تركيه من عائله غنية في أيتاي البارود –البحيرة
 

فساد النظام القضائي شغل حيز كبير من الرواية:

فهو يشرح العيوب ويفند الاسباب ويأتيك بالحل, وغالبا الحل هو النموذج الفرنسي الأوربي ,لما عايشه وانبهر به في سنوات البعثة ,أني مازلت أذكر كلمة رئيس النيابة يوما لي وقد تناول محضراً في عشر صفحات :
“مخالفه , جنحة؟” فلما أخبرته أنها قضية قتل صاح مندهشاً:
قضيه قتل تحقق في عشر صفحات فقط؟ فلما أخبرته وإذا ضبطنا الجاني …,
فلم يعبأ بقولي,ومضي يزن المحضر في ميزان كفه الدقيق,
فقلت له على الفور :إن شاء الله نراعي الوزن
 
والبيروقراطية هي المرض المزمن في جسد الدولة المصرية ,وعن مدي استخفاف القضاء بالأرواح يقارن بين أثنين من القضاة أحدهما يحضر من مصر حتي يفصل في القضايا والآخر من قريب من المحكمة, الأول سريع يحكم الحكم أثناء ركوبه القطار ويتعجل بالحكم ثم يكتب حيثياته ويبرره ,والأخر يستغل علمة القليل للنصب البسطاء والسذج ,ويضحك الحكيم ضحك كالبكاء علي جهله والمفترض أنه قاضي وعلامة, لكنه حين دعي لندوة تتحدث عن آينشتين وقانونه النسبية , يقول: رد القاضي على نظرية آينشتين –النسبية (هل هذا العالم (شنتون) وزن السموات والارض بالكرسي أم بدون الكرسي؟….
ويصفه الحكيم ب ,,:
(الصنف الذي يستغل علمه القليل وجهل الناس .., وفي الغالب الفلاح يتقبل الحكم كأنه قدر ومرض أبتلي به:آه من هذا القانون الذي لا يمكن أن يفهم كنهه هؤلاء المساكين,” ويتعجب في أكثر من موضع عن جدوي القضاء نفسه.
“-أنستطيع أن نسمي هذا القضاء رادعا والمذنب لا يدرك مطلقا أنه مذنب,” ويقارن بين معدل الجريمه بين شيكاغو وبين قرية أبانوب ويوضح الفرق بين جريمة البداوة وجريمة الحضارة: “هناك الجريمة المتحضرة تخرج في سيارتها المصفحة حاملة المسدسات والمفرقعات لتهجم على أضخم البيوت, وهنا الجريمة الفطرية تخرج متدثرة في عباءتها حاملة هرواتها أو فأسها لتفسك دم رجل ضعيف انتقاماً لعرض أهين في نظر العادات والتقاليد” .
 

وتظهر شخصية الحكيم وكرهه لعمله كوكيل للنيابة :

“-إني بطبعي لا أصلح إلا لملاحظة الناس خفية يتحركون فوق مسارح الحياة , لا أن يشاهدني الناس ممثلا بارعا قد سلطت علي وجهه الأضواء إن هذه المواقف تعمي بصري, وتذهب بي , وتطير ما في ذاكرتي وتفقدني ذلك الهدوء النفسي الذي أرى به أعماق الأشياء وبتشبيه بليغ يصف جسد جثه للتشريح أمامه يقول: لم يعد هذا الرجل في نظري رجل , إنما هو ساعة حائط كبيرة أريد أن أفتحها لأشاهد آلاتها وتروسها وعجلاتها وأجراسها.. ويتعجب الحكيم من آثار المهنة الطاغية على شخصيته وسلوكياته وأنا أعجب لما في نفسي من انقلاب, أنا الرقيق الحس أرى الجزر والتقطيع بل آمر به ولا أرتعد, ثم أي خيبة أمل, كنت أحسب أن الإنسان أعظم من ذلك وللحكيم لقب آخر أطلق عليه وهو (عدو المرأة) ، وعن رأية في المرأة الصعيدية يقول:
إن المرأه شبح لا يرى ولا ينبغي أن يرى. وهي مخلوق جاف لا فرق بينها وبين الرجل. كلاهما شئ لا أثر للرقة فيه, وكلاهما في الجسم و الطبع والروح كتلك الارض السوداء التي يعيشان عليها وقد جف عنها النيل في زمن التحاريق (أدني منسوب للمياه), آدميون قد جف عن تركيبهم ذلك الماء الذي فيه سر امتياز الآدمين..
 
 اللغة المستخدمة مزيج من عامية الأرياف وفصحى المحاكم وعبقرية الحكيم تظهر في الكلمات المرتبطة بالفلاح والحياة الزراعيه عموما مثل  أم السعد- قزمان أفندي - إبراهيم الجرف - ست أبوها - السيد حريشة أورطة الهجانة - العرضحالجي الاضبش - الكومبيل - باشتمرجي - الفورنيه - القلم الجنائي - جحش السبخ - باشجاويش – باشخرمان,- فركة كعب … حتى أنه لم ينس نقد نظام التوليد المتبع قديما والتي كان مكون من الداية ,وهي امرأه غير مؤهلة, ويروي مأساه لموت امرأة وجنينها عند الولادة وعندما فحصها الطبيب وجد أن بداخل رحمها تبن وعند سؤال ست هندية الداية لقتها مظفلته قلت أحرش كفي بشويه تبن.
 

وعن التراث الشعبي في الرواية أمتعنا الحكيم بأكثر من موال:

فتش عن النسوان
تعرف سبب الأحزان
ورمش عين الحبيبة
يفرش على فدان
***
ورمش عينها يا ناس
يفرش على المية
واحدة بياض شفتشي
والتانية بلطية
والتالتة من بدعها
غرًّقها في المية
 
وذكره لمطلع أغنيه للراقصة المشهورة حينها شفيقة القبطيهة”كان العطشجي فين لما لوابور وقع انكسر”.
 
وفي النهاية يستعجب الحكيم كيفية تحقيقه للعدالة مع صورة متكررة في التاريخ المصري وهي تزوير الانتخابات و كيف يراد منا أن نعرف متهما في قضية غامضة كهذه وكل من المأمور والبوليس ملبوخ من رأسه إلى قدميه في تزييف الانتخابات .
 
الحكيم بنظري مصلح إجتماعي لا يقل عن تولستوي أو جان جاك روسو سيبقى دائما خالداَ بأعماله ….
 
تعليقات القراء